وقفت ثيرا في وسط ساحة التدريب وعلامات التركيز الشديد ترتسم على وجهها بينما كانت تمسك ببقية ذراع كيف المبتورة. ضخت آلاف الوحدات من المانا في العالم لدرجة أن بن استطاع الإحساس بها وهو واقف جانباً. امتصت الأعشاب والأعشاب الضارة والزهور في المنطقة كل تلك الطاقة التي لم تُدفع إلى داخل جسد الغول لتنمو أمام عينيه قبل أن تستسلم أخيراً.
قالت بيأس وهي تتمتم: "أكاد لا أصدق أنني ألتقي بشخص أسوأ من بن في تقبّل العلاج. ربما كان بإمكاني معالجة مئة طرف مقطوع بالكمية التي أنفقتها للتو".
أخبرها كيف بسعادة وهو يقوم ببعض تمارين الإطالة: "مهما يكن الأمر، فأنا راضٍ كل الرضا عما آلت إليه الأمور".
عندما قيل له إن هناك معالجة مُوقِظة في البلدة تريد التجربة، وافق على الفور دون أن يتوقع أكثر من إضاعة للوقت، لكن المفاجأة كانت في حدوث تغيير. لم يصل الأمر إلى حد نمو ذراع جديدة، غير أن الكثير من الإصابات القديمة نجحت في الالتئام بفضل تدفق مانا الحياة في جسده، لتختفي في دقائق آلام عانى منها لسنوات.
وأضاف: "سأضطر للتوجه إلى هذه البلدة مجدداً إن تعرضت للإصابة يوماً".
بدا على ثيرا الانزعاج لأن سحر الحياة الذي بذلت فيه جهداً كبيراً قد اقتصر على كونه مجرد وسيلة لعلاج جروح طفيفة لذلك الرجل، فتدخل بن قائلاً: "حسناً، سأكون صادقاً معك يا كيف، ربما استغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن أملك شيئاً أرضى بمنحه لك. إلى متى يمكنك البقاء في البلدة؟"
رد: "ليس لدي مكان آخر يجب أن أكون فيه".
"رائع، في هذه الحالة، إن كنت تريد الذهاب للاسترخاء أو ما شابه، فسنذهب أنا وثيرا في صيد لنرى إن كان ذلك سيساعد في شيء. يمكنني لقاؤك بعد يومين في المتجر للحديث عن تقدمي إن كان هذا يناسبك".
توقع أن يفترقا عند هذا الحد، لكن كيف انتعش عندما سمع كلمة صيد.
وتساءل: "هل يمكنني الانضمام إليكما ربما؟"
"أه، بالطبع ليس لدي مانع، لكن ألن تشعر بالملل؟"
"هراء! لا توجد طريقة أفضل للشعور بالحياة وقد مضى وقت طويل منذ أن استمتعت بواحدة. يودّ المرء أن يرى ما تقدمه هذه المنطقة".
"حسناً، فلنتحرك إذن".
تحركا في الغابات دون قلق يُذكر، وكان هدفهما إيجاد نوع معين لدراسته، في البداية على الأقل، وهو نوع لا يزال جديداً نسبياً على المنطقة لكنه أثبت بالفعل أنه يمثل مشكلة لكثير من مغامري البلدة، ألا وهو القرد الصخري. مخلوق كانت ثيرا مؤهلة تماماً للعثور عليه أثناء تقدمهما، إذ دفعت بحاسة الأرض لديها نحو الأشجار فوقهما، منتظرة الشعور بأي حركة لتلتقطه في شبكة من الحجر فور حدوث ذلك، وجلبته إلى الأرض لكي يتولاه بن بنفسه.
تمتم وهو ينحني نحو الحيوان المُقيَّد ليرتبط به: "حسناً رائع، اختبار صغير لك واختبار صغير لي".
بدا الأمر شبيهاً بارتباطه بأوبل، إذ افتقر إلى بنية المهارة المحددة التي يساعد النظام في توفيرها، ليحمل بدوره إحساساً بالغموض. لم يستطيع تمييز أي شيء على روح المخلوق بالطريقة التي يفعلها مع البشر، لكن ذلك لم يكن يعنيه على الإطلاق. كل ما أهمه هو قدرته على المدّ ذهنياً ولمسه.
"انظروا جيداً أيها العالم لأنني على وشك فعل شيء رائع للغاية يستحق بالتأكيد أن يجعل ارتباطي يستيقظ".
