أغمق بن عينيه مسترجعاً كم كانت ثيرا سعيدة بالقطع التي كابَد في صنعها، وكم بدا ذلك واضحاً على محياها بلا تكلف حتى لحظة اقتحام خالتها الغرفة. ومع أن ذلك لم يحدث إلا البارحة، كانت تلك الذكرى اللطيفة ملاذاً يهرب إليه بينما كانا يشقان عباب السماء بسرعة جنونية، ويداه تقبضان بكل قوتهما على أي شيء تقعان عليه بينما كانت هي تعيش أروع لحظات عمرها. يوماً ما، سأجد وقتاً حقاً لأبتكر طريقة أمنة للتعامل مع السفر السريع.
كان ذاك وعداً يقطعُه على نفسه كلما طارا عبر الهواء بمركبة تحولت إلى طائرة، وكان وعداً يتأجل دوماً ليقبع في زاوية مهملة لصالح مشاريع ملحة أخرى، لكنها ظلت، كغيرها من الأفكار الكثيرة، فكرة يمكن لبعض عقوله الإضافية العبث بها في الأوقات التي يخلو فيها ذهنه من المشاغل، إلى أن أحس أخيراً بتراجع سرعتهما حين خفضت ثيرا الارتفاع، فهبطا خارج المدينة ليكملا الطريق أرضاً كالمعتاد قبل بلوغ البوابة.
قالت ثيرا بينما كان بن يغوص أكثر في التفكير بسبل الإفلات من مستقبل تكون تلك هي وسيلتهم المفضلة للتنقل: "أرأيت؟ لم يكن الأمر سيئاً إلى هذا الحد، أليس كذلك؟"
تمتم قائلاً: "أنا متأكد تماماً نظرياً أن بإمكاني تقليص تأثير تعاويذ البوابات إلى حد كبير إن استطعت تطبيق طريقة المزج مع كل فروع السحر الموقظ. لو نجحت في ذلك فسأتمكن إما من إنشاء بوابة أصغر بكثير من البوابات العادية للربط بستونوول، أو استبدال شبكة البوابات ذاتها ببوابة ثنائية الاتجاه صغيرة بين ستونوول وأنايليا نستعملها ثم ننتقل منها إلى شبكة البوابات المعتادة. يبدو هذا معقولاً، أليس كذلك؟"
أجابته ثيرا وهي تعبر لا باتجاه بوابة الأبراج السحرية، بل نحو وطنها، متخذة طريقاً التفافياً علها تظفر لأي مساعدة تستطيع الحصول عليها لبن قبل أن يزجا بحياتهما في أتون الخطر، متسللة إلى منزل عائلتها بعد تجاوز الحراس والدخول: "مع أن ذلك يبدو أقل إمتاعاً بكثير."
كانت غايتها خالتها لوكس. إن وُجد شخص قادر على مساعدة بن في علل دماغه، فهي الخيار الأمثل باستثناء الذهاب لحديث فيفيدوس، لكن رغم كل الشواغل المرتبطة بالاستعدادات للحرب، كانت بيلينا هي من أبصرهما أولاً، فالتقتا نظراتها وهرعت نحوهما باسطة ذراعيها. كظمت ثيرا تنهيدة، عالمة أن والدتها تمر بظروف عصيبة مع سعي كل دولة في العالم للتحضير بأفضل ما تملك، وبدت مستعدة لتحمل رغبتها في لفت الانتباه، لكن بيلينا لم تحضن ابنتها بل عانقت بن بينما كانت ثيرا ترمقهما بنظرات بلهاء من جانبها.
قالت وهي تغمز ابنتها قبل أن تلتفت لتمنح بن عناقاً هي الأخرى: "أمم، ما الذي يحدث بحق الجحيم يا أمي؟"
"عليّ فقط التأكد من أن تذكرتنا الذهبية تشعر بالتقدير. لا تصدقان حجم النفوذ السياسي الذي يتدفق على الأمة بأسرها منذ أن أُوكلت إلينا إدارة اكتشاف بن الصغير. ما رأيكما، إن أقمنا مراسم سريعة، فما إن أحين وقت تقاعدي حتى تكونا في موقع ممتاز لاستغلال هذا الفتى اللطيف كأداة إن رغبتما في الترشح لمنصبي. بصراحة، أبدى البعض اعتراضات على حقك في المنافسة على العرش في أي انتخابات مقبلة، لكن إن وعدتما بقصر فترة حكمكم على قرن أو قرنين أعتقد أن الفوز سيكون حليفكم لا محالة."
"بغض النظر عن حقيقة أنني لا أريد تولي منصصبك، أنا وبن لست متزوجين لذا هل يمكنك الكف عن هذا؟"
كانت لا تزال تخفي طبيعة علاقتهما عن أبويها رغم مضي أشهر على بدئهما، لكن ذلك لم يمنع والدتها عن الاستفسار عن الأمر كلما التقتا.
