بعد نحو خمس عشرة دقيقة عاد فالك جادّاً إلى الغرفة محملًا بصندوق مليء بالمؤونة والكتب ليجد بن ما زالت تعلوه الحمرة ووجه ثيرا مدفوناً في السرير.
سأل حاجبًا حاجبًا: "ألا أُقاطع شيئاً يا تر؟"
فقالت ثيرا وهي تنتفض واقفة ووجهها يطلي ذهباً: "لا شيء يا عم."
كان مستعداً لمواجهة السير مجدداً لتبديد الجوّ الحالي ولحسن الحظ كان فالك رحيماً وترك الأمر يمرّ.
"حسناً أيها الفتى استعد لواحدة من أصعب المهام التي كلفتك بها بعد ها هي قطع قماش وما عليك سوى فعل ما أقوله لصنع عباءة فانيتايل."
أُعطي بن قطعة قماش مربعة بحجم قدم في قدم وسأل فوراً: "أليست هذه صغيرة بعض الشيء؟ وما معنى هذا الاسم حتى؟"
"سماها المخترع على اسمه كعادة المبدعين وتلك لمجرد تمرنك ما دمت هنا. اعلم أيها الغلام أن تلك القطعة الصغيرة ستستغرق منك يوماً كاملاً تقريباً لنقشها إن كنت كفؤاً. أثبت لي قدرتك وسأجهز لك عباءة كاملة لتعمل عليها أثناء غيابي."
نظر إلى قطعة القماش الصغيرة أمامه. إن استغرق هذا يوماً كاملاً فكم سيستغرق صنع العباءة بأكملها؟ كان سؤالاً مهيباً لكنه تحدٍّ جيد ناهيك عن أنه خبرة ممتازة لنقشه. في المرحلة التي بلغها لم يكن يستخدم تقنيات متقدمة كثيرة تتجاوز طقوس التراكب البسيط.
"إذن ما العمل؟"
"كما قلت لك من قبل أنت تستخدم شظايا مهارات فقط. لا ينبغي لأي نقش تضفه أن يظهر آثاره فعلًا بل يجب أن يبدو الأمر كأنك تنحت من حبة رمل واحدة في كل مرة ومثل النحت بالرمل إن لم تكن حذراً سينهار النقش برمته. لن يكسر هذا مادتك لحسن الحظ لكنه قد يعني ضياعاً كبيراً في الوقت وخاصة إن أخطأت نحو النهاية. ما ستفعله الآن هو استخدام مهاراتك وحدها لهذا الغرض لا تنقش سمات أو توافقات. إن كنت أذكر جيداً فليس لديك سوى سبعة وهو ما سيجعل الأمر أصعب مما يواجه معظم من يضطرون لصنع واحدة من هذه لكنه ينبغي أن يكون مقدوراً. ستراكم شظية مهارة تلو الأخرى حتى يتشبع الكلّ لكن عليك التأكد من أن أيا من الشظايا لا تلامس شظايا المهارة نفسها وإلا فانهار. أأفهمت؟"
قال: "أظن ذلك."
شعر بقليل من الغرق أمام هذا السيل المفاجئ من المعلومات لكنه وثق بقدرته على التدبير.
"جيد. سأكون في البلدة ليومين آخرين لذا سأمر لأرى كيف أديت ولإن كنت تحتاج أي مشورة. آخر أمر خلافا لطريقتك الحالية في النقش حيث يتعين عليك إنجاز النقش دفعة واحدة تتيح لك هذه الطريقة أخذ استراحات منها لحسن الحظ نظراً لبنائها من أجزاء عدة لذا لن تحتاج للبقاء مستيقظاً لأسبوع. والآن بالتوفيق وتصفح بعض الكتب إن احتجت."
عاد فالك إثر ذلك إلى متجره لإنهاء بعض الأعمال التي سيعرضها على زبونه وودع كلاً من بن وثيرًا بخير. بدأ بن يركز فوراً بعد مغادرته في كيفية مقاربته للمهمة بينما توجهت ثيرا لتعد الغداء. ظن أنها ستغيب طويلاً لكنها عادت بعد دقائق معدودة ومعها طبق صغير من الخضار المقطعة لكليهما.
تناول الطبق بابتسامة وبدأ يأكل لكنه اضطر للسؤال: "أأنت نباتية بمحض الصدفة؟"
نظرت بحزن إلى طبق الطعام أمامها وهي تعبث به منتقية بيدها وأطلقت زفرة أسف: "لا بل جل ما أستطيعه هذا."
"ما تعنيه؟"
"لا أستطيع الطبخ وحسب."
لم يكن يتوقع ذلك فانفجر ضاحكاً بلا تردد.
قالت عابسة: "الأمر ليس مضحكاً. جرب أن تتعلم طبخ شيء بينما يجرد سحرك النقوش من الموقد."
