بعد أن فرغ من غلي العظام واستخلص منها كل ما احتاج إليه، وضعها جانباً لتجفّ وهو يتأمل حصيلته. بقيت في الوعاء بعد الغلي المحكم خمسون لتراً تقريباً، وسينال منها عشرة. ليس لملوك جشعين أن يساوموني على خُمس أجري. <أنت آخر من يمكنه وصف الآخرين بالشقاه.> ومع ذلك أفعل. على الأقل لم يكن الأمر سيئاً برمّته. حرص على جمع كل البخاري المتصاعد وحفظه، واستبعد أن يكترث الملوك لأمر ذلك، سيّما وأنه غالباً لن يجدي نفعاً، ليس بالحجم الذي يملكه الآن على أي حال.
سيتابع غلي ذلك لاحقاً، لكنه ركّز في هذه اللحظة على صنع الجرعات، مكتفياً بتعديلات طفيفة طوال العمل. مما علّمه إياه سيّده، كانت تركيبتها بسيطة بشكل صادم في النهاية، إذ تطلبت بضعة مكونات أندر لجعلها بأعلى كفاءة ممكنة، ولتسمح لمن يشربها بالاستفادة القصوى. وحتى إن لم تكن منقّاة، فمن المرجح أن تحقق فائدة للمستهلك على أي حال، فتلك كانت قيمة الجسد الذي مات فيه مَلِك. وهو ما يجعل هذا ناجحاً شبه مؤكّد.
وعلى الفور شرع في العمل، مستمراً في استخدام الوعاء ذاته، ومضيفاً المكونات التي أعدّها فالك ووضعها جانباً. أولها كان الميثريل، إذ استخدم معلّمه سحر الأرض لدفعها نحو الذوبان لتضاف إلى المرق، تليها البديل الأساسي الذي احتاج إلى صنعه. حين نجح قديماً في صنع عصا لثيرا لا تنكسر من شجرة حورية غابات، قبل أن يختفي لأشهر على الأقل، فرّغ جوفها في تلك العملية، واحتفظ بالنشارة في صندوق مع بقية خردواته وأغراضه التي أبى التخلي عنها، وها هي أُتيحت لها أخيراً فرصة أداء دورها في عمله.
بعد غليها لمدّة قاربَت مدّة غلي العظام، تفككت ألياف الخشب، مما سمح بامتزاجها جميعاً لتصير عجينةً أُخلطت مع الخليط أيضاً. ونظراً لمدى تجذّر السحر في الأشجار التي أُخذت منها، وُجد احتمال كبير بأن تكون أكثر فائدة في الواقع من النباتات الأصلية التي نُصحت بها، لكن إن كان مخطئاً فلن تكون نهاية العالم. بعد ذلك أصبحت المكونات أكثر شيوعاً بكثير، فتحولت من مواد مفترضة لحمل أثر سحري كامن يتماشى مع العظام، إلى مكونات تعزز قدرة الجسد على امتصاص آثار الجرعة بأقصى درجة، وهي مكونات اعتُبرت اعترفاً في الطرف الأعلى من طيف صناعة الجرعات، لكنها ظلت أشياء متوفرة لديهم.
قلّب الخليط بأسره، منصبّةً كل عقل من عقوله على كل متغير. وقت وضع كل مكون، والتحكم بحرجة الخليط لضمان بقائها دائماً عند مستواها الأمثل، وسرعة التقليب وما شابه. كان كل شيء في سبيل صنع أعظم جرعة ممكنة بالمهارات التي يمتلكها، وحين تيقن من تمامها، لم يبقَ سوى اختبار فاعليّة نجاحها. بحرص فاق كل ما أبداه من قبل، ملأ القوارير واحدة تلو الأخرى، متأكداً من عدم سيلان قطرة واحدة من السائل حتى بلغ أربعين قارورة متطابقة.
