ما إن وضع فالك حدّاً لأفعال بن الطائشة في تجريف الغابات، حتى طفقا عائدين نحو البلدة. سيفتح المتجر أبوابه متأخراً عن المعتاد، لكن نظراً لتكرار إغلاقه حين يغادر صاحبه لتلبية حاجات عملاء مختلفين، لم يكن ذلك أمراً جللاً. بل المشكلة العظمى تمثلت في ذلك الحشد الضخم غير المعتاد الساعي لدخول حجر السور منذ أن كانا في الغابة، صفّ طويل من العربات يحاول الدخول بينما انشغل الحراس القلائل في المناوبة بتنبيه رؤسائهم بكل شاردة وواردة ليتأهبوا لهذا التدفق البشري المفاجئ.
أتمتم بن: "هاه، أترى ما الذي يحدث؟"، فيما رمقته معلمه نظرة مريبة.
"أظنك سترى بعد قليل. حسناً، متى ما تمكنا من العادة إلى الداخل".
عادة ما كان الدخول والخروج أيسر بكثير، غير أن الطريق كان مكتظاً ولم يكن أمامهما سوى الانتظار مع تقدم حركة السير، حتى بلغا السور أخيراً عائدين إلى المتجر، ليجدا الشوارع ما زالت تعج بالبشر طوال الطريق. كان الأمر مزعجاً بيد أن بن استطاع تجاهله بيسر، موصلاً نفسه لأفكاره في طريق العودة، لدراسته اللغوية والسحرية، متأملاً تعويذة الاستدعاء التي باتت تستهلك حياته في تلك المرحلة، وفي الوقت ذاته يصنع ويفكك التعاويذ عبر أساوره الثلاث المصنوعة من الميثريل طلباً لخبرة المهارات والمهنة.
الشيء الوحيد الذي أوقف جميع المهارات والأفكار عند حدها هو العودة إلى المتجر واكتشاف أنه لم يكن المحطة الأخيرة لهما فحسب، بل ولأعداد السياح غير المعتادة في البلدة أيضاً.
تمتم فالك حين رأى ما يجرى: "تبّاً، ما توقعته تقريراً. أظن أن عليّ أن أعدّنا محظوظين لكونهم انتظروا طوال هذا الوقت".
"أكنت تنتظر ضيوفاً أم ماذا؟"
"إنهم من أجلك. لا تنسَ أيّنا كُشف أمره بوصفه حرفياً مُستيقظاً. نحن محظوظون فحسب لكونهم انتظروا حتى نُنهي عملنا الأساسي. أو لعلّ كلمة محظوظ ليست دقيقة نظراً لظهور هذا العدد الهائل دفعة واحدة، مما يبدو وكأن قائلاً أخبرهم بالموعد المناسب للقدوم".
"عذراً، ماذا؟"
"إنهم جميعا لك، فقرر كيف ستتعامل مع الأمر، وابقِ اسمي بعيداً عنه".
بعد تقديم تفسير غير شافٍ تماماً، تبع بن معلمه بينما شق طريقه وسط الحشد، طارداً أي نظرات غاضبة بملامح اليتي وهو يستوعب ما قيل له حتى أوقفه سيف مشهور فجأة.
قال له رجل نبيل يرتدي درعاً ثقيلاً: "توقف عن الدفع. الأسبقية لمن يقدم أولاً. لُمْ نفسك لعدم الإسراع إلى هنا مبكراً".
يا للبهجة، أستطيع تبيّن أن اليوم سيكون ممتعاً سلفاً. فكّر بسخرية وهو يرمق معلمه يقبض على نصل السيف الموجه نحوه.
سأل اليتي: "أحقّاً؟ حسناً، إذن اعتبر توجيه نصلك نحو صاحب المتجر تذكرة ذهاب بلا رجعة إلى مؤخرة الصف".
لم تكن الكلمات عالية، لكن دلالتها بلغت كل من كان قريباً بالقدر الكافي للتركيز عليهما الاثنان. لم ينتشر صيت فالك بالقدر الكافي، بيد أن الكثير ممن قدموا حظوا على الأقل بوصف لـ بن، ليدركوا تطابقه فوراً مع انطلاق الصرخات من حولهم.
"أيها الفتى، يمكننا أن نعرض..."
"إن عملت لصالح بلدنا، فجبل من ذهب..."
"نساءً أم رجالاً، كنيستنا ستوفر..."
"اعتبر نفسك محظوظاً لامتلاك فرصة لـ..."
"لا شرف أعظم من الانضمام إلينا بصفتك..."
وسط غمرة الأصوات الصاخبة مع تدافع الناس نحوهما، وحرص المزيد والمزيد على الاقتراب كي تُسمع أصواتهم، نزع بن أحد أساور الميثريل الدائرية عن ذراعه، مصنعاً بأسرع ما يمكن أفضل تعويذة صوتية في غضون ثوانٍ معدودة، ثم رفعها إلى فمه ليصرخ من خلالها، لتتضخم كلماته ويسمعها الجميع بينما كان يصارع لكبح مشاعره المتأججة تحت السطح.
