سألت صونيا عرضاً وهما تمشيان نحو العيادة: "إذن، ما هذه التعويذة التي تشعرين بالحاجة الدائمة لصرف انتباه بن عنها أثناء إلقائها عليه؟"
واعترفت ثيرا التي ما زالت تشعر بالحرج لإمساك خالتها بها متلبسة بهذه السرعة: "أنا لا أحاول صرف انتباهه، أنا فقط لا أعرف كيف أطرح الأمر. إنها مجرد تعويذة صحية عامة، الأمر عادي".
حدقت فيها صونيا وحدها، وقد رفعتي حاجبها نصف رفعة بانتظار المزيد حتى استسلمت ثيرا.
"إنها تعويذة لزيادة عمر الإنسان. لقد تحدثت معه نوعاً ما بشأن الأمر بالفعل، فالأمر عادي. أريد إلقاءها عليك أنت والخال أيضاً إن سمحتما لي".
لم تكن صونيا تدرك ما كانت تتوقعه، لكنه لم يكن ذلك قط. لم تكن تعلم حتى أن أمراً كزخرف متاحاً حقاً خارج نطاق الشائعات، إذ تعد التعويذة سراً من أسرار سحرة الأرواح لحمايتهم من الغرق بطلبات الخدمة للأغنياء أو الأقوياء بالقدر نفسه. وما هو أبعد من ذلك، بدا جلياً أنه امتداد لمخاوف ابنة أختها حيال مواجهة الفقدان.
"لا مانع لدي من استخدامها عليّ إن رغبت، وسيتعين عليك التحدث مع فالك بشأن الأمر، ولكن إن كنت تفعلين شيئاً كهذا فتأكدي من أن تفعلي أكثر من مجرد التحدث نوعاً ما إلى بن بشأنه، حسناً؟"
كانت تعلم أن خالتها على حق، ولم تكن تتوقع حقاً أن يرفضها، لكن رأسها ظل يعج بهاجس صغير يعض على أفكارها. إن علم ولم يكن راضياً فيمكنها دائماً طلب المغفرة، فقد بدا طلب الإذن أصعب بكثير. لا، الخالة على حق، سأحدثه حين أعود إلى البيت لاحقاً. لقد كان مجرد عبء توتر آخر. ظلت تحدث نفسها بألا تفكر في المستقبل، لكن اكتشاف أن شيئاً كهذا ممكن جعل ذلك الهدف أشد صعوبة. وبدل تجاهل الوقت المحدود الذي تملكه مع من تحبهم، بات بإمكانها العمل بنشاط لتمديده، وإن كان ذلك لم يزد إلا من إبراز حقيقة أن وقتهم مؤقت في ذهنها أكثر فأكثر.
ودفعت الفكرة جانباً في الوقت الراهن، ومشت عبر العيادة مع خالتها فور وصولهما، شاقة طريقها إلى مكتب رئيس العيادة دراري الذي كان هناك بالفعل، منهاراً على مكتبه فوق أوراقه.
"أه، صونيا يا لروعة وجودك هنا. ومعك ضيفة؟ أرجوك أخبريني أن هذه موظفة جديدة محتملة وليست مزيداً من العمل".
"أشبه بعودة موظفة بدوام جزئي. لا تحتاج ثيرا إلى عباءتها بعد الآن، رغم أنها لا تستطيع لمس الناس بعد، وكنا نأمل أن تنقلي ذلك؟"
وما إن سمع الرجل ذلك حتى غمر وجهه شعور عارم بالارتياح.
"من الرائع حقاً عودتك يا ثيرا، ما هي احتمالات أن أجعلك تققومين ببعض المناوبات الإضافية المعتادة؟ لقد كان العديد من مغامري هذه المدينة بل وحتى عامتها يضغطون على أنفسهم لمحاولة اكتساب أي مهارات ومستويات ممكنة منذ أن هبطت نقاط الغزو. فنحن كل ما يحمي هؤلاء الأوغاد من إهلاك أنفسهم".
بدا وكأن على حافة الانهيار بحلول نهاية كلامه ولم تستطع منع نفسها من الشعور ببعض الذنب لغيابها طويلاً، حتى لو اعتبرت مساعدة بدوام جزئي أكثر من أي شيء آخر، مع تركيز عملها كمغامرة. لطالما كان دراري طيباً معها لذا أرادت فعل ما تستطيعه، وكانت تمتلك خبراً ساراً فورياً لتقدمه.
"بالتأكيد، كنت أمل اليوم أن أنهي عملي في وقتي المعتاد لأنني عدت للتو لكنني لا مانع لدي من القيام بالمزيد حتى أغادر المدينة مجدداً بعدها. كما ينبغي لي على الأرجح إعلامك بأنني استيقظت على سحر الحياة".