قال: "إذن يعني هذا أننا سنحتفظ بتسع. حسناً، هذا ملائم. يا فالك، سأرى كيف ستؤول الأمور مع السائل الذي جمعناه في الوعاء الآخر، أترغب في إخفاء البقية في مكان ما حيث لن يعثر عليها أحد حتى يصل ممثل الكنيسة لجمعها كلها؟"
لم يستطع منع نفسه من الشعور بقلق طفيف، فكل قارورة كانت لا تُقدر بثمن إن أثبتت نجاحها. كيف لأحد أن يضع سعراً لقوة محضة؟ ناهيك عن أنه لو انكسرت إحدى القوارير، فهناك احتمال غير معدوم بأن يصرخ أحد الملوك المتجهمين هناك متذرعاً بالغشّ محاولاً اتخاذ ذلك حجة لإلقائه في الجحيم اللانهائي. لا جدوى من القلق حيال ذلك، لننهِ هذا وحسب ونعِد أدراجنا. ففي النهاية، كان أشد حرصاً من أي شخص آخر على معرفة ما إن كانت فكرته ستثمر.
نادى بن من المطبخ حيث كانت سونينا وثيرا تعدان العشاء: "أهلاً بك في بيتك يا بن".
"لم أكن أتوقع مجيئك مبكراً هكذا".
قال: "شعرت بنفاد الصبر لاختبار شيء ما بما أنني علمت أنكم تخططون للعودة مبكراً. وأيضاً، لقد أحضرت ضيفاً".
قال فالك وهو يمنح صديقته القديمة ابتسامة عريضة ردتها له: "آمل أن لا تمانعي هذا الاقتحام".
قالت: "أبداً. سأعد طبقاً جانبياً إضافياً، انضم إلينا على العشاء".
قال بن وهو يرفع صندوق الجرعات الذي لم تكن تمتلك أي سياق بشأنه: "إمم، قد لا يكون ذلك ضرورياً جداً يا سونينا، فلن تكوني الأشد جوعاً بعد هذا على الأرجح".
رمت نظرة متسائلة، غير فهمة إلى أين يرمي بكل ذلك.
"هل التقطت شيئاً في طريقك؟"
أجل، لا توجد طريقة سهلة لشرح هذا لذا أعتقد أنني سأزيل اللصقة دفعة واحدة.
"إذن باختصار شديد، صنعت بعض الجرعات من عظام بعض الملوك وأحتاج منك شربها. سيكون الأمر على ما يرام على الأرجح".
سألت وهي لا تدري كيف يفترض بها أن تبدأ حتى في رد الفعل على ذلك: "أه، ماذا؟"
طمأنها: "أنا متأكد تماماً من أن الأمور ستسير على ما يرام، لا تقلقي. كان عليّ تعديل الوصفة قليلاً، ولكن بالنظر إلى ماهيتها فهي مرنة بشكل صادم في الواقع".
قالت ثيرا التي لم تفاجأ بتطور الأحداث منذ أن ضبطته وهو يصنعها في وقت سابق: "متأكدة تماماً من أن تلك لم تكن النقطة التي أثيرت مخاوف العمة بشأنها يا بن. ماذا تفعل حتى؟"
"أه، سؤال ممتاز. كل شيء".
ترك تلك الكلمات معلقة لثانية واحدة، مستمتاً بالنظرات المصدومة التي حصدتها العبارة وهو يمضي ليشرح بتفصيل أكبر: "قيل لي إنها سترفع سماتك بشكل دائم، فضلاً عن المساعدة في معدلات نموك في جميع المجالات. إن كان هناك أي خطل بك فأنا تحت انطباع أنها ستساعد في الشفاء أيضاً، لكن ذلك يعد أثراً جانبياً أكثر من كونها غاية. على أي حال، اشربي"، قال وهو يخرج الزجاجة الأولى محاولاً فرضها في يدها.
سحبت يدها قائلة: "لا، ليس على أي حال. يا بن، سيكون ذلك ضائعاً عليّ بوضوح تام. إن كنت لا تستخدمها بنفسك فأعطها لثيرا".
"يا عمتة، أنا أتفق مع بن هنا، يجب أن تأخذيها".
"لا، لماذا؟"
كان بن سعيداً بالإجابة عن ذلك، بعد أن أمعن التفكير قبل أن يقرر أنه سيعطيها إياها كلها.
