قُضِيَت ساعاتٌ أُخرى انشغل فيها بعمله الخاصّ أكثر ممّا تطلّبه المتجر، مع استشارة معلّمه بين حين وآخر في كيفية تنفيذ أفكار مختلفة، حتّى دخلت تيرا بينما كان يحدّق في بعض رصاصات مسدسه، غارقاً فيما يمكن فعله بها إلى أن جذبت حبيبته ناظريْه بعيداً. كان واضحاً من نظرتها أنّها ما زالت ترفض انضمامه إليها، إذ صرخ القلق المرتسم على وجهه بهذه الحقيقة صرخاً، غير أنّه لم يكن لينسحب.
بل نوى فعل شيء آخر يصرف به ذهنها عن الأمر.
قالت: "تيرا، أتيتِ في الوقت المناسب تماماً!"
وهتف ببهجة محاولاً رفع معنوياتها بمعنوياته: "أتمنى إلّا تكوني مشغولة، لأنّني سأعيركِ لنفسي بعض الوقت".
ردّت: "أخبرتُ أسامة أنّني لن أتمكن من الصيد اليوم عندما قرأتُ رسالتكِ، والأهمّ من ذلك، لماذا لستَ في فراشكَ؟"
أجاب: "لأنّ الصداع مزعج نعم، غير أنّ الاستلقاء في الفراش لن يشفيني أسرع ما دام السبب متعلّقاً بروحي أيضاً. والأهمّ من ذلك، لا تقلقي بشأن هذا وتعالي إلى هنا".
أمسك بيدها وقادها إلى جانب المتجر، وأخرج خيطاً ولفّه حولها ليأخذ مقاساتها، إلى أن أدركت ما كان يفعله.
خاطبته وعيناها تنطقان بالنقد بينما ضحك: "بن، أحتاج إلى تفسير الآن".
تابع قوله: "بما أنّكِ لم تعودي بحاجة إلى عباءتكِ، فأنتِ بحاجة إلى درع حقيقيّ، أو إلى ما يساعد دفاعكِ على الأقلّ. بصراحة، كان يجب أن تستخدمي شيئاً من هذا طوال الوقت، لكنّنا لن نقلق حيال ذلك والآن سنجهّز لكِ العتاد المناسب. لدي بضع أفكار بالفعل، لكن أخبريني بما ترغبين فيه وسأبذل قصارى جهدي لأحقّقه لكِ".
رغم نفسها، أُعجبت بالأمر عندما بدأ بالشرح. لم تستخدم الدرع من قبل، لكنّها عرفت أنّه مثلما كانت قلقة عليه، كان قلقاً عليها، لذا أدركت سبب تفكيره على هذا النحو وعرفت أنّ استخدام أيّ شيء يصنعه لن يفيدها إلّا بكلّ طريقة ممكنة.
قالت بعد تفكير قصير: "أظنّ أنّ الأهمّ هو شيء خفيف أستطيع التحرك فيه بسهولة. عدا ذلك لا يهمّ كثيراً، وأعتقد أنّك تعرف مسبقاً ما قد ينفعني وما لا ينفعني".
"صحيح تماماً، والدرع الخفيف الذي يسسهل التحرك به هو ما فكرت فيه بالذات على أي حال. امنحيني ثانية".
أَمْسَكَ ورقةً ورسم عليها فكرته أمام عينيها، شارحاً ما يدور في ذهنه بينما نظرت إليْها.
"إذن إليكِ الفكرة الأساسية؛ نظراً لصعوبة تغيير طبيعتها المادية، سنضع قشور أوريكالكوم فوق سترة جلدية رقيقة، مع بنطال مطابق، رغم أنني قد أرجئ ذاك لأعمل على التصميم قليلاً. ومهما بدا الأمر مزعجاً لي شخصياً، فلن أضيف أي تعويذات إليه لسبب بسيطة وهو أنك إن تدربت عليه فلن يكون لدي سبب لفعل ذلك. إنه قويّ بالفعل، وبتحويل المعدن إلى رقاقة رقيقة، وإن اعتدتِ على تقويته بسحركِ فسيكون منيعاً تقريباً ضدّ أي نوع من ضرر الوخز. بالطبع، سأغرق القطعة أيضاً بتعويذات تضحية لأتأكد من عدم انكسارها، لكنني كنت أراقب طريقة تحكمك بطاقتكِ السحرية ولا أعتقد أن هناك ما يدعو للقلق كثيراً بعد الآن فيما يخصّ تعويذات الأرض والحياة على الأقل".
فهمت ما كان يقوله وأعجبت بالفكرة بصدق، حتى لو شعرت جزء صغير منها بخيبة أمل طفيفة. سيمنحها ما تريده بالضبط، شيئاً قوياً للغاية، وخفيفاً، ويسهل التحرك فيه، لكنّها رأته أيضاً يصنع أشياء كثيرة بتعويذاته لدرجة جعلتها تتساءل بفضول عمّا كان سييفعله لو لم تكن بحاجة إلى القلق بشأن تدميرها عن طريق الخطأ، أو هكذا فكرت للحظة قبل أن يستمر في الكلام.
"لذا أفكر فوق ذلك في عباءة جديدة. بما أن الدرع سيغطي الدفاع الجسدي فقط وسيكون أسوأ حالاً بصراحة لو أضفت تعويذات وبلورة مانا مقارنة بتقويتك إياه بنفسك وحدك، فهذا يعني أن كل الدفاع السحرى يجب أن يكون منفصلاً، إن كان هذا يناسبك بالطبع. أعلم أنك سعيدة لعدم اضطرارك لاستخدام واحدة بعد الآن، لكن هذا من أجل سلامتك وأعدك بأن أصنع لك شيئاً مذهلاً".