وبهذا العزم الراسخ، أقبض بقوة على الشعور الغامض الذي كان يلتقطه عبر ارتباطه ودمجه مع سحره السماوي، مستخدماً مهاراته لنقش أيا كانت تلك القدرة على خاتم. لم يكن الأمر سهلاً، فقد بدا شبيهأ بالمرة الأولى التي اكتشف فيها قدرته على استخدام مهارة التطويع بمهارات الآخرين، لكنه نجح في النهاية تماماً.
ابتسم بن وهو ينظر مطولاً إلى الخاتم الجديد الذي وُسِم بوضوح باسم "سحر أرض القرد الصخري"
ضمن التحليل المحدود لسحره، ولم تلبث ابتسامته أن تلاشت مع مرور اللحظات. ...لماذا تحديداً لا أتحصل على إشعار من النظام يخبرني بحسن صنع إيقاظ ارتباطي؟ لقد كان واثقاً تماماً من نجاح الأمر، لكن مع غياب أي إشعار من النظام يثبت ذلك، وضع الخاتم في جيبه وتنحى جانباً لتدع ثيرا تجهز على المخلوق بعد أن فشل، فاستخدمت سحر الأرض الخاص بها لقتله بضربة نظيفة.
تمتم كيف: "مذهل. يجعلني أود لو بوسعي تعلم أكثر من السحر الأسود وسحر الموت. إذن ما المغزى من الحصول على هذا؟"
أجابه بن وهو يضغط على صدر المخلوق لإخراج المزيد من الدماء: "بغض النظر عن فشلي الصغير؛ الدراسة. إن كنت أصنع ذراعاً فأنا بحاجة إلى بعض التصور حول الكيفية المفترضة لعملها. لقد حصلت على القليل من المساعدة في ذلك ليلة أمس، لكني بحاجة للمزيد. ومن هنا جاء هذا".
حين تأكد من تفريغ الجثة قدر الإمكان، أخرج سكيناً حاداً وبدأ تفكيك المخلوق كعادته، لكن ببطء شديد مقارنة بال المعتاد، محاولاً فهم كيفية عمل كل تلك الأجزاء معاً، وما يؤديه كل جزء، وكيف يؤثر ذلك على الحركة ككل، متسائلاً في الوقت ذاته عن سبل تحسينها مقارنة بما تستطيع الطبيعة ابتكاره.
سأل كيف بعد فترة حين رأى بن لا يكتفي بفحص الذراع بل بكل شبر من القرد الصخري أثناء عمله: "أتحتاج إلى النظر إلى الوحش بأكمله إذن؟"
"بصراحة، ربما لا، على الأقل فيما يتعلق بصنع ذراع لك. لكن الأمر لا يضر بشيء وهو أمر سأحتاج إلى فعله لاحقاً لمشروع مختلف على أي حال. لذا من الأفضل إنجاز كل شيء دفعة واحدة".
كرس كل تفكيره لاستعراض كيفية عمل العظام والعضلات والأوتار معاً، ليبني المخلوق ككل متكامل، ولم يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن يفرغ، ناظراً إلى رفيقيه وهو يقول: "حسناً، ربما كان ذلك هو الأكثر فائدة، لكن لنر ما يمكننا إيجاده اليوم أيضاً. من يدري، لعل بعض الإلهام يباغتني بناءً على ما أراه".
بعد تفكيك عشرات المخلوقات الأخرى مع انقضاء الساعات، اضطر بن للاعتراف بأنه لم يجنِ فائدة تُذكر تتجاوز ما حصل عليه مع قرد الحجر الأول. لم يكن ذلك يعني عدَم جدوى الأمر، بل إنه لن يساعده فوراً في هدفه الحالي المتمثل في صنع ذراع اصطناعية، لذا عاد إلى المتجر مستعداً لإجراء بعض الاختبارات. لم يكن أولها مرتبطاً بابتكار طرف صناعي عامل. أراد بن معرفة ما يمكن فعله بسحر الأرض الخاص بقرد الحجر، وكان يعلم أنه يستطيع استيعاب الأساسيات في غضون دقائق معدودة من العمل، فأجرى بضع تعويذات بسيطة مقارنةً بتعويذة سحر الأرض القياسية، فضلاً عن محاولة دمج الاثنين معاً، ليجد كلا الخيارين أسوأ بكل المقاييس مما يمكن تحقيقه بسحر الأرض البحت وحده.