حاول كبح قهقهاته المتبقية. بحق كانت إدانة أي أداة منقوشة تحاول استخدامها عذراً وجيهاً لعدم معرفة الطبخ.
"عذراً عذراً خطئي. أتومانعن استخدام مطبخك؟ ينبغي أن أتمكن من إعداد شيء لنا."
بدا أن عينيها أشرقتا.
"أيمكنك الطبخ؟"
"ما يدعو للدهشة؟ لدي حرفة وتأتي ملحقة بها."
"لكنك دائماً تأكل في أكاليل الطعام."
"أحب تجربة أطباق شتى لا أكثر."
فقالت له قبل أن تهدأ: "إذن سيكون رائعاً! انتظر لا. قال العم فالك إن الأمر سيستغرق منك يوماً للعمل على هذا وما زلت تتعافى. ما كان لي أن أهدر وقتك."
"أشعر بما يكفي للحركة وإن كان سيستغرق يوماً فما ضير ساعة أخرى؟ هيا أرني مطبخك."
"حسناً لنذهب."
نهضت وانتظرت قيامه لكنه لم يتحرك.
تنحنح وقال بحرج: "أمم يا ثيرا أيمكنك الانتظار خارج الغرفة؟ ما زلت بحاجة لارتداء ملابسي."
أدركت المشكلة فركضت مسرعة للخارج بانتظار بينما سرت حمرة أخرى على وجهها وبدا لبن متسائلاً بذهول إن كانت تحمرّ خجلاً على الدوام تحت قلنسوتها أم أن الأمر مقتصر على اليوم ريثما تألف وجوده.
نهض بن وارتدى ثيابه وخلص إلى نتيجة هامة. أخبرته صونيا أنه تجاوز الخطر لكنه يحتاج بضعة أيام أخر للتعافي. ما يعني أن أعضاءه تحسنت غالباً لكن أضلاعه لا تزال مكسورة تماماً. ما إن بدأ بالحركة حتى شعر بألمها. كان الأحمل محتملاً. رضي بصحن من الخضروات لكنه أراد طعاماً أثقل قليلاً بعد غيابه أيّاماً عدة. خرج من الغرفة ودلّته ثيرا على طريق المطبخ. بدأ يقلّب محتويات صندوقهم البارد بحثاً عن المكونات.
حرص على إمداده بقليل من الطاقة ليبقى فعّالاً بعد انتهائه. قطّع بعض اللحم وبدأ طهيه على الموقد. هنا وجب الحذر. انخفاض توافقه مع عنصر النار يعني أن استخدام تعويذة نار يكلف طاقة هائلة. عليه مراقبة الأمر لضمان بقائه وعياً. صونيا هي من تتولى الطهي ولديها طاقة وفيرة بكونها ساحرة حياة. لم تر حاجة لموقد مرتبط بتعويذة نار تقلل استهلاك الطاقة. وهو يلمس أثر ذلك الآن. حذّره ليهي في الكنيسة من حمقى استنفدوا طاقتهم خطأ أثناء الطهي فأحرقوا منازلهم أو قتلوا أنفسهم.
بن ليس في عجلة للانضمام إليهم. عليه طهي الطعام لفترة أطول قليلاً مما فضّل لكن هذا يخدم تعافي طاقته. يحتاج للصبر فحسب. يستطيع استخدام حرفته لتمرير الطاقة عبر المكونات لتنضج أسرع بالطريقة ذاتها التي يتعامل بها مع المواد الأخرى. لكنه لم يتقن ذلك بعد. ربما لتركزّه الشديد على تفادي استنفاد طاقته بالكامل أثناء الطهي. اقترب اللحم من درجة النضج المطلوبة فأضاف الخضروات التي قطّعتها ثيرا لتلين قليلاً.
أضاف قطرات ماء إلى المقلاة وبعض البهارات. فضّل صنع صلصة كثفة لكنه جهل بعض المكونات المتوفرة وافتقد أخرى ألفها فلم يتمكن من الإبداع. على أي حال انتهى الأمر. أخرجت ثيرا وعاءين والتهم الاثنين الوجبة التي أعدها.
قالت وهي تلتهم طعامها: "طعام جيد. أتناول خضروات مقطعة وحدي غالباً حين تتأخر عمتي في العمل لعدم توفر بقايا".
قال: "شكراً. يمكنني المساعدة في الطهي ما دمت هنا على الأقل. ربما نطلب من صونيا أو فالك إحضار بعض المكونات التي آلفها أو إرشادي لاستخدام ما هنا لأبدع حقاً".
قالت وهي تواصل الأكل: "يبدو جيدا".
ابتسم بن. شارك أحدهم وجبة وشعر بشعور طيب.