تحدثا قليلاً وخرجت ثيرا من غرفتها فور سماع صوت فالك لوداعه، وأعلمهما بأنه سيغادر غدًا في المساء كما اعتاد. أعد بن وجبة فطور متأخرة لهما ثم آثر الجلوس في غرفة المعيشة للعمل على الرداء بدلاً من الانعزال في غرفته. عندما رأته كذلك، أحضرت ثيرا كتابها وانضمت إليه بينما كان يواصل عمله، وهكذا انقضت الساعات. كانت سرعته أسرع قليلاً من الأمس، وشعر بثقة أكبر في تقنيته مقارنة بمحاولته الأولى، لكن التقدم ظل بطيئا، لا سيما مع كمية القماش الهائلة التي صار عليه التعامل معها.
رغم ذلك ركّز بعمق على المهمة، ولم يسمح لأي تشتيت بعرقلته حتى لاحظ شعوره بالجوع فتوقف ليتفقد الوقت. ارتاى أن الوقت مناسب لبدء العشاء فاستعان بثيرا لمساعدته مجددا وتجاذبا أطراف الحديث أثناء إعداد الطعام، حيث عادت ثيرا للحديث عن كتابها، وهو عمل أدبي تاريخي يدور حول توتر سياسي بين عرقين، وقصة حب محرمة نشأت بين أمير إقطاعية وأميرة الأخرى. ألقى بن تعليقا عابرا حول كيف أن نمط العاشقين المنكودين يبدو عابرا للعوالم، مما دفع ثيرا لسؤاله سريعا عن أدب عالمه وما يفضل قراءته.
أثناء حديثهما فوجئ بن بمعرفته أنه رغم افتقارهم للخيال العلمي، إلا أنهم يملكون بالفعل شكلا من قصص الخيال، وغالبا ما تدور حول شخص يستيقظ على تقارب سحري لم يكن موجودا من قبل ويقاتل وحوشا خيالية قد توجد في أساطير أي عرق قام بكتابتها.
قال بن ممازحا: "كيف يمكن لأحد الجزم بأن هذه المخلوقات توجد في الأساطير وحدها؟ هذا الكوكب خليط عجيب لدرجة أنني أشعر أن بإمكانك إيجاد أي شيء عليه لو بحثت بما فيه الكفاية".
حتى وإن قصد المزاح العابر، أخذت ثيرا السؤال بجدية.
وقالت: "إنه لسؤال وجيه في الواقع. ليس الأمر كأن الملوك قد جلبوا نظم بيئية كاملة معهم، لكن أشياء كثيرة انتهى بها المطاف بالقدوم والتكاثر لدرجة يصعب معها الجزم بما يعيش في الأراضي البرية. هذا ناهيك عن حقيقة أن بعض هذه المخلوقات قد توجد فعلا في العالم الأصلي لعرقها. هناك قصة تعود إلى نحو مئة عام مضت حيث ابتكر كاتب من أحد العرق مسرحية ذائعة الصيت استخدمت وحشا أسطوريا، وتدخل ملكهم ليذكر أنهم أخطأوا تماما في تصوير شكله، مما صدم الجميع بمعرفة أنه كان موجودا حقا في عالمهم الأم. من يدري كم من الأساطير الأخرى تشبه ذلك أيضا؟"
قال: "حسنا، سيكون هذا جنونا حقا"، لم يستطع تخيل شعوره لو أثبت له أحدهم أن التنانين لم تكن موجودة على الأرض فحسب، بل إن أحدا لم يفلح في ضبط مظهرها.
لا بد أنها كانت تجربة سريالية لذلك العرق في ذلك الوقت. بعد ذلك شرع بن في الحديث عن قصص مختلفة قرأها واحتفظ بها في ذاكرته، ثم حاول شرح وسائط المرئي لها، وهو وسط شعر أن هذا العالم يفتقر إليه بشدة، وما إن انتهيا من إعداد الطعام حتى شعر بن بتنبيه يدوي في رأسه.
<بلغ الحد الأقصى لرتبة حرفي متدرب>
صاح: "يا للهول، حقا؟ طهي وجبة منحني القدر الأخير من الخبرة التي احتجتها؟"
سألت ثيرا بارتباك من ردة فعله المفاجئة: "عن ماذا تتحدث؟"
أخبرها بعفوية: "يبدو أنني أكملت مهنتي الحالية أخيرًا".
"هذا رائع! لماذا لا تبدو متحمسًا أكثر؟"
"الأمر ممتع وكل شيء، لكنني أكبح توقعاتي للآن فقط. عندما حصلت على هذه المهنة للمرة الأولى كانت الخيار الوحيد المتاح، ومن يدري إن كان أي شيء سيظهر حين أتفقدها هذه المرة".