ردّت: "ليس الأمر كأنني سأضطر لارتدائه طوال الوقت، لذا لا بأس بذلك"، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها رغم نفسها بينما أزال تلك الغيرة البسيطة فوراً دون حتى أن يدري.
"إذن ما الذي تفكر فيه للعباءة؟"
"حسنًا، بما أنني اصنع هذه لكِ فيجب بالطبع أن تكون الأفضل التي صنعتها على الإطلاق"، قالها بينما ترك نفسه يغرق في أفكاره.
"دعيني أرى، أعتقد أنني لن أدمج كل مقاوماتي فحسب، بل وأيضاً كل مهارة دفاعية يمكنني الحصول عليها، لكن سيتعين علي بنائها إلى مستوى لا يفعله معظم الناس. لقد وصلت إلى نقطة حيث، حتى لو لم تكن النتيجة مجزية بقدر حجم العمل المتطلب، يمكنني وضع تعويذات على خيوط فردية دون كسرها، لذا أظنني سأعمل هكذا ثم أحوكها وأنسجها معاً لتصبح كلاً متكاملأً في النهاية، لكنني بحاجة لاختيار المهارات الأخرى التي سترافقها. إن طريقة استخدامه لسحر الحاجز في سترتي ذكية بصراحة، لذا يجب أن أرى إن كان بإمكاني تنقيحها لك لأجل نتائج أفضل، لكن انطلاقاً من هناك..."
استمعت إليه وهو يثرثر، دون أن تلتفت لعالمها أو لبقية المتجر إذ سمحت لنفسها بإسناد رأسها على كتفه. بدا الاستماع إلى بن وهو يضيع في أفكاره أثناء عمله أمراً طبيعياً، وقد استمتعت بسماعه شغوفاً إلى هذا الحدّ، خصوصاً عندما كان هذا الشغف موجهاً إليها. تمنت فقط لو لم يكن مرتبطاً بحقيقة أنه نوى اللحاق بها أينما تواجهت من مخاطر.
"...لكن بعيداً عن ذلك، نحتاج للحديث عن عصاكِ".
"ممم، ماذا بشأن عصاي؟"
كانت تلك التي صنعها لها تؤدي عملها بشكل جيد، شاهداً على نموها في سحرها وقدرة بن على صنعها، حتى لو كانت عادية بعض الشيء، لكنه اكتفى بالنظر إليها وهز رأسه.
"لقد أجلت الأمر نظراً لأن تلك كانت صامدة بشكل جيد، لكني أُريد أن أصنع لكِ شيئاً استثنائياً، وبما أنها من المثالي ألا تنكسر في أي وقت قريب، فأنا أُريد رأيك في مظهرها".
عندما صنع لها واحدة في السابق من خشب أشجار درياد، إلى جانب شعرها الذهبي ومجموعة من المواد النادرة والثمينة الأخرى، توقع بن أن تدوم لفترة. بالطبع نجحت في ذلك، دامت لفترة أطول مما قد يتوقعه هو نفسه دون وجوده لصيانتها، لكنّ تلك كانت جزءاً من المشكلة. حين صنعها، لم يتوقع أبداً أن يُحبس في مكان آخر لأشهر. بالطبع، تحسنت مهارته أيضاً بشكل ملحوظ منذ أن أنشأ تلك التحفة الفنية الصغيرة لدرجة أن ما يصنعه الآن لغرض الإصلاح المؤقت جيد بالقدر نفسه، لكنه لم يعد يقبل بذلك بعد الآن.
أراد أن يصنع لها شيئاً بينما يدفع مهاراته إلى أقصى حدودها مرة أخرى، واستطاع أن يرى في عينيها أن حماسها لهذا الاحتمال كان الإلهاء الأمثل عن مخاوفها إذ تراقصتا بترقب، مفكرة فيما تريده بالضبط من عصاة.
في النهاية، كل ما كان يهم حقاً هو امتلاك شيء يعمل دون انكسار، لكنها لم تستطيع إنكار ذلك الصوت الصغير داخلها الذي أراد أكثر من ذلك، حتى لو كان محرجا قول ذلك بصوت عال حقاً.تمتمت، لتجد نفسها محرجة حتى من طلب شيء كهذا لكنها لم تستطع إنكار القليل من الغيرة التي شعرت بها رؤية السحرة الآخرين: "أعني، أظن أنه بصرف النظر عن عملها، فأنا أود نوعاً ما شيئاً يبدو رائعاً".
نظر بن إليها بتسلّق خفيف بينما بادلها الابتسام.
"من ترينني أكون؟ بالطبع ستبدو رائعة. أفكر في تنسيقها مع الدرع والعباءة اللذين سأصنعهما لكِ أيضاً، لكن أيمكننا مراجعة التصاميم قليلاً على الغداء إن كنتِ مستعدة؟"
كان يبذل قصصارى جهده لرفع معنوياتها باهتمامه وقد نجح الأمر.
أجابت: "يبدو ذلك رائعاً بالنسبة لي".
"عظيم. هي يا فلك، متدربتكِ الجميلة تأخذ استراحة غداء مطولة! سأعيد لك شيئاً لذيذأ عندما أنتهي".
دون انتظار إجابة انصرفا، يناقشان كيفية ترك تيرا راضية ومستمتعة بساعات قليلة من اليوم بسلام.