سمِعا أخيراً طرْقاً على بابهما حين وصل طعامهما، وإنْ على نحوٍ لم يتوقّعاه قط. تراكصت الأطباق على ظهرٍ مسطّحٍ عريضٍ لمخلوقٍ سداسيّ الأرجل دخل ما إن فتحا له الباب، موضّحاً بجلاءٍ تامّ أنهما مطالبان بمعاملته بوصفه طاولةً للاستخدام.
قال بن تمتمةً وهو يقف بقربه ليبدأ الأكل، بينما بدت ثيرا أكثر تردّداً بكثير: "حسناً، حتى بالنسبة إليّ، هذا أمرٌ مريبٌ بعض الشيء. لا يمكن أن يكون هذا الكائنات طبيعياً، أليس كذلك؟"
"قطعاً لا. لم أرَ سوى القليل ممّا صنعته، لكنها كانت تبدو عمليّةً في الماضي على الأقلّ. لا يمكنني حتى تخمين مغزى هذا الشيء."
"ربما هي طريقةٌ أخرى لصدم الضيوف؟ أو ربما تظنّ حقّاً أنه من المفيد وجود طاولةٍ متحرّكة. على أيّ حال، الطعام ليس سيّئاً، لذا عليك تناول بعضه."
أخبرها وهو يمضغ طعامه، غير قادرٍ على كبح فضوله عن آخرِ قطرةٍ وهو يمدّ يده لملامسة الوحش. ومع أنه كان غريباً إدراك أنه لا يمارس اتصاله مع الكثير من الحيوانات، لم يكن الأمر غير متوقّعٍ تماماً أيضاً. فهو لم يحتفظ بأيّ أليفةٍ ولم يعرف أحداً يفعل، وكانت المخلوقات التي يصطادونها ميتةً عادةً حين تقع بين يديه. ومع ذلك، أظهر ذلك ثغرةً واضحةً للغاية في طريقة تدريبه لمهارته، وخصوصاً أن هدفه كان إيقاظها، لذا انتهز الفرصة الماثلة أمامه وفعل ذلك بالضبط، مترابطاً مع المخلوق ليرى ما في داخله، ليجد لا شيء.
حين اتصل بالأوبلز، وحتى لو لم يشعر بمهاراتٍ متميزةٍ كما فعل مع البشر، فقد شعر بشيءٍ ما على الأقلّ، لكن لم يكن الأمر كذلك هنا. كان المخلوق كأنه فارغٌ، بلا شيءٍ يمكن الإمساك به. لم يعنِ ذلك أن الاتصال به كان بلا جدوى، فقد ظهر أثرٌ أكثر غر بكثير حين وجد نفسه يرى من عيني المخلوق ويختبر حواسه الأخرى. كان الأمر أشبه بما اختبره في اختبار أنيليا، وربما بدرجةٍ أكبر. لم يكن قادراً على التفكير بعقله بالطريقة التي فعلها حين اتصل بنسخة نفسه، لكنه بالمقابل استطاع أن يدرك فوراً أنه طالما ظلّ الاتصال قائماً، استطاع تحريك جسد المخلوق حسب نزواته بينما كانت عيناه تتطايران لفحص الغرفة بإرادته، محركاً قوائمه صعوداً وهبوطاً بينما قفزت ثيرا إلى الوراء، إذ لم تكن تثق بأي مخلوقٍ صنعته خالتها.
"عذراً، كان هذا أنا،"
اعترف قاطعاً الاتصال ومجعلاً المخلوق يسكن مجدداً.
"أردت فقط التحقق من أمرٍ ما، لكن هذا الشيء... حسناً، إنه غريبٌ حقّاً من الداخل."
"أنا متأكّدةٌ أن ذلك يصف أيّ شيءٍ تصنعه فيديفوس،"
قالت بجفافٍ، شاعرةً أصلاً بالغثيان من التواجد هناك ومستاءةً من فكرة أنه أمامهما أسبوع كامل. ومع ذلك، كان الأسبوع ثمناً زهيداً لتعلم ما كانت تفعله مهارة بن به.
"على أيّ حال، أنا مُنهكةٌ بالفعل لذا سأخلد للنوم."