"اصمتوا! اخرسوا جميعاً وافسحوا طريقاً لنصل إلى الباب الملعون!"
لم يكن أحد من الحشد يتوقع أن يُغلب بهذه الدرجة من العلو، لكنهم نفذوا ما أُمِروا به تحت وقع صدمة مجريات الأمور، فتفرقوا جميعاً ليسمحوا لـ بن وفالك بمواصلة طريقهما بينما تحدث ملكه في رأسه. <بن، أرى أن لديك بعض المشاعر تجاه كل هذا، لكن أرجوك، حاول التعامل مع الأمر بلطف من أجلي>.
كان وصف "بعض المشاعر"
تقليلاً من شأن الأمر. حين أدرك ما يحدث، لم يستطع الإفلات من الغضب المفاجئ الذي غمره. حين وطئت قدماه هذا العالم، لم ترَ أي أمة أو عقيدة أي قيمة في ضمه إليها، ولكن بعد كل كده العسير في تنمية مهاراته بلا أي دعم مُنح للآخرين، أصاروا يملكون الوقاحة لمحاولات اختطافه لأنفسهم؟ لم يتوقع شعوراً بهذه الحدة الجسدية حياله، غير أن عقوله جميعا كانت تشتعل غضباً حرص على إبقائه بعيداً عن وجهه.
ميرياد، كم شخصاً هنا ينتمي لمجموعات إما رفضت استقبالي حين أتيحت لها الفرصة أو صوّت ملوكها لرميي في الجحيم أو التزمت الحياد؟ <الكثير، وأعلم أنه أمر غير معقول، لكنني أطلب منك محاولة التعامل مع هذا بهدوء من أجلي. أرجوك>. استطاع تبين الصدق في صوت ملكه، فوايا ميرياد انحصرت حصراً في عدم رغبة بن في التورط بأي نوع من المشاكل جراء تصرفاته، لذا وافق في النهاية، محاولاً التأمل بنصف عقوله ليهدأ بينما ركّز الباقي تماماً على معالجة الوضع حين بلغ باب المتجر أخيراً والتفت نحو الحشد، مشيراً إلى رجل قريب بينما ظل البقية صامتين وطرح عليه سؤالاً يسمعه الجميع.
"أنت، أخبرني لمَ تعتقد أن الجميع هنا".
تهلل وجه الرجل -الذي بدا لـ بن كرجل وحيد قرن لو قُيِّض له الوصف- لإشارته إليه هكذا ومنحه الفرصة الأولى للكلام.
"لماذا، أنا هنا لأعرض عليك الفرصة الرائعة للعمل لدى..."
مقاطعا إياه، قال له بن: "لم أسال لم أنت هنا، سألت لم الجميع هنا. ما الذي يفعله جمع كهذا في بلدة تبعد هذا البعد عن البوابة؟"
قال الرجل مرتبكاً من اتجاه الأمور لكنه لم يفوت فرصة مواصلة الترويج لنفسه: "ماذا؟ هاه، أظن أننا جميعاً هنا لمحاولة توظيفك لصالح أوطاننا، بينما ما أُمثله أنا هو..."
"لا يهمني. استمعوا لي، كلكم. آسف لأنكم أهدرتم وقتكم، لكن ليس لدي أي اهتمام بالعمل لدى أي منكم أو أوطانكم أو عقائدكم أو أي نوع من المجموعات التي تمثلونها. إن كانت تلك غايتكم الوحيدة فعليكم البدء بالعودة إلى حيث أتيتم. أما من يريد منكم تقديم أي طلبيات لدينا، فيمكننا مناقشة الأمر، غير أن هناك بعض القواعد. أولاً وقبل كل شيء، اصطفوا في طابور مناسب، سنُدخل مجموعة واحدة للمتجر في كل مرة لمناقشة الأمور لذا كفّوا عن سد الشارع بأسره هكذا. ثانياً، إن حاول أحدكم إقناعي بالعمل معه بدلاً من تقديم طلب فسيُطرد. ثالثاً، إن حاول أي شخص إقناعي بالعمل لصالح بعد تقديم الطلب، سيُلغى طلبكم وتُطردون. وأخيراً والأهم، إن تجرأ أحدكم على إزعاجي في منزلي فضلاً عن هنا، فسأضع بلدانكم الأصلية وملوككم التي تعبدونها جميعاً في القائمة السوداء. وإن عجزتم جميعاً عن تنظيم صفوفكم بانتظام خلال الدقائق العشر القادمة فيمكنكم الضياع جميعاً، فلن أحدث فرداً منكم. آمل أن يكون ذلك واضحاً".
ودون انتظار رد، استدار وولج المتجر، جاراًّ معلمه معه ليقفل الباب خلفه ويرتمي بانهاك.
