الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 357

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 357 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم يرغب بن في مغادرة فراشه مع بزوغ الشمس، فقد تملّكه الحنين إلى البقاء بين ملاءاته والتخفي عما هو آتٍ بطريقة لم يعهدها من قبل. حاول النوم بعمق طوال الليل لكنه أخفق في نيل أي راحة حقيقية إذ داهمته كوابيسه حتى استسلم أخيراً ليمضي ما تبقى من الوقت مع ميرايد، مانحاً جسده فرصة للاسترخاء عجز عقله عن بلوغها. غير أنه بعد ما بدا وقتاً قصيراً للغاية نهض، فرش وجهه بقليل من الماء وحاول ارتداء تعبير إيجابي بينما حطت فكرة واحدة على عقوله الكثيرة.

يوم إضافي. كان هو وتيرا على موعد مع يوزو والبقية بعد الظهر، لكنهما امتلكا الصباح بأسره لاقتناص المزيد من المتعة في أرجاء المدينة، ولم يرغب في تعكير صفو تلك اللحظات الهادئة القليلة التي تسبقهما قبل أن يلقيا بنفسيهما طوعاً في أتون المخاطر المجهولة التي يحملها الاختبار. أمضيا وقتاً طويلاً في تمشيط المكتبة لدرجة أنه حتى مع احتساب الفترات التي توقفا فيها لأمور أخرى، بقي الكثير في المدينة ليستمتعا به، وبهذا الهدف الراسخ في ذهنه غادر غرفته ليواجه اليوم، والقى تيرا كما اعتاد قبل أن يبدلا الأمور بالخروج لتناول الفطور.

كانا قد جربا مطاعم عدة باذلين وسعهما لتجاوز الاكتفاء بطعام مقصف المكتبة ليستمتعا بتشكيلة من الأطباق الغريبة مكافأة لجهودهما، فميزات الوجود في مدينة بوابات تعني سهولة تدفق الطعام والثقافة مقارنة بمكان ناءٍ مثل ستونوول، وكانت فرصة أخرى لينمو بن من خلال معايشته شتى طرق إعداد الطعام، متفكراً في كيفية تطبيقها في طبخه الخاص حين يعودان إلى الديار. ربما يجدر بي بناء مطبخ تجاري في ستونوول حين أعود؟

تساءل في سره. بوسعي فعل الكثير في مطبخ عادي، لكن إن شيدت مبنى مخصصاً لهذا الغرض فسأنجز أضعافاً مضاعفة. يمكنني جلب حزمة من أدوات الطهي وغيرها مما يفتقر مكاني الحالي لاستيعابه وربما أقيم فرناً كبيراً يعمل بالحطب لأجله. أوه، وربما فرناً طينياً تقليدياً أيضاً، فهنالك الكثير من الأصناف الأنسب لتلك النوعية من الأطباق. كان الاستغراق في أفكاره أداة ممتازة للهروب من العالم، وهي وسيلة استخدمها مراراً وتكراراً طوال اليوم مع امتداد الساعات، متفقداً المتاجر المختلفة ومملياً عينيه بالتماثيل العامة والنصب التذكارية لقطع الوقت، بينما كانت تيرا تتوقف لإعجاب ما تراه إن خطف بصرها بما يكفي، في حين أخرج بن ورقة وقلم رصاص ليخطط أي شيء يعلق بذهنه، محتملاً مواصلة العمل على رسم أكبر مستقبلاً إن سنحت له الفرصة.

وما إن مضت ساعات حتى توقفا أخيراً ليجلسا في أحد أكثر أحياء المدينة صخباً، يراقبان الناس وهم يمارسون حياتهم بينما شرع منشد قريب في ترتيلة مغامرة، وأنصت بن بفتور متمحوراً بغالبيته حول تيرا إلى جانبه وهي تتحدث بحماس عن كل ما استمتاعته به طوال فترة مكوثها هناك قبل أن تميل برأسها برفق، وما انفك ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها حتى تحولت سريعاً إلى إمساكها بيدها فوق فمها باذلة وسعها لئلا تنهار ضاحكة بينما اكتفى بن بالنظر إليها حائراً.

ما الأمر، أهناك شيء على وجهي؟ عوضاً عن الإجابة، أومأت برأسها خلفه دافعة إياه للاستدارة لكنه لم ير أحداً سوى الحشد الصغير المتجمع حول المغني وهو يحبك حكايته البطولية. قصة بسيطة عن ثنائي يواجهان تحديات من لدن مَلِك لتجاوزها ونيل حريتهما بينما يصارعان للبقاء وسط كل ما يُرمى في طريقهما. لم يدرك الأمر حتى لمع اسمه في الأغنية ليتسنى له ربط الخيوط ويدرك أنها ترتيلة عما خاضه هو وجريد.

...أتدري، إنه لأمر مضحك، لا يمكنك أبداً إدراك أنك تحلم أثناء وقوع الحلم، أليس كذلك؟ أعني، ليس عادة، لكني أخوض كابوساً جلياً الآن. لست متأكداً إن كان أسوأ من كوابيس اختباراتي المعتادة أم لا. عندها فقدت تيرا صوابها تماماً فتميل نحوه وهي تلتقط أنفاسها ضاحكة وممسحة للدموع من عينيها. عذراً بن، لكن هذا واقعي تماماً. ألم يحذرك جريد بأنه بصدد تأليف أغنية عن وقتكما معاً، أليس كذلك؟