شرح قائلاً: "يا سونينا، أنت مهمة بالنسبة لي وحقيقة أنك تخططين للقتال على الخط الأمامي ترعبني. تمتلك ثيرا قدراً من المانا يعادل مدينة من البشر وأنا متأكد من أنك تعرفين مدى قوة فالك. وفي الوقت نفسه، لدي عشرون مكافأة مهنية وبصراحة لا أحتاج حقاً إلى معظم سماتي لتنمو أكثر من أجل عملي. الشيء الوحيد الذي أرغب حقاً في تحسينه هو المانا والحيوية لدي ولدي طرق أخرى للقيام بذلك"، عارضاً سواريه الجديدين.
"ليس لديك أي مهارات مستيقظة، وأريد أن أمنحك أي ميزة يمكنك الحصول عليها".
أرادت الاستمرار في الجدال. كان استخدام أي شيء كهذا سيمثل هداراً هائلاً بالنسبة لها عندما يمكن أن يذهب لمن يستطيع توظيفه بشكل أفضل، لكنها رأت أنها لن تنال شيئاً من أي شخص في الغرفة في صفها فاستسلمت، مطوّلة النظر إلى كمية ما جلبته لتشربه.
قالت بهزيمة، حتى وإن شعرت أنها فكرة فظيعة: "حسَب".
"ولكن هل أحتاج إلى شرب كل هذه الليلة؟ لا أعتقد أنني أستطيع".
"لا، ثمانية فقط من هذه تخصك واشربي اثنتين فقط في اليوم للحصول على أفضل النتائج، فالأثنتان الأخيرتان لن تعملان على الأرجح لأنهما صنعتا من جمع الماء الذي غلا وتبخر ولكن واحدة لكل من فالك وثيرا. أه، ولكن لو كان بإمكانكم جميعاً تدوين ملاحظة بحالتكم قبل شربها ومقارنتها مرة أخرى في الصباح وإعلامي على الأقل بمدى تغير سماتكم فسأكون ممتناً لكي أتمكن من إبقاء أي ملوك يريدون معرفة الأمر سعداء".
أخذت سونينا الزجاجة الأولى، شامة إياها بتردد. كان بن محقاً في أنها لن تكون جائعاً على الأرجح بعد ذلك، فقد كان الأمر كثيراً. على أقل تقدير، لم تكن رائحتها سيئة مع ذلك وأخذت رشفتها الأولى بتردد، متراجعة مفاجأة عندما فعلت.
"أهذه شوربة؟"
"من الناحية التقنية. لا تقلقي بشأن الأمر كثيراً، إن لم يكن طعمها سيئاً فذلك أفضل".
وبينما لم تكن رائعة، كانت تتوقع الأسوأ بكثير من جرعة واستمرت في الشرب بينما وضع بن بقية الجرعات جانباً، محاولاً تسليم الاثنتين اللتين لم يكن لديه ثقة كبيرة بهما لفالك وثيرا، ليقابل بالرفض من الجانبين.
"يا بن، إن لم تشرب تلك فسأسكبها في حلقك".
"وأنا أمسك بك من أجلها".
"يا شباب، أرجوكم، أنا لا أحتاجها".
"يا بني، لقد أخبرتني للتو أنك تنضم إلينا أثناء الغزو. حتى وإن لم نكن في قلب الحدث مثل الآخرين، فسنسكون على الخط الأمامي. أنت بحاجة إلى أي قوة يمكنك الحصول عليها".
سألت ثيرا متسعة العينين لسماع مثل هذا القرار الكبير يُقال بمثل هذه البساطة: "انتظر، ماذا؟"
كانت تتوقع تماماً أن يكون غاية ما سيقوم به هو الإعداد وصيانة الأسلحة، ولم يكن هناك سبب ليقترب من هذا المستوى من الخطر. استطاعت التقاط مشاعرها بسهولة كافية لكنها قررت الحديث عن الأمر لاحقاً. لم تكن أسعد حالاً بخصوص تخطيطها للاقتراب من هذا النوع من الخطر أيضاً لكنه كان أمراً سيحتاجان لمناقشته عاجلاً أم آجلاً، لذا استسلمت في الوقت الحالي لمطالبهما، فاتحة الجرعة الأولى وبدأت الشرب.