"يبدو جيدا،ً يجب أن أتحدث مع ميرايد لذا أظن أنني سأفعل أيضاً. أتريدينني أن أتناول الأرضية؟"
أُجبرَا على مشاركة الغرف لفترةٍ أطول بكثير مما خطط له أيّ منهما طوال الأسابيع القليلة الماضية، ومنذ أن حاولت إيجاد غرفةٍ ثانيةٍ وفشلت، لمر يرد أن يتركها غير مرتاحة. ومهما بلغ مقدار اهتماما ببعضهما، كان الجانب الرومانسيّ من علاقتما لا يزال جديداً ولم تكن لديه رغبةٌ في الاستعجال حين شعر أنها تفضل التأنّي. على الرغم من ذلك، هزّت رأسها، ساحبةً إياه معها ومسندةً رأسها على صدره حين مضى ليستريح.
"لن أجبرك على النوم على الأرض، فقط لا تعتد على هذا بعد. لن أنجو من توبيخ الخالة إن علمت بأمر."
"هذا يناسبني."
بهذا لفّ ذراعاً حولها وأغمض عينيه، مجبراً نفسه على دخول عالم ميرايد.
قال محيياً حين رأى أن مليكه ليس وحده: "أهلاً ميرياد، فتاك المفضّل هنا— أهلاً هيلوري".
ثم أردف: "آمل ألا أكون مقاطعاً".
كانت تجلس على مكعبه المفضّل كعادتها كلّما زار عالم مليكه ووجدها هناك، ممّا جعله متردّداً في طريقة ردّ الفعل المثلى، ليستقرّ في النهاية على تجاهل الأمر برمّته، سوى فضول عابر حول مدى راحة مليكه.
قالت: "سمعت ذلك، وتجربته لن تبلغ بك مرتبة التدنيس الثالثة فلا تحاول حتى".
"يا هذا، لم أكن أفكر في جانب التدنيس أصلاً، مع أنك ما إن ذكرتيه—"
قالت هيلوري، قاطعة الحديث بالقوة: "إذن ما الذي أتى بك اليوم يا بن؟"
"أنت تعلمين، هذا وذاك. ارتبطت بمخلوق صنعه روح الحياة الأعظم، وأنا متأكد من خلوّه من روح. كنت أتسااءل عن كيفية عمل ذلك".
هيلوري هي من أجابت، مؤديةً دورها المتفق عليه في الإجابة عن كل أسئلته: "يُرجّح أنه هومونكولوس، شكل من أجسام الحياة الاصطناعية. الطريقة التي يُصنعون بها لا تؤدي عادةً إلى مخلوق ذي روح. في الواقع، تُعدّ هذه النتيجة غير مرغوب فيها لتسهيل الانقياد للأوامر".
"وه، رائع. ما مدى صعوبة صنع أحد هذه الأشياء؟"
"بالنسبة إليك؟ مستحيل. تحتاج عادةً إلى سحر حياة مُستيقظ لتحظى بفرصة، وحتى حينها لن يكون الأمر سريعاً مع احتمالات كثيرة للفشل. وحدها الأعمار الطويلة تكلف نفسها عناء صنعها لاستخدامها في الأعمال البسيطة والمهام، بينما تضيّع الأجسام قصيرة العمر وقتاً أطول من اللازم محاولةً ضبطها بما يستحق العناء. بالطبع، يبقى خيار شرائه قائماً، مع أنه سيحمل المتطلبات الأساسية لأي كائن حيّ لذا قد لا يستحق الجهد بالضرورة".
"يبدو أن استئجار خادم سيكون أسهل في هذه الحالة".
"امتلاك واحد قد يكون وسيلة لإظهار مهارة الصانع في السحر أو ثروة المالك القادر على تحمل تكلفته. علاوة على ذلك، فلهم استخدامات أخرى، وأنت نفسك واحد منهم في الأساس".
"...يا هيلوري لا يمكنك إلقاء هذه الكلام وترك هكذا، سأصاب بأزمة وجودية. ماذا تعني هذه العبارة أصلاً؟"
"المعنى الحرفي تماماً، مع أن الأمر ليس جللاً، كنت مدركاً لذلك مسبقاً، حتى إن لم تفكّر فيه بهذه المصطلحات. منحك ملوكه الحياة جسداً جديداً، وعاء بلا روح، تماماً كأي هومونكولوس آخر. لم يكن سوى مكان تجلب إليه روحك حين جُلبت إلى العالم، ولا أهمية للأمر. على أية حال، إن لم ينزعج سابقاً من بناء جسد جديد لك، فلا داعي للانزعاج الآن".
بدا الأمر أقل إثارة للقلق بكثير حين طرحته بهذه الطريقة. كانت على حق في النهاية، فهو يدرك تماماً أن هذا لم يكن جسده منذ الولادة، بل إن مجرد سماع الأمر بصيغة الهومونكولوس هو ما جعله مزعجاً، غير أنه شعور ضئيل يسهل تجاهله.
