الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 313

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 313 باللغة العربية على مانجا تايم.

منذ الاجتماع وتوتر القرية يتلاشى تدريجياً. لم يختفِ كلياً لكنه أمن فزع اللحظة حين يغادر وتفرغ لتعليمهم ما استطاع قضى الأسبوع الفائت يدرب سحرة على دقائق النقش السحري شارحاً كيف يوظفونه مع مهارة الربط حين ينالونها. أثار الأمر فضولهم خصوصاً إدراكهم أنه سبيل لتسويق المهارة الموهوبة من مَلِك. راودته نفسه أن يعلم البقّيّة أيضاً. قرية بأكملها من النقاشين تبدو فكرة بالغة الروعة لكنه أرجأ التفكير فيها لوقت لاحق واستغل اليوم في مشاريع أخرى اصطحب ثيرا معه بعيداً عن القرية.

سألتْه: "أحقاً احتجنا للذهاب إلى كل هذا العُدْف؟ التحليق لنصف ساعة مسافة طويلة."

"ما عساي أقول، شفقَتْ عليّ الجشع ممّا تقوله عن تجربتها في المدينة. لا أريد المخاطرة بتسوية القرية التي عملنا بجهد لبنائها بالأرض."

"إن كان هذا مقلقاً حقاً فلا ينبغي لك فتحها البطل!"

"اطمئني، قيل لي إنها مستودع معرفة وستكون الأمور على ما يرام."

على الأغلب. احتفظ بما يدور في ذهنه بينما أنزلت المنصة الحجرية التي حملتهما على الأرض في جزء بعيد من الأراضي البكر. جلس بين محتلباً حقيبته مستخرجاً الأثر الأسطوري الذي ناله عقب اجتياز الاختبار. الأرشيف. أخذ لحظة ليتأملها. نقش كثيف يغلف شكل كتاب بدرجة أزعجته لأنه يعلم استحالة نسخه لكنه استغرق مع ذلك في جمال تفاصيله. بغض النظر عن كراهيته الشخصية للمَلِك الذي صممه لم يستطع إنكار براعة الصنعة.

شعر كأنه قادر على إطالة النظر في الغلاف وحده لساعات لكن بمقدوره فعل ذلك في أي مكان. ذهبا لتلك المسافة لغاية واحدة ودون تردد أذعن وفتحه.

"..."

"أتظن شيئاً يفترض أن يحدث؟"

سألته ثيرا متكئة برأسها فوق كتفه لا ترى سوى صفحات بيضاء.

"أعني بما أنه كتاب فقد توقعت وجود شيء في النهاية لكنه يظل أداة سحرية وعليّ معاملته كواحدة."

آملاً بشيء أكثر إثارة مرر مانا خاصته خلاله كما يفعله مع أي أداة منقوشة وفي ومضة وجد نفسه في مكان آخر. وصفه بغرفة بيضاء ملساء خطأ بل كان أشبه بفراغ. غاب أي تمييز بين الأرض والسماء تماماً كعالم مَلِكه وبدا كأنه يمتد إلى ما لا نهاية بخاصيتين بارزتين وحسب. رف كتب صغير على مسافة قريبة وأمامه طاولة تحمل كتابين إضافة إلى ما ظننه قلماً فاخراً من نوع ما.

"حسنًا، لم أدر ما أتوقعه لكنه ليس هذا بالتأكيد."

غاب الأرشيف من بين يديه مخلفاً مشكلة مزعجة تتعلق بكيفية عودته لكنه حاول تجاهل الأمر لصالح استكشاف المحيط متأملاً أن يتبين تلك الجزئية بينما يتعرف على وظيفة الأرشيف. بدأ بما هو أقرب إليه فتقدم نحو الطاولة والتقط الكتاب الأول ناوياً تقليب صفحاته لكنه خاض تجربة مغايرة تماماً فور فتحه الصفحة الأولى. لثانية واحدة بدت فارغة تماماً لا شيء يُرى حتى شعر بمن يتفحصه بالمقابل؛

وخزة لاسعة في ذهنه جعلته ينتفض بينما تحولت الصفحة إلى صورة من ذكرياته حين صنع دعامة المقاومة للمرة الأولى. تأجج فضوله فقلب الصفحات إلى التالية ليجدها تضم صورة له وهو يصقل العملية ومثلها في التي تليها مستمراً هكذا حتى وصل إلى أحدثها التي صنعها لثيرا وتمكنت أخيراً من كبح سحر إغوائها.

تمتم: "مثير للاهتمام لكنه عديم الفائدة تقريباً."

أدرك كنه كل ذلك لكونها مشاهد من ذاكرته لكنها كمجموعة صور ثابتة لن تقدم سياقاً يذكر لو نظر إليها أي شخص آخر.

