قال: "إذن ما رأيكم فيما يجب أن نفعله اليوم؟"
قالت: "أصوت للصيد."
قالت: "نذهب للصيد دائماً، أريد أن أسترخيب قليلاً وأقوم بمهمة جمع للمتعة."
قالت: "دعوا باتو يقرر وحسب."
قال باتو لأرفيقه الأربع وهو يبتسم باتساع، مسروراً ببقائه حياً حتى في وجه الحرب القادمة: "هاه، أيتها الفتيات، اهتدئن، يمكننا تسوية الأمر حين نبلغ النقابة."
ولم لا يكون مسروراً؟ كان يحظى باحترام واسع بوصفه أحد مغامري الرتبة الأولى القلائل، وكانت ترافقه أربع جميلات، تسعى كل منهن لتكون المفضلة لديه نيلًا للجاه الذي قد يجلبه ذلك لهن، وحتى بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات كان ما يزال سعيداً لا بحصوله على فرصة ثانية للحياة فحسب، بل لخلاصه من الثقافة الخانقة التي ولد في كنفها، واستمتاعه بأخرى أكثر تحرراً أنتجها هذا العالم المتنوع الذي يعيش فيه اليوم.
على عكس الآخرين ممن وفدوا معه، قرر أن يشق طريقه بنفسه، وأن يصنع مكاناً له في العالم عوض الارتباط بأمة غابرة بينما ينتظر موته الثاني، وقد فعل ذلك لسبب بسيط واحد. الأثر. أدرك أنه لو التحق بأي مكان، لظل يقارن نفسه بسحر الروح الذي وصل مع مجموعته، وهي فكرة لم يطيقها قط. كان أن يكون المرء بطل حياته الخاصة أفضل بكثير من أن يغدو مجرد شخصية ثانوية في حياة شخص آخر، لذا اتخذ الخيار الذي سيمنحه بالضبط ما أراده، ومنذ ذلك الحين لم يفعل شيئاً سوى الازدهار بينما ينجز المهام ويعلي من شأنه.
نادته موظفة النقابة فور دخوله بصحبة مجموعته، تلوح له بحماس بينما حاول تبادل التحية بأروع ابتساماته: "يا باتو!"
وقالت: "كنت أتمنى أن تأتي اليوم، لقد تلقينا مهمة شيقة تطلبك بالاسم."
قال ملوحاً بيده: "آه، أنت تعلمين أنني أحصل على الكثير من هذه، يا ككسي."
وأضاف: "إذن، أهي شيقة حقاً، أم مجرد شيء تحاول النقابة إغرائي به عبر تزبيته ليبدو كذلك؟"
قالت مقتربة منه: "أعني، قد تكون كذلك."
وأكملت: "اكتشفت بعثات غابات عميقة أموراً غريبة، ونحن بحاجة إلى من يحقق في الأمر. حسن، بعثتان في الواقع، فهناك أمران، وأنت الوحيد في النقابة الذي يمتلك سحر مكان مستيقظ. افعلها من أجلي؟"
أطرفت بررموشها نحوه كما اعتادت حين أرادت المزاح، فانتزعت منه ضحكة.
وقال: "قولي لك، سأفعلها إن تناولتش المشروبات معي هذا الأسبوع، ما رأيك؟"
قالت: "هاه، أظن رفيقاتك يبدين وكأنهن على وشك إطلاق أشعة الموت من عيونهن عند الفكرة."
قال: "باه، كن يعلمن أنهن سيضطررن لمشاركتي حين انضممن، وكيف لا أرغب في ممارسة بعض المؤانسة مع جميلة مثلك؟ ما قولك؟ مجرد مشروبات لا أكثر."
تظاهرت بالتفكير للحظة واحدة فقط قبل أن تستسلم.
قالت بسعادة، راضية بالموعد وأسعد لعلمها بأن المهمة ستنجز: "مم، حسناً، مجرد مشروبات الآن طالما عملت بجد على هذا التحقيق."
قال: "فهمت، سأعود مع نهاية اليوم فتطلعي إلى ذلك."
غادر النقابة إثر ذلك، عالماً أن رفيقاته لسْنَ راضيات لكنه لم يهتم كثيراً. كان يهتم لأمرهن كثيراً، لكنهن كنّ يعلمن جميعاً أنهم ما كنّ ليقصدنه لو لم تكن لديه مهاراته المستيقظة، لذا لم يكن لديه أي إشكال في مغازلة أخريات بدوره. لم يكن يبحث عن حب حقيقي، فبعد أن مات مرة واحدة، أراد فقط أن يحظى بأفضل حياة ثانية ممكنة.