"آسف فالك، أأمل أن يكون ذلك مقبولاً؟"
"أجل، لا بأس. بطبيعة الحال، نظراً لحجم الحشد وحقيقة احتمال قدوم المزيد فلن أتفاجأ إن استغرق الأمر أياماً لتجاوزهم أجمعين، ومن يدري كم سيستغرق أمر الطلبيات التي ستتلقاها".
"سأقلق بشأن ذلك لاحقاً".
"حسناً، في تلك الحالة، لا تبدأ بإدخالهم فعلياً بعد عشر دقائق، فغالباً ما نحتاج للاتصال بالحراس وئيسيلي لضمان سير الأمور بسلاسة لذا قد يستغرق الأمر ساعة. أبقِ المتجر مقفلاً وسأعود بعد قليل إثر التحدث إليهم".
"يبدو جيداً، شكراً لك".
ومع مغادرة معلمه، ارتمى بن على مكتب، لا يزال يتعامل مع مشاعره المتأججة والذهول الذي سيتعين عليه تحمله مع شيء كهذا. أتعاملت مع الأمر بشكل جيد من أجلك؟ <بقدر ما رجوت تماماً، شكرا لك. هدفي الأسمى المتمثل في ألا يرغب الجميع في قتل رسولي قد يتحقق أخيراً>. هاه، حسناً لنرَ ما يحمله المستقبل.
قال: "أطلب تاجاً. شيئاً يليق بسيّدي، يجب أن يكون بمرتبة نادرة للغاية على الأقل ليليق به".
شعر بن بعينيه تتسعان من صلافة الرجل المطلقة. بعد طرد المجموعات الست الأولى التي دخلت لمخالفة القواعد التي وضعها، بدا أن البقية فهموا أنه جاد، وبوجود فالك ويسلي حوله للتخلص من أي شخص يريد المجادلة، نجح العشرة التاليون في الحديث طويلاً بما يكفي ليتمكن معظمهم من تقديم طلبيات، وكانت الغالبية طلبات مشابهة لما صنعه لإيمي، إلا أنها اقتصرت على عنصرين أو ثلاثة بدلاً من التسعة التي حصلت عليها.
غير أن العميل المحتمل الحالي ربما لم يخالف أيّاً من قواعده، لكنه كان يثير أعصابه فوراً.
قال: "لن تطلب شيئاً. إن كان لديك غرض تريده فسأبذل قصارى جهدي لصنعه إن دفعت الثمن، لكني لن أستمر في صنع الشيء مراراً وتكراراً حتى يصل إلى الرتبة التعسفية التي تريدها. ولا سيما من أجل قبعة لامعة. إن استطعت تقبل حقيقة أنني أضمن لك شيئاً ضمن النادرة وسأصنعه بأفضل ما أستطيع كعادتي في أي شيء، فيمكننا حينئذ البدء في مناقشة الأسعار".
سخر قائلاً: "السعر؟ تنال شرف صنع هذا لزولا الثامن، أتعرف كم عدد أولئك الذين سيقتلون ليحظوا بموقعك؟"
قال ببرود: "إذن اذهب إلى أحد أولئك. يبدو أن المفاوضات قد انهارت لذا اخرج فوراً، لن أأمر بصنع شيء لشخص لا ينوي الدفع أصلاً".
بدأ يقول: "الآن انتظر هنا-"
لكن وقبل أن ينهي كلامه كان كل من فالك ويسلي يمسكان الرجل من ذراعيه وألقيا به خارجاً، وأغلقا الباب خلفهما.
قال رئيس النقابة، بادياً عليه الضيق ذاته الذي يشعر به بن: "أرى أنكما ستستمتعان وقتاً ليس بالقصير. أعتقد أن علي الإبلاغ عن بعض ما أراه للحراس لاحقاً. أود التأكد من أن ضيوفنا الأكثر جموحاً يغادرون المدينة حقاً".
أجاب: "افعل من فضلك".
كان يحاول التحلي باللطف من أجل ميراي، لكن بعضهم بدا وكأنهم يتعمدون جعل الأمر صعباً عليه للغاية في النهاية. مع ذلك، كلما انتهى هذا عاجلاً كلما تحررت عاجلاً. تنهد بعمق، وتوجه إلى الباب وداعاً المجموعة التالية المكونة من خمسة أشخاص للدخول، غير مبالٍ بأي شيء يخصهم سوى التأكد من مصافحة كل واحد منهم، تماماً مثل كل مجموعة أخرى التقى بها. حسن، امتلك أحدهم على الأقل مهارة جديدة لأنسخها.
لست متأكداً مما سيصنعه المستوى السابع من رسم الخرائط لكن حان الوقت لوضعه على خاتم. إن وجد شيء واحد جيد حقاً فيما يتعامل معه، فهو الكم الهائل من الأجساد التي يمكنه سحر مهاراتها دون شعور بالذنب. حتى لو كان عليه أن يوقظ الاتصال لاحقاً، فإن كل قطرة خبرة تحتسب وكان عازماً على التأكد من نيل كل ما يستطيع جراء تحمل هذا كله.