"فلماذا بدأ بهذا إذن؟ وهيل هناك المزيد؟"

قلب الصفحة التالية ليصادف صورة أثارت رغبته بإغلاق الكتاب بامتعاض. كان مشهداً من الاختبار لحظة نجاحه في إيقاظ النقش حين حاول تعديل النقوش لمنع الموقت من التحرك. حتى وإن كانت محطة منحته نمواً معتبراً في طريقة توظيف سحره فقد كانت بعيدة كل البعد عن كونها ذكرى سعيدة وتبعها في الصفحات القليلة التالية كيف صقل العملية ثم لا شيء. استلب الكتاب هذين الأمرين من ذهنه ولم يدرِ لِمَ.

أي جامع يجمع بينهما؟ الثاني متعلق بغالواكس لكن الأول ليس كذلك لذا لا يمكن هذا. هل من مغزى آخر يربطهما؟ أعني أظن أن الدعامات كانت أول اكتشاف عظيم لي وكيفية دمج أنظمة النقش المختلفة كانت الأحدث لكن... حقاً، أيعقل أن يكون هذا هو السبب؟ كل ما صنعه عدا هذين الأمرين بدا مبشراً لكنه لم يجزم بابتكاره شيئاً يتجاوزها مما يستطيع أي شخص آخر بلوغه أو ما يضاهيه أهمية على الأقل.

لا يعني هذا ضآلة بقية أغراضه بل لكونها أشياء ميسورة لأي كان امتلك المهارة والمعرفة الملائمتين. ابتكار الدعامات ودمج ثلاثة أنظمة نقش متميزة بدا أمراً مختلفاً. حسنًا، أظن أنني على المسار الصحيح ولكن لمَ يقتصر الأمر على تسجيلها بسلسلة صور؟ ما المغزى؟ سؤال بلا إجابة فورية لذا بدلاً من إطالة الوقوف انتقل إلى الكتاب الثاني ليجده هذه المرة فارغاً بحق لا يمتلئ مع نظراته.

"حسنًا، كتاب فارغ وقلم بجانبه. يبدو هذا يسيراً بما يكفي."

قبض على القلم فوجد زرين عليه فضغط أحدهما ناوياً تدوين ملاحظة ليرى أثراً محتملاً ليتفاجأ بعرض تأثير مغاير تماماً. حين حرك القلم في الهواء تشكل خط في نهايته معلقاً في الأجواء وظاهراً على الصفحة الفارغة التي يتصفحها وشعر بعينيه تتوهجان فور اكتمال الاتصال.

"أوه هذا ممتع."

في ومضة تلبسه الجانب الفنان فاستغرق وقتاً أطول بكثير مما ينبغي وهو يرسم مشهداً مختاراً تجسيد المتجر حين خطه في الهواء صانعاً نموذجاً ثلاثي الأبعاد لا يظهر جماله بثنائية الأبعاد في الكتاب كما يفعل أمامه مباشرة لكنه أدى الغرض بوضوح. ما إن فرغ حتى أغلق الغلاف فرأى ما رسمه يتبخر ليعاود الظهور فور فتحه على الصفحة الأولى مجدداً ويختفي ما إن يقلب للصفحة التالية. أمضى وقتاً في العبث به أطول من الكتاب الأول مستكشفاً أن الزر الثاني يعمل ممحاة وبإمكانه الحصول على أحد عشر لوناً مختلفاً من القلم بحسب عدد نقراته ما يكفيه ليلهو بلا هوادة حتى وضعه جانباً أخيرًا.

تيقن أن استمراره سيهدر ساعات هباء لذا أجبر نفسه على المضي منتقلاً إلى العنصر الأخير؛ الرف أمامه. بدا صغيراً لكنه مكدس ببضع عشرات من الكتب فتناول ما حسبه الأول فاتحاً إياه لاستجلاء جوفه ليلمح ومضة صورة مشابهة لتلك التي ظهرت له وإن خصت بوضوح فرداً من عرق غالواكس قبل أن يجد نفسه في ومضة بمكان آخر محبوساً على ما يبدو داخل جسد ذلك الكائن بملامحه البشرية ورأس الحبار.

عجز عن تحريك الجسد لاستجلاء محيطه وبات منقاداً به لا يرى إلا ما اختار رؤيته بعيون مغايرة تماماً لعينيه حوّرت مظهر العالم من منظوره على الأقل. وحسب ما استشفه فإن الشخص المحبوس بداخله كان داخل أخدود بينما حلقت قطيع عملاقة من المخلوقات الشبيهة بالقروش نحوه ليشعر بنموات مجسات وجه الشخص تنكمش كأنها تخصه. بدا الجسد في حالة مزرية ولم يملك بن إلا استشعار الخفة والخوف مع انقضاض الوحوش عليهم قبل أن يشتت انتباهه صوت.