لم يكن ذلك مخيباً للآمال فحسب، بل إنه لم يترك له أي سبب للسعي وراء ذلك المسار من التحييد مجدداً. نظرياً، قد يكون الأمر مجدياً إن سنحت له الفرصة يوماً لاكتساب مهارة من مخلوق يمكنه استخدامها بمهارة أكبر من أي فاني عاقل، لكنه شك في حدوث ذلك قط، فحول تروس عقله تماماً للتركيز على كيفية صنع ذراع كيف الاصطناعية. من الناحية الهيكلية، لم يكن الأمر عسيراً جداً، بل تطلب الكثير من الأجزاء المتحركة للصنع.
لمحاكاة طريقة تمدد العضلات وانقباضها، كان عليه ابتكار عرافل معدنية تتداخل مع بعضها، وتتزحلق داخل بعضها لتكرار الحركة، بينما وجب عليه صنع أوتار اصطناعية عبر الخيمياء، وتعديل الوصفة التي استخدمها سابقاً لإطارات دراجته لإنتاج الخصائص التي يحتاجها، مستخدماً مهارات استخدام المواد والتحطيم للمساعدة في التشكيل قبل الانتقال إلى التحييد، مما سمح لها بالحركة عبر ربطها بعقل المستخدم.
<ارتفع مستوى التحطيم>
لم يحدث ذلك إلا بعد إنجاز كل شيء، إذ أخذها إلى كيف، وثبتها في جسد الرجل بينما كان الغول يرمقه بتوجس.
قال: "أمتأكد أنت من قدرتي على القتال بهذه؟"
ولمراداة ألا يبدو فظاً، لكنه لم يشعر بانبهار استثنائي بما صنعه بن.
قال: "هذه؟ إطلاقاً. لقد قلت مسبقاً إن هذه مجرد نموذج أولي. أريد التأكد من أنني على المسار الصحيح قبل الاندفاع كلياً في التصميم، ولتحقيق ذلك أحتاج إلى تعاونك معي قليلاً لأصنع لك أفضل غرض ممكن. في الوقت الراهن، مرر بعض المانا عبرها وحاول جعلها تعمل وفق إرادتك. سيتعين عليك على الأرجح التفكير فيما تريد منها فعله الآن، ولكن مع تعودك عليها، نأمل أن تصبح شيئاً تتعامل معه دون تفكير. بالطبع، إن لم يحدث ذلك قط، فيمكنك دائماً السعي لاكتساب مهارة التفكير الموازي لتسهيل الأمور على نفسك، لكنني لا أود القلق بشأن ذلك حالياً. عوضاً عن ذلك، جربها فقط."
حدق كيف في ذراعه بحدة بينما فعل بن المثل، وأمام ناظريهما استجابت الذراع لإرادة السياف، فارتفعت بينما انثنت أصابعه وتمددت تلبية لما أراده. بدت التجربة مؤثرة بالنسبة لكيف. لقد مضى وقت طويل منذ أن فقد ذراعه، ورغم اعتقاده بأنه تجاوز الأمر، إلا أن القدر الإضافي من الحركة والبراعة كان كافياً لتحسين جودة حياته بشكل كبير، حتى وإن لم يكفِ لتمكينه من تلويح السيف بما يقارب كامل طاقته.
أما بالنسبة لبن، فقد كانت فرصة لمعرفة مواطن التحسين المحتملة. لم يضع أي نوع من الغطاء فوق القطع لحمايتها لكي يتمكن من رؤية كيفية حركة الغرض بمجرد ارتدائه، وبات بإمكانه رؤية الكيفية التي تجعله بجودة أفضل أثناء محاولته مواءمة تلك التحسينات مع الأفكار المستقبلية لتصميمه، مدوناً ملاحظات ذهنية وهو يقود كيف عبر سلسلة من الحركات لمعرفة مدى أدائه قبل أن يرسله في طريقه مع الطرف الصناعي، متيحاً له الاعتياد على شعور تحريكه بماناه.
لن تتاح له فرصة الاستخدام المستمر، في ذلك النموذج على الأقل، لكن بالنسبة للنموذج المتقدم الذي سيحتوي في النهاية على بلورة مانا لتخفيف بعض العبء عن كاهل المستخدم، فل لن تمثل تغذيتها بالطاقة مشكلة. ولم يبقَ سوى معرفة الكيفية التي سأطور بها التصميم. فكر في نفسه وهو يعكف على طلبات أخرى. لم يستطع تجاهل ما وصله بالفعل، لكنه لم يكن ليکف عن التفكير في كيفية استخلاص أقصى فائدة من مشروع شيق إلى هذا الحد بينما تدفقت الأفكار والنظريات في عقله.