بعد أن تجرّعا الجرعتين واستمتعا بما أمكنهما من العشاء، عاد فالك إلى منزله بينما أوَت سونيا إلى النوم مبكراً مجهَدةً من استغلال الساعات الإضافية التي منحها إياها انتهاء نوبتها مبكراً في التمارين، واغتنم بن الوقت لجلي الأطباق لعدم مشاركته في إعداد العشاء، إلى أن شعس بذراعين وذيل تحضنانه من الخلف.
قال بدافء وهو يدرك إلى أين تؤول الأمور: "أهلاً".
فأجابت ثيرا ووجهها ملتصق بظهره: "أهلاً. اسمع، سأكون أكثر سعادة لو بقيت في ستونوول حين تبدأ الأمور. أو ربما أنايليا؟ سيكون ذلك أكثر أماناً بكثير حتى مع وجود نقطة غزو على عتبتها وستعتني بك أمي".
"وأنا سأكون أكثر سعادة لو تفعلين المثل. والأمر سيان بالنسبة لسونيا وفالك. لا يمكنني مكتوف الأيدي حين ينوي كل من أحبهم السير نحو الخطر يا ثيرا".
"بإمكانك مع ذلك. يا بن، حين يُولد أي شخص في هذا العالم فإن أول ما يُعلمه إياه هو أن يوماً سيأتي نحتاج فيه إلى القتال. لقد جُررت إلى هذا بأنانية وتُركت هكذا حين لم تكن نافعاً على الفور. لا ينبغي لك أن تموت من أجل هذا العالم".
"هيا الآن، لا تمتنّي بي بعد"، قال لها بلطف ضاحكاً بخفة قبل أن يتحول إلى نبرة أكثر جدية: "يا ثيرا، بغض النظر عن كيف انتهى بي المطاف هنا، فالمهم أن هذا بيتي الآن. هناك الكثير من الناس الذين ساعدوني، حتى لو كانت بدايتي متعثرة، والكثير ممن أهتم لأمرهم. لن أكتفي بالفرجة حين تُصرّون كلكم على القتال، أريد أن أقدم ما استطعت".
"ممم".
شدّت احتضانها ولم تفلته وبقيا واقفين في صمت إلى أن غيرت الموضوع، أو هكذا تبادر إلى ذهنه.
"أتمانع لو بدأت أتمرّن على سحري عليك؟"
"آه، نعم بالطبع، تفضلي".
"ينبغي لك أن تسأل عما أنوي فعله كما تعلم".
"لمَ؟ أنا أثق بك، ولقد تمرّنت مطولاً على سحر الحياة حين كنت تشفينني في السابق. أهذا أمر ينبغي لي القلق بشأنه؟"
"لا... لا أظن ذلك... أرجو ألا يكون كذلك. تعزيز العمر، يبدو أنه قد يضيف بضع سنوات إلى الحياة إن استمر إلقاؤها وهي تعويذة معقدة لذا فهي تمرّن جيد لي. وأيضاً، أنا أود ذلك فحسب".
آه، هذا منطقي. كان يعلم أن ثيرا تخشى مواجهة الفقدان، وكان هذا طلباً بلا عيوب بالنسبة له. سيجعل حبيبته سعيدة وسيمنحه بضع سنوات إضافية.
"ألقي ما شئت، وبصفتي معجباً كبيراً بكوني على قيد الحياة ليست لدي أي مشكلة مع ذلك".
أرخَت قبضته وسمحت له بالالتفاف مواجهاً إياها، فاحتضنت كفّاها وجهه برفق وهي تلقي تعويذتها بحذر لتشعر بشيء من الاسترخاء وهي تفعل. وحين انتهت انتصبت وطبعت قبلة خفيفة على شفتيه قبل أن يفترقا طوال الليل.