"ماذا؟"
التفتت نحو صونيا، متوقعاً أن تكون هذه مزحة قاسية على حسابه، لكن خالتها اكتفت بالإيماء بسعادة بينما كان اثنتاهما تراقبان الرجل أمامهما يكاد يغمى عليه من الارتياح، إذ تبددت أشهر من التوتر عند فكرة أنه وموظفيه قد يحصلون حقاً على استراحة.
<ارتفاع مستوى فحص المانا>
قالت أُصو ابنة دراري لثيرا وهما تشقان طريقهما في البلدة: "لا أكاد أصدق كم أنت جميلة".
منحها أصلها الهاربي من جهة والدها ولعاً بالشيء اللامع، فكان شعر ثيرا وععيناها على غاية المراد.
وقالت: "ناهيك عن حجم ما انجزته اليوم. ظننت أبي سيشرع في البكاء".
سألت: "أيمكن للتراكونوت البكاء؟"
"هاه، لم أره يفعله قط لذا لا أعلم. بيد أنه إن استطاع ففعلها حتماً، هذه أبكر مرة أتمكن فيها من الفراغ منذ أسابيع!"
كانت عودة ثيرا بمهارة مستيقظة نعمة مطلقة للعيادة. طالما قدرت على إتيان عمل جيد هناك بفضل مخزون مانا الخاص بها، مما يعني عدم احتياجها لأي فترات راحة لتجديد رصيدها، لكن إضافة مستوى التحكم المتفجر الذي اكتسبته قد غلّبت الأمور تماماً. انسَ أمر البقاء متأخرة معظم الأيام للمساعدة الآن، فقد غادرت هي وكثيرون غيرهن في العيادة باكراً عن المعتاد لمدى سرعتهن في علاج كل مريض، وشعر كثيرون منهن كأنهن ظفرن باستراحة مستحقة بعد أشهر من العمل وما انفكمن ينشدن في مدحها مع دراري وهن يغادرن باكراً، ولم يبق سوى قلة للتعامل مع أي شخص آخر ظهر طوال اليوم، مما أفضى إلى خروج الاثنتين معاً.
أعجبت بأُصو وبدت الفتاة بدورها مستمتعة بصحبتها، ولم تجد حرجاً في مقاربة اهتماماتها علانية مع ثيرا؛ أي ممارسة دور المغامرة. تحدثتا في الأمر مطولاً قبل مغادرتها، لكن والآن بعد أن صارت ثيرا في المرتبة الأولى ومع احتمالية نهاية العالم في الأفق، كانت تأمل في الحصول على بعض المساعدة الفعلية والإرشادات، وإذ لم تكن تمتلك خططاً سوى تدريب سحر الأرض فقد وافقت بيسر، مسرورة باحتمال حيازة صحبة ما.
قبل أن تتمكنا من الذهاب معاً، احتاجت الفتاة إلى بعض العتاد الأساسي على الأقل للحد الأدنى، فانطلقتا معاً نحو متجر خالها.
قالت أُصو مرئية اللافتة في الواجهة التي تجاهلتها ثيرا: "يبدو مغلقاً بعض الشيء".
قالت وهي تطرق الباب بضع مرات إلى أن فتحه فالك لهما: "بن هناك يقيناً وأنا متأكدة من أن خالي سيكون هناك أيضاً، لا بأس بالأمر".
"هوه، لم أكن أترقبك يا ثيرا، و..."
تفرّست الفتاة الأخرى بصحبة ابنة أخيها باهتمام حين تحدثت: "أُصو، أنا صديقتها من العيادة، أرجو ألا أكون مزعجة".
قال لها فالك متحولاً نظرة فضوله إلى ابتسامة سعيدة عند سماع ذلك: "صديقة هاه، لست مزعجة قط. تعالي، تعالي. سيكون الجو دافئاً بعض الشيء بسبب ما نفعله لكن آمل ألا يكون مزعجاً أكثر من اللازم".
لم تلق بالاً للتحذير. إنه متجر حداد بعد سماوي، فالجو دافئ دائماً، لكن أياً منهما لم تتوقع تلقي موجة حر حين وجدتا المتجر وقد أُعيد ترتيبه كلياً ليفسح ما يكفي من المساحة لأغرب التجهيزات إذ كان قدر كبير يُسخن في منتصف المحل بينما كان بن يحرك محتواه، وكان كل البخار المتصاعد منه موجهاً إلى سلسلة أنابيب، ليبرد ويتكاثف داخل حاوية كبيرة أخرى جانبية.
سألت أُصو بمشاكسة: "أذاك من ليس حبيبك الذي سمعت الكثير عنه؟"
"انتظري، ألست حبيبك بعد الآن؟ كان سيكون من الجميل تلقي تنبيه مسبق".
حدقت بها أُصو بتطلع لدى تلقي الرد وحاولت ألا تحمر خجلاً، شاعرة مسبقاً بأنها ستندم على لقاء الاثنتين.
