بعد أن فرغ من طعامه ورتّب المكان، عاد بن إلى الغرفة التي مُنحت له وأخذ يفكّر في الطريقة التي سيقارِب بها هذا الأمر. لم يسبق له طوال حياته أن حاول تطبيق جزء من مهارة دون استخدامها بأكملها، وتوقّع أن يسبّب له ذلك أكبر قدر من الصعوبة، لذا حاول بحذر الشروع في ذلك أولاً. شرع في استخدام مهارة التطويع وقرّر التركيز على محاولة استخدام جزء من التفكيك أولاً، فانكبَّ على العمل محاولاً استشعار الكيفية التي تُبنى بها المهارة أثناء تطويقها.
بصرف النظر عن طريقته المعتادة أو أي من الطرق التي قرأ عنها واكتفى بتجربتها سطحياً، تطلّب هذا الأمر تركيزاً أكبر بكثير. حتّى لو توقّق عن وضع التطويع فوراً، فإنّ ذلك سيخلق مساحة صغيرة تحمل بالفعل نسخة ضعيفة للغاية من المهارة، تماماً بالطريقة نفسها التي كان يتبعها عندما كان يكدّس التطويعات لكسر مادة ما من أجل تماثيله. كان عليه فقط أن يصغر أكثر. صار على القماش الآن خمسة أقسام صغيرة مطوّعة بالتفكيك، وهي مهارة تكاد تكون عديمة الفائدة على قطعة قماش، قبل أن ينجح أخيرًا في ضبط الأمر، خالقاً حبّة من المهارة يستحيل أن تؤثر في أي شيء آخر بطريقة مجدية.
وبعد أن حقق هذا النجاح، أصبح مستعدّاً للبدء حقّاً، غير أن تتدريبه خلق مشكلة أخرى كان عليه التعامل معها أولاً. بما أنّ بن قد تدرّب على قطعة القماش نفسها التي كان مفروضاً عليه تطويعها، فقد أصبح لديه الآن خمسة أقسام يتعيّن عليه إزالة التطويع عنها، وهو تطبيق لمهارته كان يفهمه نظرياً لكنه لم يجرّبه من قبل. ففي نهاية المطاف، لم تكن الوسائل الأساسية التي اعتمد عليها لتطويع الأدوات بمقاوماته معقدة لدرجة تتطلب التصحيح أثناء العمل، وحين كان يصنع التماثيل، كان الغرض من التطويعات هو إتلاف المادة للوصول إلى المنتج النهائي.
رائع حقّاً. فكر في نفسه، وشرع في العمل باذلاً قصارى جهده لتذكّر كيف كانت تُنفّذ التقنية، ووجدها تعود إلى ذهنه بسهولة أكبر ممّا توقع. تلخّص الأمر أساساً في تفعيل تطويعه واستخدام طاقة سحرية خام معه لانتزاعها. كانت مهمة مملة وكانت تكلفة الطاقة السحرية أعلى ممّا تتطلّبه إضافة مهارة أو مقاومة، لكن معلمه لم يعطه سوى ورقة واحدة ممّا يعني عدم وجود مجال للإهدار. لم يعتقد حقّاً أن فالك سيمانع في إعطائه واحدة أخرى، لكنها كانت مسألة كبرياء الآن.
أراد إنجاز المهمة بالمواد المتوفرة في متناول يديه. هكذا بدأ مسيره البطيء نحو إتمام مهمته. في المراحل الأولى، حاول الفشل بضع مرات فقط ليرى ما سيحدث. طبّق أجزاء المهارة نفسها بجانب بعضها بعضاً فضولاً لمعرفة ما سيحدث، فتسبّب ذلك في اندماجها معاً لتصبح واحدة أكبر، ممّا أدى إلى زعزعة استقرار الأجزاء المحيطة بها ومحو التطويع. كانت نتيجة مثيرة للاهتمام. عندما كان يطبّق المقاومات طبقات في الماضي لم يحدث ذلك أبداً، ممّا جعل بن يفترض أنّ المهارات قد تكون غير مروّضة للبقاء في حالة جزئية، ولكنها بمجرد أن تصبح كاملة تزعزع استقرار ما تبقى.
سيكون الأمر جديراً بمزيد من البحث في المستقبل، لكنه اكتفى الآن بمعرفة ما سيحدث إن هو أفسد الأمر، وبدأ التركيز على مهمته بجدية. حتّى مع تركيزه وموقفه الصبور عموماً عندما يتعلق الأمر بالعمل على مهمة، كان عليه أن يعترف بأنّ هذا كان رتيباً بعض الشيء، لكن معلمه أخبره بأنه سيكون قادراً على أخذ استراحة أثناء عمله. سيهدف إلى إنجاز ثمن العمل تقريباً ثم يتوقف ليحظى بقسط قليل من الراحة.
لعلّه تجاوز الثمن الذي نواه بقليل حين انساب في عمله فأنجز ربعه تقريباً غير أنه كان بحاجة ماسّة إلى استراحة الآن. أحصى في البداية عدد شظايا المهارة التي تلزم لصنع الرداء لكنه توقف عند الثلاثة مائة بعدما أخطأ العدّ. تمنى في مثل هذه اللحظات لو أن بحوزته مشغل موسيقى محمولاً. قيل إن هناك صانعات موسيقى سحريّة لكنها نادرة وباهظة ولا سبيل له إلييها. شعر بأنه يدرك بشكل غامض كيف تعمل الحايكات ولعلّه يخصص بعض الوقت للتجربة والخطأ ليتبين أمرها متى حصل على دخل ثابت بعد الفراغ من حياكة هذا الرداء تماماً.