"أمم، ستستسلمين في النهاية لكن لا بأس. أكنتما هنا لشراء المزيد من المواد؟ أبوك غائب في الوقت الحالي، لكن طالما أن الأمر لا يتعلق بشيء خاص فيمكنني جعل شخص ما يجلب ما تحتاجينه."
"نحن هنا في الواقع لأجل الخالة لوكس إن كانت موجودة."
"ممم؟ أعتقد أنها ينبغي أن تكون مع سيرين في غرفته الآن، لماذا؟"
"دماغ بن على وشك الانفجار لذا أردت معرفة ما إن كان بوسعها فعل شيء."
رمشت والدتها مطولاً ببلادة عند سماع ذلك، لكنه اكتفى بهز كتفيه متمتماً: "يبدو الأمر أسوأ مما هو عليه. لن يقتلني."
"كما تشاء. لدي بعض الوقت لذا اذهبا، وسأطلب من أحدهما جلب الغداء."
قالَت لُكس فور دُخولِهما وهي تَحْمِل سيرين وتُعانِق ثيرا: "ثيرا، بِن، يا لَسُعادتي برؤيتكما!".
قالَت ثيرا وهي تُبادِلُها العناق قَبْلَ أن تَحْمُل سيرين: "العمة لُكس، رؤيتكِ أبعثُ للسعادة ألف مرّة من رؤية أمّي، ألا تَعْلَمين هذا؟ وأهلاً يا سيرين، كم كَبُرْتَ، انظر إلى نفسِك!".
لَمّا كَبُرَ بالقدر الكافي لاستخراج بطاقةٍ له، تَأكَّدوا من أن مقاومَتَهُ للظُّلمة عاليةٌ بما يَكْفِي لتُلامِسَهُ ثيرا بأمانٍ طالَما كانَت تضع دِعامَتَها، وتوهَّجَ قَرْنا الصَّبيِّ الصَّغيرِ أكثرَ كلَّما مَدَّ يدَهُ ليلمسَ وجهَ ثيرا.
قالت: "أهلاً".
كانت كِلمةً واحدةً من الصَّبيِّ، لكنَّها جعلَت ثيرا تَفوض شوقاً فوراً: "يا للهول، أنتَ تَبْدأُ الكلامَ أيضاً! هل تَمَكَّنَ من تَعَلُّمِ أيِّ كلماتٍ أخرى يا لُكس؟".
قالَت وهي تُمِدُّ إصبعها ليُمسكَ بِها الطِّفل: "بضعةُ كلماتٍ، أُخبِرْتُ أنه بمجرد أن يعتادوا على الكلمتين أو الثَّلاث الأولى تبدأ آثارُ لُغةِ العالَمِ في الظُّهورِ حقّاً، لذا آملُ فـي غضونِ شَهْرٍ آخَرَ أو نحوِ ذلك أن يتحدث بلا انقطاع: "فهل أنتما هنا لبضعِ وقتٍ أم أنها زيارةٌ سريعةٌ أخرى؟".
قالَت: "زيارةٌ سريعةٌ فقط الآن، أعتذر. كُنتُ أُمني النفسَ أن تُلقيَ نظرةً على بِن إن أمكنَكِ، فقد تَمَزَّقَ عقلُهُ قبلَ فترةٍ وما زالَ يُعاني من الآثار".
سألت لُكس وهي تنظر إلى بِن بِحيرةٍ بينما كانَ يَهُزُّ كتفيه: "عفواً، ماذا؟".
قال لها: "ثيرا تُبالغ في وصفِ الأمر. أعني، نعم، تَمَزَّقَت عُقودي، ونعم، أُعاني من الصُّداعِ باستمرارٍ منذ أشهرٍ بسببِ ذلك، لكني تلقيتُ تأكيداً موثوقاً بأنه سيتحسن من تِلقاءِ نفسِه".
رَدَّت ثيرا فـي المقابل: "نعم، وأنا لا أُريدُ أيَّ ضررٍ دائمٍ بينما ننتظرُ تحسُّنَه. لُكس، أعتذرُ ولكن هل يمكنكِ فحصُ دماغِ هذا المعتوه لمعرفة إن كانَ بإمكانكِ فعلُ شيءٍ حيالَه؟".
حتى أثناءَ طَلَبِها، كانَت لُكس تمدُّ يدها نحو بِن، مسكةً رأسَهُ أولاً قَبْلَ أن تغوصَ بذراعيها فـي داخِلِهِ، ممّا جَعَلَ القشعريرةَ تَسري في ظهْرِ بِن بينما خاضَ شعوراً غريباً عجزَ عن وصفِهِ بِدِقَّةٍ، شعورَ لمسِ أشياءَ لا تُمَسُّ أبداً في الظُّروفِ العاديَّةِ بينما تَكلَّمت لُكس.
"أوه، لا يُعجبني أبداً ما يَحدثُ هنا. لماذا يتعرض دماغُك لهذا القدرِ الهائلِ من الضَّغْط؟ ولماذا يُحاولُ التَّعويضَ بإنتاجِ المزيدِ من أنسجةِ الدِّماغ؟".