لم يكن خارجياً وتلك كانت حقيقة واضحة. ما سمعه تمثل بأفكار الرجل بلغة عجز عن فك شفرتها مبدئياً ليدرك تدريجياً مجريات الأمور وسبب تسمية الأثر بالأرشيف. فيما بدات اللحظة الأخيرة رفع الشخص الذي يرى العالم عبر عينيه يداً في الهواء وألقى تعويذة سقطت قطيع الوحوش بسببها على الأرض متخبطة بينما غاب عن وعيه -على الأرجح جراء نفاذ المانا- مما أتاح لبن مغادرة صفحة الكتاب.

"حسنًأ، أظن أن هذا سبب تسمية الشيء بالأرشيف والأهم من ذلك كيف فعل ذلك؟"

بجمع المعطيات بدا أن علة التقاط الكتاب الأول مشاهد من ذكرياته هي إتاحة مشاهدتها لاحقاً للآخرين لكن هذا ترك تساؤلاً حول ما عاينه. كانت تعويذة ما لكنه جهل الانتماء أو الآلية. بدت سطحياً شبيهة بتحريك الأشياء عن بُعد لكنها قدرة صعبة التوظيف بفعالية ضد هدف متحرك. حتى مع وفرة مانا ثيرا الهائلة صعب استخدامها في القتال. استبعد امتلاك عرق غالواكس ما يقاربها لكن هذا أبقى تساؤل الكيفية معلقاً.

حدسه أخبره بخلوها من اللانتماء؛ فهو يملك خبرة واسعة بهذا ولا يشبه الشعور الذي اختبره. بدا نوعاً ما مقارباً لما أحسه من ثيرا حين وظفت سحر الأرض ومتصل بها لكنه لم يكن مطابقاً تماماً. إزاء عجزه عن فعل شيء آخر قلب صفحة تلتها أخرى وهكذا متتبعاً أيام حياة هذا الرجل الغامض وهو يصقل سحر اللغز. بدت كل صفحة أطفأ من سابقتها لكنه أدرك في كل مرة افتقاره للجزء الأهم؛ السياق الكامن خلف التعويذة والظاهر في الأفكار التي يسمعها.

سياق لا يمكن بلوغه إلا بلغة يجهلها ولا سبيل لتعلمها لانقراض ذلك العرق بأكمله. مع بلوغه النصف الثاني من الكتاب توقف عن ولوج الذكريات المسجلة مصادفاً بدلاً منها صفحات وصفحات من الملاحظات برموز عصيّة على القراءة ظهرت في الهواء أمامه كتلك التي رسم بها لكنها لم تقدم عوناً يذكر. لغة ميتة بنظام كتابة ضائع لن تمنحه سوى القليل. رافضاً الاستسلام رغم محدودية حصيلته المعرفية أعاد الكتاب لمكانه منتقلاً للتالي مصادفاً ساحراً مختلفاً في بقعة مغايرة لكل ما سبق وهم يعالجون سحرهم ويصقلونه وبدا أكثر ألفة لاستخدامه في إنبات حقل محاصيل مشيراً لسحر النبات المألوف لديه قبل الانتقال لكتاب تلو الآخر حتى اضطر للاعتراف بالحقيقة.

مهما بدا مثيراً تفكك دقائق تعاويذ الكتب فستنتهي لطريق مسدود. ففي النهاية لا يمكنني قضاء وقت غير محدد في فك رموز لغة بأكملها أليس كذلك؟ هناك أمور بالغة الأهمية. سأقلب هذه جميعاً لاحقاً لتبين بزوغ شيء ممتع أستطيع إدراكه فعلاً لكن خاصية الرسم حالياً وافية بغرض الاستفادة منها حتى وإن بدت زهيدة لأثر أسطوري. أظن أن ما تبقى هو... آه، أرجو ذلك. استدار نحو المكتب الأول متمنياً الظفر بما فاته ليدله على المخرج ليلحظ فوراً ما يحتاجه أو ما أمله على الأقل.

خلف موقعه الأول بدا مدخل شبيه بشكل مزعج بما ربط أقسام الاختبار وبلا خيار آخر عبره ليجد نفسه حيث بدأ. في الغابات وأمامه ثيرا بنظرات تحولت سريعاً للارتياح.

"يا للهول، لا تفزعني هكذا كدت أقتلعها من يديك حين سرحت لثانية. ماذا جرى؟"

"أوه يا رجل، هذا الشيء رائع حقاً. أعني لا يفترض أن يكون صادماً لكن... انتظر، ماذا تقصد بثانية؟"

حسب تقديره تفاعل معها لنحو ساعة محاولاً استكشافها لكن مع إخبار ثيرا له بمعناه الحرفي لم يملك إلا إعادة النظر للأرشيف بفهم جديد لتداعياته. لقد نال أثراً بفاعلية تمدد زمني هائل وهو واثق من تسخيره بكل السبل.