بلى، لكنني لم أعلم أن آخرين سيغنونها! أدرك أن لجريد كشخص يمتلك مهارة موسيقية مُيقظة شهرة واسعة، لكن بن ظل يتوقع أن يكون السرطان الوحيد الذي ينشد ما ألّفه في مساحات أصغر بكثير مما ترجاه من موسيقي من الطراز الأول على الأرض. لم يخطر بباله البتة احتمال أن يلتقط موسيقيون آخرون المقطوعة التي صاغها جريد وينشرونها، لدرجة تتيح لبن مصادفة أحدهم يؤديها عرضاً. لم يملك بن سوى الرغبة في الانكماش والتخفي بينما استعادت تيرا السيطرة على ضحكاتها، جارة إياه من ذراعيه ليندماج وسط الحشد والاستماع للعرض بينما عجز عن الإفلات من كلمات البطولة المبالغ فيها والشجاعة التي يُزعَم إظهارها في صراعهما من أجل الحرية، وامتدت الأغنية لخمس عشرة دقيقة إضافية لا تطاق منذ لحظة استيعابه ما يستمعان إليه إذ أُجبر على سماع حكاية خوضه وجريد لكل اختبار، تتخللها فترات استراحة عاطفية عما فعلاه بانتظارهم لتنتهي بحريتهم المجيدة واعتراف بن بحبه ختاماً لكل شيء.

ومع تصفيق الحشد، تقدم الناس لنقر بطاقاتهم ضد العارضين مانحين الرجل إغراءً مالياً لقاء العرض المجاني تماماً كما فعل بن وتيرا. كان ذلك ممتازاً، قالت تيرا للموسيقي. لا أستطيع إبداء سعادة أكبر لمصادفة هذا ونحن ما زلنا في المدينة. ها، حسناً شكرا جزيلاً لك أيتها الآنسة، رغم أنه لا يبدو أن رفيقك يشعر بالمثل، قال مؤمئاً نحو بن الذي بدا وكأن الموت أحب إليه مما يعانيه. آه، لا بل كان رائعاً، قال بتكلف.

مسل حقاً، غير أنني أعاني صداعاً ليس إلا. أتسمح لي بالسؤال، لا أظنها المرة الأولى التي أسمع فيها هذا. أأغنية شهيرة هي؟ كان يتضرع لأن يكون الجواب نفياً قاطعاً، وأن يكون الموسيقي قد أُغرم بها صدفة إثر سماعها وأن مصادفة الشخص الآخر الوحيد الذي يؤديها ليست سوى صدفة مرعبة، لكن الحظ واصل خذلانه حين ضحك الرجل بوجهه. قد يكون هذا بخساً لحقها. لقد حظي أحد نجوم الأغنية بحفلات كاملة العدد تباع تذاكرها عن آخرها يميناً ويساراً.

بصراحة، لا أستطيع منحها حقها مقارنة برجل عانى حقاً طوال ذلك، لذا إن استمتعت بها حقاً فينبغي أن تبذل وسعك للحصول على تذاكر لعرض جريد. حسناً، ربما ليس في القريب العاجل، لكني واثق تماماً أنه سيؤدي هذه الأغنية بقية حياته لذا سيأتي وقت عاجلاً أم آجلاً. ...أجل، سنبحث في الأمر. شكراً. بعد إيضاح كهذا، نقر بن بطاقته ضد بطاقة الموسيقي شاكراً إياه مجدداً على العرض ليتعثر مبتعداً، بينما واصلت تيرا بذل وسعها لعدم الضحك حتى أسند بن رأسه أخيراً إلى كتفها.

أجل أجل، استمتعي بهذا ما شئت، لكن كلما انتشر هذا زاد احتمال اكتشاف والدينا لأمرنا قبل أن تخبريهما بنفسك. ومع غرس فكرة ما سيتعين عليها سماعه حال اكتشاف أبويها لعلاقتهما بوضوح تام في ذهنها جراء تلك الجملة البسيطة، ارتدى وجه تيرا ملامح رعب طابقت شعور بن الداخلي بينما توجها معاً أخيراً للقاء إيمي وجيك ويوزو.

هدأت مشاعر العرض تدريجياً. عاد اثنوهما إلى السفارة. انتظرا في الخارج. أبصرا الخمسة في الأفق. كان أولييل وواستا يمشيان في الخلف. بدا عليهما الاسترخاء رغم يقظتهما التامة لكل ما قد يمسّ من في رعايتهما. كانت إيمي وجيك ويوزو يلوحون بأيديهم. تقدم بن وثيرا نحوهما بدورهما. كان اللقاء بوجوه مألوفة أمراً لطيفاً رغم ما نويا الخوض فيه. لم يستطع بن إلا أن يبتسم. تسلل شعور بمعصيته إليه حين نظر إلى يuzu.

لم يكن الأمر يشبه النظر إلى مَلِك. لكنه لم يساوره أدنى شك في أنه ينظر إلى من قُدّر له المُلك. صرخت مهارته في وجهه. أشارت إلى هدف قد يملك فرصة ضغيطة ضده مقارنة بأي ملوك حقيقيين رآهم في عوالمهم العليا. حسناً. لنهاجم صديقاً. حدّث نفسه. قمع الأثر بأفضل ما استطاع. لم تدرِ ثيرا شيئاً عن أثر المهارة الذي يصارعه. شاركت القدر اليسير من السعادة التي غمرته لرؤيتهم جميعاً مجدداً.

اندفعت يوزو إلى الأمام رغم نداءات الساحرين. ثبتت عيناها وهي تمضي للقاء صديقتها. رماها بن بنظرة خاطفة فاستحوذت عليه بالكامل. بدت الحيرة في عينيها أولاً. انقلبت صدمة عارمة حين التقيا أخيراً. تحولت ساحرة الروح عن معانقة ثيرا. أمسكت بن من كتفيه.

هزته بكل قوتها وهي تصرخ: "لم يمضِ حتى عام! كيف حدث كل هذا!"