قال بحرجٍ وهو يشرحُ الأثارَ الجانبيةَ لمهاراتِ عقلِهِ التي دفعَت حدودَها بقوةٍ أكبرَ بقليلٍ بينما كانَت روحُهُ مشغولةً باللَّحاقِ بِ الرَّكبِ في محاولَةٍ للتَّعويض، بينما بدا وجهُ لُكس أكثرَ ذُعراً مع كلِّ كلمةٍ يطقُ بها: "آه، إنها قصةٌ طريفةٌ بعضَ الشيء".
"حسناً، ليس لديَّ أدنى فكرةٍ عن كيفيَّةِ تمكُّنِكَ من الاستمرارِ في دفْعِ دماغِكَ لدرجةِ الوصولِ إلى هذا الحدِّ البعيدِ في ثلاثِ مهاراتٍ مختلفةٍ، لكنَّنا سنتجاوزُ هذا الأمرَ لحظةً لننظرَ في المشكلة. ثيرا، أفتُراني مُصيبةً في ظنّي بأنَّكِ حاولتِ علاجَهُ مِمّا أراه؟".
"فعلتُ، وهو يقولُ إن ذلك ساعدَ قليلاً لذا ظننتُ أنَّكِ قد تَقْدِرينَ على فعلِ المزيدِ".
قالَت لهما: "ممم، ربما أستطيع، لكن بصراحةٍ أنصحُ بالتَّحدُّثِ إلى فيديكوس، لا أنا. ستكونُ أكثرَ تخصُّصاً في هذا المجالِ بكثيرٍ، وأنا متأكدةٌ من أنها ستكونُ قادرةً على المساعدةِ أكثرَ ممّا أستطيع".
قالَ لها بِن: "أُفضِّلُ ألا أفعَل. بعدَ ما حدثَ في المرةِ السابقة، أعتقدُ أنني أسعدُ بالاكتفاءِ بالانتظارِ حتّى يزولَ تِلقائياً".
سألت لُكس، غيرَ واعيةٍ تماماً كيفَ انتهت مواجهتُهما الأخيرةُ مع فيديكوس، ممّا تركهما يَقصّانِ عليها ما جرى بينما بدأت الرُّوحُ العظيمةُ في الشَّتم: "... جحيمٌ بلا نهاية، ماذا فعلَت؟".
"حسناً، سأتحدثُ إلى أبروس وفونا بشأنِ هذا حينَ يعودان. أنتِ على حقّ، لا تذهبي لرؤيتها. أيُّها السادةُ في الأعالي، كم أتمنَّى لو أنني أفهمُ ما جَعَلَها هكذا".
سألت ثيرا مجدداً، مُستعدةً للبحثِ عن فيديكوس إن دعت الحاجةُ حقّاً لكنَّها أرادت بديلاً: "إذن ألا يمكنكِ فعلُ شيءٍ يا عمَّتي؟".
"فقط اعطني لحظة".
بَدَت لُكس وكأنها تُركّز بينما كثُفَ المانا في الغرفة، واחَزَ حواسَّ ثيرا وبِن على وجهِ الخصوصِ حيثُ تركز مُعظمُهُ داخلَ رأسِهِ، وتوقَّفَ الشُّشعورُ بَعدَ بضعِ دقائقَ، مصحوباً بتحسُّنٍ طفيفٍ لكنْ ملحوظٍ في صداعِهِ.
"حسناً، لقد صحَّحْتُ كلَّ جزءٍ من الضَّرَرِ البسيطِ الذي رأيتُهُ نتيجةَ الإجهادِ ورفعْتُ معدلَ إنتاجِ أنسجةِ دماغِكَ، لذا سيصبحُ أكثرَ كثافةً من ذي قبل، لكنَّ هذا لن يُخلِّفَ أيَّ تأثيرٍ رئيسيٍّ على الوضعِ الرَّاهن. فيما عدا ذلك، أنصحُكَ فقط بالحضورِ إلى هنا مرةً أخرى في غضونِ شهرٍ أو شهرينِ لأُعيدَ فحصَكَ".
لم يكُنِ الحلَّ الفوريَّ الذي أملته ثيرا، لكنَّ بِن باتَ في مزاجٍ أسطعَ بفضلِ القسطِ اليسيرِ من الرَّاحَةِ الذي مَنَحَهُ إياه، ومَنَحَهما الاثنَيْنِ ثقةً أكبرَ قليلاً لمواجهةِ التَّجربةِ القادمةِ، ومع انضمامِ بيلينيا إليهما بعدَ وقتٍ ليسَ بالطَّويلِ استمتعا بالصُّحبةِ قَدْرَ استطاعتهما قَبْلَ أن يعبرا أخيراً عبرَ البوابةِ المُؤديَةِ إلى الأبراجِ السِّحريَّةِ.