من جهة أخرى كان يعلم أن ثيرا تعزف على آلة واحدة على الأقل. لعلّه يقنعها بالتدرب بينما يعمل هو. سيطرح الموضوع لاحقاً على الأقل. وفيما أخذ وقتاً للاسترخاء قبل العودة إلى العمل انصرف ذهنه إلى من التزم صوتاً غامضاً منذ إفاقته. ذلك الذي كان يظنه أحرص الناس عليه مَلِكه. أيهما مرياد أأنت هنا؟ لم أموت فما الخبر؟ صمت. أطلق بن تنهيدة. كان يعلم أن لمرياد شؤوناً أخرى يقضي فيها وقت فراغه وإن جهل ماهيتها تماماً وكان قد قدم عوناً كبيراً لبن.
ما كان ليحج لولا تحذيره أو مهارته العطية لذا وجب عليه حقاً فعل شيء ليريه امتنانه. لم يكن قد بدأ سعيه بعد فلعلّه يبدأ بجلّب مؤمن جديد له. ألم تقل ثيرا كلماتها لملِك وحاول هو إنقاذ حياتها فستكون مرنة على الأرجح. لعلّه يسألها... إياك! جاءه صاعقاً في عقله فارتاع بن. أهلاً مرياد كنت أتسااءل أين ذهبت. تعرضت لتوبيخ قاسٍ لما جرى ولم أتمكن من تفقّدك. وما تركني أخرج إلّا لأنك كنت تفكر في نقض عقوبتي قبل أن أمنعك.
تراجع قليلاً. عن من تتحدث وما ذنبك؟ ملوك آخرون. ملوك ثيرا غالباً ولم يرضَ الباقون أيضاً. حين جعلتها تصلي لي لفتح قناة كان خرقاً لبعض القواعد تقنياً وما تغاضوا عنه إلّا لأنه أنقذ حياتها وحياتك. انتظر ولِمَ كان خرقاً؟ ألم تعترف بي؟ بلى لكن الأمر أعقد قليلاً. هي تحت ولاية ملوك بالفعل ومخاطبة مؤمن بملِك غريب مباشرة تعدّ محاولة لاختطافه. ماذا كنا نتعرض لهجوم حرفياً. أين كان ملوكه حينها بحق الجحيم؟
للأسف مهما بلغ الملوك من قوة فلسنا كلي علم. ملِك له عشرات آلاف المؤمنين تتقاذفه أشغال شتى وكوني تصرفت بحسن نية هو السبب الوحيد في تخفيف العقوبة عني. حسناً إن قلت هذا لكنني لا أستسيغه. فما عقوبتك إذاً؟ لا تكاد تعد عقوبة بل هي قيد فحسب. لا تحاول حث ثيرا على عبادتي قط. إن اختارت ذلك بنفسها فلا بأس لكن لا تفتح الموضوع أبداً. وإن طرحته فتجاهله فحبذا لو تجنبت كثرة الأعداء هنا.
عدنا لعدم وجود مجنون نسأله إذاً فهمت. هيا يا رجل لا داعي لهذا ألم تكن للتو شديد الامتنان لي؟ معك حق عذرا. لا أدري كم راقبت لكن الأمور كانت مرهقة. كنت مشغولاً هل تحدثني بما فاتني؟ ألا يمكنك رؤيته في عقلي أو ذكرياتي؟ لست أحاط بكل تفصيلة من حياة المرء حين أكون في عقله. أسمع الأفكار الواعية. يمكنني التنقيب أعمق بعد الاعتراف طبعاً لكن ثمة قواعد تحكم ذلك. فضلاً عن أن في الأمر قلة أدب.
قرر بن الاحتفاظ بهذه المعلومة لعلها تنفع لاحقاً قبل العودة إلى الأمر الأساسي فأخبر ملوكه بما جرى في الأيام الأخيرة حين كان فاقد الوعي وما تلا إفاقته. إذن كسبت صديقاً أخيراً أليس هذا رائعاً. شعر بن باحمرار وجهه مجدداً وهو يتذكر حديثه الصريح والمحرج مع ثيرا. ليس هذا هو المهم الآن. أيمكنك العثور على المدعو روان؟ لست كلي علم ولا كلي بصير تذكر. مع ذلك لا أود موتك لذا سأرتقب لأرى إن مر بالمنزل وأنت هنا.
حسناً شكراً يا مرياد. بالطبع فأنا بحاجة لأن تنمي إيماني بعد كل شيء. وبذكر هذا؟ سأحاول تدبر أمر ما. مهارة الوصل أنقذت حياتي للتو فلعل هناك زاوية نستغلها. بالطبع كان هذا موقفاً خاصاً وكدت أموت على كل حال. أغلب الظن أن الناس يفضلون مهارة تنقذهم قبل أن يغرز أحدهم أنيابه فيهم لكن سأرى ما بوسعي فعله. لا عجل ركز على البقاء حياً في هذه الأثناء.