"حسناً، معلومة مثيرة للاهتمام أظن، سأبذل قصارى جهدي لتجنب التفكير العميق في الأمر والمضي قدماً. ميرياد، كيف أوقظ الاتصال؟"
"بالطريقة ذاتها التي توقظ بها أي مهارة، بدفعها لتجاوز حدودها. واصل العمل الجاد وإن كان مقدراً لك فسيحدث".
"كنت أمل حقاً في اقتراحات أكثر صلابة من هذه. بدأت أصل بمنتجاتي إلى النادر الفائق أحياناً، فكر فيما يمكنني فعله لو امتلكت مهارات مستيقظة أكثر أعمل بها!"
"يا بن، أنت أول شخص في العالم يحصل على هذه المهارة أصلاً. كيف أفترض تقديم اقتراحات لك ولم يسبق أحدك لاستيقاظها؟"
"هذا... نقطة ممتازة. اللعنة. يبدو لي أنني كان يجب أن أمتلكها بحلول الآن، ألا ترين؟ حقيقة عدم اندماجها مع الصنعة أو السحر عند استيقاظهما تمثل خيبة أمل كبرى".
أخبرته هيلوري وهي تفكر في الأمر: "من المرجح أن يسبب لك ذلك بعض المشاكل. حين تستيقظ مهارة ما، تندمج عادةً مع مهارات أخرى لخفض الحدّ الفاصل. حتى لو بطريقة صغيرة، فإن مهارتك تتفاعل مع الأرواح، مما يعني أن أسهل طريقة لاستيقاظها تتمثل في امتلاك سحر حياة أو موت لتدمجها معه. في الواقع، سيصلح السحر المظلم أيضاً لاحتوائه على جوانب عقلية، وحقيقة عدم قدرتك على اكتساب أي منها هي ما يعيقك على الأرجح. إنها المشكلة ذاتها بالنسبة لزانديل، فهو يقف على حافة استيقاظ مهاراته منذ سنوات، لكنه بلا ميل لأي من السحرين اللذين قد يساعدان في ربط مهاراته معاً ودفعه لتجاوز الحافة".
"إذن إن رغبت في تسهيل الأمر فأنا بحاجة إما لمهارة روح أو عقل تعمل معها؟ لكن أين لي أن... انتظر! زانديل يمتلك التعاطف! ميرياد، ما احتمال ترتيب اجتماع لي معه قريباً؟ مهما كان ثمنه، فسأدفعه!"
سحر عقل بلا ميل، خياره الوحيد، لكنه شعور فوري بأنه سيؤدي الغرض. تيقن من أنه لو حصل على ذلك وكرّس بضعة أشهر لرفع مستواها بضع مراتب فستكون هي بالضبط ما يحتاجه لإنجاح الأمر، ولكن لسوء حظ هذه الفكرة، رفضها مليكه فوراً.
"زانديل ومساعدوه محجوزون بالكامل للسنوات القليلة القادمة. ومع اقرب الغزو بعد أشهر، يريد الجميع ضمان حصول أفضل محاربيهم على أي ميزة ممكنة".
"تباً، ألا يعني هذا أن تدريبها بنفسي هو طريقي الوحيد للحصول عليها؟"
"هذا ما يعنيه حرفياً. آسفة يا بن، إن شئت فلا زلت قادرة على حجز موعد معه، لكن ربما يكون العالم قد انتهى بحينه".
"حسناً، احجزيه إذن إن استطعتِ. أفضّل امتلاكها والاضطرار لدفع الثمن مقابل مهارة عشوائية على الاحتياج إليها وعدم توفرها. كنت أدرس فكرة مساعدته في الحصول على مهارة الهبة لأستحوذ عليها لاحقاً لنفسي، لذا إن لم أكن بحاجة للتعاطف فلا يزال الخيار قائماً. أما الآن، فهل أجرب اكتساب التعاطف بالممارسة وحدها؟ سحر بلا ميل صعب النيل لدرجة قد أستطيع فيها استيقاظ الاتصال قبل الحصول عليه، ومن جهة أخرى، لن تكون خسارة فادحة استخدام عقل أو اثنين للتركيز على اكتسابه في مؤخرة رأسي باستمرار. بالطبع، من جهة أخرى تماماً، سيكلّفني ذلك مانا للتدريب كان يمكن توجيهها بشكل أفضل بكثير نحو محاولة رفع مهارة مستخدم المواد، ولا يوجد وقت يمكنني محاولة اكتساب التعاطف فيه دون أن أتمكن من التدرب على تلك بالمقابل".