"لم يكن حين غادرت، وهو الآن، أما زال بإمكاننا طي الصفحة؟"
قالت شبه الهاربية قبل أن تحوم ببصرها حول المتجر بينما ركزت ثيرا على بن: "أريد التفاصيل لاحقاً".
"إذن ما الذي تفعله تحديداً بكل هذا؟"
"باختصار شديد، أصنع مرق عظام سماوياً، وسأشرح المزيد في البيت لاحقاً. أما الآن، ما الذي أتى بكما إلى هنا؟ ظننت بصدق أنكما ستعلقان حتى وقت متأخر في العيادة بناءً على ما كنت تقولينه قبل قليل".
أجابت أُصو بسعادة وهي تلتقط سيفاً جانبياً وتلوح به في استعراض أوضح بجلاء تام أنها لا تملك أدنى فكرة عما تفعله بسيف: "لقد نجحت في علاج الجميع بعد ساعات معدودة ودرأت توتر نقص العمالة عن قتل أبي".
أوضحت ثيرا: "لكننا هنا لنحصل لها على بعض العتاد. إنها مهتمة بأن تصبح مغامرة لذا ظننت أن أؤدي معها مهمة أو مهمتين اليوم إلى أن تجد حراسة يمكنها العمل معها ولا يوجد في البلدة من هو أفضل منه لسؤاله عن العتاد".
"الإطراء سيبلغ بك كل مقتل يا ثيرا، ما هي نوعية المهارات التي تمتلكها لنتبين ما تحتاجه".
أخذها بن جانباً، عارضاً على أُصو مجموعة دروع وأسلحة ملائمة لمبتدئة بينما همست ثيرا لخالها.
"إذن حين قال مرق عظام سماوياً، لم يقصد ما أظنه، أليس كذلك؟"
"قصد ذلك يقيناً. يبدو أن كلاكما خاض مغامرة لا باس بها".
"كان تسعون بالمائة منها توتراً".
استمرتا في الحديث بينما جُهزت أُصو، متداركتين كل ما فاتهما في حياة بعضهما البعض في تلك الفترة قبل أن تعود الاثنتين، وكانت أُصو ترتدية درعاً جلدياً خفيفاً مع بعض المناطق المدعمة بصفائح معدنية رقيقة، وعصاً صغيرة في يدها، وسكيناً كبيراً على خصرها، وبدت مغتبطة تماماً وهي تدور حول نفسها.
"ما رأيك؟"
"يبدو جيداً، لكني متفاجئة بعض الشيء لأن بن لم يختر شيئاً، لا أعرف، أكثر تطرفاً".
دافع عن نفسه بالقول: "مهلا، لقد اخترت ما ظننت أنه سيطابق صفاتها ومهاراتها. درع المعدن الكثير سيبطئها حين لا تكون معتادة عليه، والجلد المدعم بقليل من الدعم الإضافي مسحور ليحمل شتى أنواع الدفاعات الإضافية التي ينبغي أن تستوعب أكثر مما تتوقعين بكثير. في الواقع، كان جديراً بي حقاً أن أجهزك ببعض منها إذ لم تعودي بحاجة للتخفي يا ثيرا، لكن يمكننا القلق بشأن ذلك مستقبلاً. بخلاف ذلك، العصا مثالية لكل من تعاويذ الضوء والنار والسكين بجودة جيدة تكفي لتمرير سحر النار عبره لهجماتها في حالات الطوارئ. ما رأيك يا فالك؟"
"يبدو جيداً يا بني، أزعم أنك أحسنت تجهيزها".
سألت ناظرة إلى كل ما ترتديه: "إذن كم أدنك إذن؟"
وحتى إن لم تكن مغرمة بعملها مساعدة لأبيها في العيادة، فقد كان يدر دخلاً جيداً، لكنها شعرت أن جودة كل ما ترتديه لم تكن في المستوى الأدنى. بيد أن فالك ألوح متخلصاً من ذلك القلق.
"لا شيء مما ترتدينه يفوق بمقدار استثنائي أي شيء آخر نبيعه وبما أنك صديقة لثيرا فسأمنحك صفقة جيدة".
سألت معلمها مطرفة بعينيها: "مهلا، بما أنني أواعدها أفيض ذلك بأن بإمكاني انتزاع أي مزايا منك أيضاً؟"
"يا بني، حين تكون في المتجر فأنت متدربي قبل أن تواعد ابنة أخي لذا تركز في عملك. لا أريد أي شيء يفسد حسائك".
"حسناً، حسناً".
فور الدفع، غادرت الاثنتان نحو النقابة.
أخبرتها أُصو بسعادة: "إنهما لطيفان. لم لا تحضرينهما أبداً إلى العيادة؟"
"لأن خالي يعمل بدوام كامل وهدفي الأساسي هو التأكد من أن بن لا يحتاج لقضاء سوى أقل وقت ممكن هناك".