حين شقَّ فجوة أخرى في الفضاء وجدوا أنفسهم بالقرب من وجهتهم الأولى، وأدركوا فوراً أن خطباً ما قد وقع. ربما امتلك باتو الخبرة الأقل مغامراً بين رفاقه، إذ اقتصرت قيمته أصلاً على القوة التي يمنحها، لكنه استطاع بعد أعوام قليلة من العمل في الميدان أن يستشعر ما عجز الآخرون عن صياغته في كلمات.
قال غالدا، صيادهم ومتعقبهم الرئيسي وهجين الجنّ: "لا صوت لمخلوق واحد".
وأضاف: "لا أستشعر أي شيء يمكن اعتباره حيواناً في أي مكان قريب منا سوى بعض الحشرات، ولا وجود حتى للصغيرة منها وهي تشق طريقها".
تجمّد الجميع سماعاً لذلك التقييم، وبدؤوا يقتربون سيراً على الأقدام من وجهتهم الأخيرة، ممعنين النظر في المكان بحذر. لم يدرِ أحد منهم ما ينتظره، غير أنه لا سبب يجعل أي رقعة من الأراضي البرية خاوية إلى هذا الحد المزعج، وخالية تماماً من أي حياة سوى النباتات المحيطة بهم. أبقى باتو نفسه على أهبة الاستعداد، متأهباً إما للقتال أو للهروب بسحره المكاني بحسب ما تقتضيه الظروف، ولكن بعد ساعة من المراقبة الحذرة للوضع ودون أن يحدث شيء، عثروا أخيرًا على الشذوذ الذي أُرسلوا لاستقصائه.
تمتم أحدهم: "يا للهول".
بينما شبك آخر كفّيه وبدأ يتمتم، ولم يملك باتو سوى التحديق محاولاً إدراك كنه ما يرانَه. لم يكن الأمر صعب الفهم، بل كانت الغايات الكامنة خلفه مستعصية تماماً على استيعابه وهو يطيل النظر إلى الأرض المدموعة من حوله حيث لا تنبت نباتات، وقد صُبغت التربة بلون جديد بينما تجمعت جبال صغيرة من العظام حول شيء ما. أكان نصباً أم عرشاً فلم يستطع الجزم، وكل ما رآه جداراً يعلو فوق الغابات وفي وسطه مقعد واحد فارغ بني ليطل على العالم من علٍ.
تمتعت إحدى الفتيات: "أحمر".
واستغرق الأمر من باتو ثانية كاملة ليعي الأمر.
سأل: "ماذا؟".
أجابه غالدا بوجنتين شاحبتين وهي تحفر التربة بحذر: "حتى على عمق قدم، لا يزال أحمر برمته".
قال لها بلا مبالاة محاولاً تجاهل مخاوفه الخاصة وبثّ المرح في النفس بينما لم يكن يملك أدنى فكرة عما تقصده وسط كل ما حولهم: "آه، أظنه أقرب إلى البني الباهت".
"لا، إن استعنت بأنفك ستدرك، لقد كان هذا أحمر حتماً".
عن أي شيء تتحدث في كل هذا؟ سأل نفسه إلى أن فعل ما أمرته به واستنشق رائحة الهواء، ليفهم على الفور. كان دماً. تلطخت الأرض بكميات هائلة من الدم حتى تسربت لعمق قدم، مغيرتاً لون اليابسة نفسها في كل محيطهم. عندها وهناك اتخاذ قراره بأنهم انتهوا من ذلك الجزء من المهمة، فمزق فجوة في الفضاء ليغادر بأسرع ما يمكن.
تملك الجميع شعور بالاضطراب والريبة تجاه ما رَأوْه لتوِّهم وهم ينتقلون إلى منطقة التفتيش التالية، دون حاجة لتدوين ملاحظات عن سابقتها إذ انطبعت في أذهانهم بلا فكاك، وعجزوا عن طرد إحساس بالخطر بَثَّه في نفوسهم مثل ذلك المكان وهم يرتحلون إلى ما ظنوه محطة أبسط بكثير، حيث لا يطلب منهم سوى تفحص نمو نباتي غريب. فتح باتو البوابات الواحدة تلو الأخرى، متلهفاً للانتهاء والعودة إلى الديار للاستمتاع بأقوى خمر يطاله، فلم يَحْتَجْ لسؤال البقية ليدرك بلوغهم غايتهم حين شق التمزق التالي، محاولاً استيعاب ما تقع عليه عيناه.