قرار صعب، لكنه قرر في النهاية تسجيله كأمر غير عاجل في ذهنه. مهما بلغ حرصه على فعل أي شيء لاستيقاظ اتصاله، فلن يستحق الأمر محاولة كسب المهارة لصالح تجاهل مهاراته القمينة الأخرى. إن وجد نفسه يوماً متفرغاً لتوجيهها نحو ذلك فسيفعل، وإلا فسيؤدي أفضل ما بوسعه لمواصلة دفع حدود مهارته الحالية محاولةً لاختراق الجدار. لم يكن الأمر وكأنه يفتقر لأفكار أخرى يستغلها في النهاية، لذا فحين تُستنفد جميعها سيعيد دراسة احتمال التدرب على نيل التعاطف حينها.
سألته هيلوري: "أذلك كل ما احتجته؟ كنت في منتصف أمر مع مليكك في النهاية".
قال بن وهو يقبض على صدره متظاهراً بالألم: "يا هيلوري، أهذه طريقة تخاطبين بها تلميذك المفضّل؟"
"أنت لست تلميذي".
"أعني، لقد وافقتِ على الإجابة عن كل أسئلتي لذا فأنا كذلك تقريباً في الواقع، لكن ليكن، سأرهقك حتى تقرّي بذلك في النهاية. أمر أخخير واحد قبل التمسك بتعبيرا الاستدعاء. كيف أمضي في فك لغة ميتة؟"
فكّر مطوّلاً ومليّاً فيما إذا كان وقته يستحق محاولة فك الأفكار الواردة في الكتب التي طالعها، واستقرّ في النهاية على جدوى ذلك، لو لمجرد جانب تمدد الوقت الخاص بالأثر. تيقن تماماً من أن الوقت يبدو أسرع بنحو مئة مرة مقارنة بالعالم الحقيقي عند استخدامه، ومع ما يوفّره ذلك من فوائد جمة لصياغة الأفكار وصقلها عموماً، فإنه يعني أيضاً عدم وجود خسارة من محاولة تعلّم لغة عرق غالواكس ككل حقاً.
لن تكون مهمة سهلة، فبن لا يعرف سوى الإنجليزية ولغة العالم، مع تحميل الأخيرة إلى دماغه بواسطة النظام، لكن لا مفرّ من ذلك إن أراد استغلال كل ما يقدمه الأثر. استشفّ من نظرة عينيها اهتمام هيلوري الفوري بالمحادثة، وهي الاستجابة ذاتها التي ترجاها. فكملكة للمعرفة، كيف لها مقاومة محاولة التعرّف على أسرار عالم ميت؟ ومع قدر كره بن لغالواكس، لم يستطع هو نفسه إنكار فضوله حيال الأمر.
"دراسة اللغات شبه معدومة في العالم لأن النظام يمنح الجميع لغة العالم، لذا فإن تعلّم غيرها يُعدّ فناً مفقوداً إلى حد ما. أعتقد أن هناك ملك شعر يفترض أن يمتلك فكرة لا بأس بها عن اللغات ككل، ولكن إن أردنا ترتيب اجتماع فيتعين علينا بدءك بأساسية أفضل من تلك التي تمتلكها حالياً. ينبغي لك تعلّم القليل من اللغات الجديدة لتدرك ما تستطيع فعله وسننطلق من هناك".
"آه، لا تبدو الفكرة سيئة، لكن لا توجد سوى لغة واحدة على الكوكب، فكيف لي تعلّم المزيد؟"
"ماذا، أتظن أنني ومليكك نسينَا لغات عالمنا لمجرد أنها لم تعد محكية؟ رغم أنني لا أستطيع التحدث باسم ميرياد، فأنا أدرك الآلاف منها. سنختار كلانا لغات متنوعة لتنطلق بها. قد يتسنى لي إحضار بعض الملوك المختلفة لتعليمك بعضاً من لغاتها لاحقاً أيضاً. هناك الكثير هنا ممن يحسرون ضياع ألسنة شعوبهم، حتى لو كان ذلك بهدف توحيد العالم بأسره".
بعد نقاش سريع بين الإلهين مُنع فيه ميرياد من تقديم أي جدال لهيلوري في وجه اهتمامها، اختار كل منهما واحدة وبدآ تعليمه في الوقت ذاته، مستغلين عقوله العديدة بينما يركز ويستمع إليهما مستمراً في الوقت ذاته بفحص تعويذة الاستدعاء، راجياً أن ينقر شيء ما هناك أخيرًا بينما يضغط على نفسه للتعلم.