"كنت حرفيا متدربا أليس كذلك؟ يجب أن تحصل على مهنة الحرفي الآن بعد أن أنهيت مسار المتدرب".
"محقة، أتعرفين مكانا يمكنني تغييره فيه؟"
"يجب أن تكون هناك غرفة مخصصة لذلك في مؤخرة النقابة، إن ذهبت وسألت أحد الأعضاء فسيدلك عليها".
كاد بن يرغب في تفقد الأمر فورا، لكنه أخبر صونيا بأنه سيبقي عينيه على ثيرا ريثما تعود، لذا يمكن للأمر الانتظار حتى تعود هي للبيت. استمتع بوجبته معها قبل العودة للعمل على الرداء، طامحا في قرارة نفسه طوال الوقت بأن تتاح له خيارات إضافية قليلة على الأقل.
حين عادت صونيا في المساء، أخبرها برغبته في الذهاب لتغيير مهنته، لكنها أصرت على إلقاء مزيد من سحر العلاج عليه قبل أن يبرح مكانه. لقد كاد يتعافى، غير أنها تشبثت برأيه كي لا يُجهد نفسه في المسار، فاستسلم لها قبل أن ينطلق. كانت تلك مرته الأولى خارج المنزل منذ أيام، ولامس الهواء النقي جلده باستحسان. بدأت الشمس بالغروب للتو، فاستمتع بآخر خيوط النور وهو يشق طريقه نحو النقابة.
دلف إلى المبنى، فشعر بأنظار كثير من المغامرين تلاحقه بينما كانوا يحتسون شرابهم حول الطواولات. آثر تجاهلهم حين ناداه أحد الموظفين فجأة.
"بن! يسرني أن أراك بخير."
صرخ أونك، مغادراً مكتبه ومهرولاً نحوه.
"سمعت بما جرى، أمن الآمن أن تنهض هكذا بعدُ؟"
"أهلاً أونك، أجل، أنا بخير. كانت صونيا تعالجني طوال المدة الماضية، لذا أشعر بقليل من الألم لا أكثر."
"هذا جيد إذاً."
قال خافضاً صواته.
"أتدرك كيف حال ثيرا؟ مع كل ما حل بك والإشاعات الحائمة، فقد جرى توقيفها..."
"لم يُقبض عليها."
بادر بالرد سريعاً.
"إنها لا تبرح منزلها حالياً، هذا كل ما في الأمر."
لم يشعر بأنه مخوّل لشرح أنها تخضع للإقامة الجبرية فعلياً، سيما وأنها قد تغادر ما إن يتم رداءها.
"ربما كان ذلك أفضل ريثما تهدأ الأمور قليلاً، لكنني سعيد لسماع أن كلاكما بخير. بعد الضجة التي أحدثتماها لدى عودتكما إلى البلدة وحقيقة أن أياً منكما لم يطأ النقابة منذ أسبوع تقريباً، بدأ القلق يتسلل إلينا."
"عذراً، لكننا بخير جميعاً، ولن نعود لتنفيذ أي طلبات قبل أسبوعين إضافيين على الأرجح. على كل حال، أتيت إلى هنا لأنني سمعت بوجود غرفة لتغيير المهن في مكان ما."
"أه أجل، ليست فخمة للغاية، لكن لدينا بلورة في الخلف. تعال معي لأريك إياها."
تتبع أونك حتى غرفة خلفية، أشد بؤساً بكثير من تلك التي في الكنيسة حيث نال مهنته الأولى، وتقدم نحو البلورة، واضعاً يده فوقها. لم يكن يتوقع سوى مهنة الحرفي، لكنه وجد نفسه ممتناً ومتحيّرًا في الوقت ذاته.
المهن المتاحة
حرفي ساحر مستخدم فخاخ مروّض أشجار
أستوعب الحرفي والساحر، وحتى مستخدم فخاخ يبدو منطقياً بالنظر إلى طريقة صيد طوال الأشهر الماضية، لكن ما بحق الجحيم تعني مروّض أشجار؟ استدعى الأمر بعض التمحيص، فرفع يده عن البلورة والتفت إلى أونك.
"أقول، ألا فكرة لديك عما تعنيه مهنة مروّض أشجار، أصحابي؟"
أمال أونك رأسه متفكراً لههة قبل أن يجيب.
"كنت تحت انطباع بأنها مهنة مرتبطة بعرق درياد. للأسف لا أعرف الكثير عنها، لكني أعرف شخصاً قد يعلم. تعال معي."
أخذه أونك عائداً إلى القاعة الرئيسية وشقه وسط طواولات المغامرين حتى أبصر الشخص المقصود، فهبطت معدته في بطنه. أطلق أنيناً خافتاً. لابد أن يكونوا هم بالطبع. جلس على الطاولة أمامه يستمتع بشرابه سكوي ورفيقاه الاثنان.