حولهم في كل اتجاه، تنمو آلاف ومئات آلاف الأشجار، خليط ضخم من أنواع النباتات التي لا تتأتى إلا على ذلك الكوكب المرقع، وكل نبتة منها تبدي السمة غير الطبيعية ذاتها. على كل شجرة مفردة، برزت بعض الأغصان على الأقل مستقيمة بشكل مصطنع، تنثني بزوايا قائمة لتشكل مربعات ومكعبات بشتى الأحجام على هيئة جزم باستحالة طبيعتها.
سأل متردداً: "ألعنا ليجدن حديقة ساحر نباتات؟"
ولم يكن مصدقاً تماماً. لم يكن الأمر مستحيلاً، بل لم يره مجدياً وتوالت الغرابة حتى عجز عن الإمساك بمصدرها وهو يلتفت حوله. مع ذلك، بدا أقل إزعاجاً فورياً من المنطقة السالفة، لذا ظلوا على تأهبهم بأسلحة في أيديهم وبدأوا يتجولون. على عكس امتداد الغابة السابق، بدت هذه عامرة بالحياة الأصغر حجماً المتوقعة، من قوارض وحشرات، وزواحف طائرة وطيور، إلى جانب أي مخلوق صغير آخر وُجِد في العالم ولا تضمه تلك التصنيفات، فأتخذت جميعها منها مساكن.
امتلأت كل شجرة بالأعشاش. كانت غابة حية، ولو استطاعوا تجاوز شعورهم بالقلق لعدّوها جميلة بطريقتهم الخاصة، لكنهم استمرروا في التقدم وعدم رؤية نهاية في الأفق لتلك الأشجار المكعبة الغريبة، فامسك جلدا بذراعه وتحدثت بصوت خافض ليسمعه الجماعة وحدهم، وبدت كأنها على حافة الهلع.
"باتو، علينا الخروج من هنا في هذه اللحظة اللعينة."
سأل وهو يشد عصاه متأهباً لأي هجوم قد رصدته: "ما الأمر؟"
"هذه المكعبات في كل مكان ولا أمان فيها بأي حال. فلنخرج من هنا قبل أن يحل بنا سوء أيضاً."
شعر بالاسترخاء إذ بدا الأمر مجرد توتر ينتابها بينما حاول البقية تهدئتها رغم شعورهم هم أنفسهم بالقلق.
"لا تبالغي في القلق، سيكون كل شيء على ما يرام."
"أجل، إنها مجرد أشجار."
هست قائلة: "إلا أنها ليست مجرد أشجار."
افتح بوابة ليتسنى لكم جميعاً التفحص حقاً بينما أكون أنا بأمان على الجانب الآخر منها إن كنتم لا تصدقونني. لم ير بأساً في الأمر وبدأ بدوره يرغب في مغادرة المكان، ففعل باتو ما طلب منه، فاتحاً لها بوابة تعبر من خلالها وتكون قريبة من المخرج تحسباً لأي طارئ، ثم أخذ يلتفت محاولاً تبين ما تتحدث عنه حين تداعت الأمور بفظاعة. مع وضوح الأغصان، سهل إغفال التفاصيل الأصغر لوقوع الغصن الكبير مباشرة أمام أعينهم، لكنه حين تجاوزها بدأت أخرى تلوح.
لم تكن كلها، بل إن بعض الأشجار أنبتت أوراقاً مشوهة بطريقة لا تظهر إلا مربعة، أو قريبة منها على الأقل، ولم يكن هذا كل شيء. كثرت مظاهر الحياة حولهم وامتلاءت الأشجار بالأعشاش، لكنه لاحظ دائماً واحداً على كل شجرة يتخذ زوايا غريبة بغض النظر عن المخلوق الصانع، وأكبر حجماً من بقية ما على النبتة ذاتها. سرى قشعرير في بدنه وكان بالفعل يدفع بقية رفاقه عبر البوابة بينما ركزت عيناه على ما لا يمت بصلة للنباتات المحيطة، أسراب صغيرة من الحشرات تعبر الهواء في تشكيلات هندسية، فعزم على أخذ استراحة من عمليات الصيد لبعض الوقت بينما فرّوا جميعاً، عائدين للديار ليغرقوا ذكرياتهم في الشراب بعد تقديم تقاريرهم وهم يحلمون بعروش مسفكة للدمام وحقول من المكعبات.