في عالم الملوك، حيث استقرّ كل من حكم شعوب الأرض، مطيلين النظر أبداً في أفعال رعيتهم، كان يجري حدث نادر للغاية. اجتماع لمناقشة مصير فانيّ واحد. كان نادراً أن يفعل أيّ فانيّ ما يستحقّ عقاباً مباشراً من مَلِك، وأندر من ذلك أن يتدخل أكثر من مَلِك في الأمر، لكن الجميع؟ لم ينل أولوب نفسه مثل هذا الجمع قط. كان أمراً غير مسبوق. وما وصل الأمور إلى تلك النقطة إلا بعد نقاش طويل ومضنٍ بالفعل حول أفعال الملوك المحرّمين وما اقترفوه.
لم يُنكِر أحد ممن حضر أن من ارتكبوا عملاً بمثل تلك الغباوة يستحقّون الموت. كانت حقيقة لا مفرّ منها. فاختيارهم الأنانيّ كفل لهم إضاعة العالم في نهاية المطاف. كانت المسألة تتمثل في شكل الإعدام، وبالتحديد في حقيقة سُمح لفانٍ بتنفيذه.
صاح المَلِك إنيث: "هذا شنيع!"
وتأجّج النيران في عينيه الزاحفتين.
"لا يقتصر الأمر على السماح لفانٍ بإيقاظ التدنيس، بل وبتركه يقترب إلى هذا الحدّ من المرتبة الثالثة أيضاً؟ يجب أن نتحرّك قبل أن يلحق أيّ أذى حقيقيّ بالعالم! يجب نفي الصبيّ إلى الجحيم الأبديّة حالاً!"
قالت أنيليا مساندةً: "أنت متألم فحسب يا إنيث لأنّه علّق طفلك درساً مستحقّاً حول كيفية افتعال المعارك. من بين كلّ من استُدعوا على هذا العالم، يمكن القول إنّ بن حقّق أعظم الإنجازات على الإطلاق. لم يقتصر الأمر على حلّه لمشكلة السحر الكامن، بل إنه السبب الوحيد الذي جعلنا ننتبه إلى هذه المشكلة في المقام الأول. وحقيقة قدرته على استغلال هذا الحدث لتقوية نفسه تُعدّ هبة."
"ما لم ينوِ توجيه أنيابه إلينا. لا نمملك سوى هذه الفرصة للتحرك! إذا بلغ المرتبة الثالثة فسيرتقي إلى مرتبة السيادة عندما يموت ولن تتوفر لنا فرصة أخرى، ونعلم جميعاً كم تبدو هذه الفكرة جذابة للفاني. من يدرّي لعلّه يهاجم الكهنة ويحرق الكنائس ليحاول دفع الأمور نحو الحافة؟ والأهم سوءاً، ماذا لو قرر مهاجمة أحدنا ونحن متجسّدون بين مؤمنينا؟ إن نجح في أن يصبح مَلِكاً للتدنيس فقد يعجز أيّ منا عن لمسه، لنعيش بدلاً من ذلك في خوف من فرضه تلك الخاصية علينا! أأيّكم مستعدّ لتخُّمل ذلك الخطر؟"
بالتفتيش حول المكان، وفي حين بدا عدد قليل من الملوك منحازين صراحةً إلى جانب إنيث، كان كثيرون متردّدين. لم تكن النقاط المثارة خاطئة، لكن قتل فانٍ لم يرتكب خطأ حقيقياً بعد كان أمراً غير معقول. هم محتاجون إلى الفانين، ومع توقع مستوى معيّن من الخوف بسبب اختلاف حجم وجودهم، لم يكن أحد منهم مَلِكاً شريراً. لقد تفاخروا بمحاولة التحلي بالعدل على الأقلّ. المسألة هي أنه على الرغم من ذلك، وبينما لم يوجد سوى عدد قليل مؤيد لنفي روحه، لم يتكلم في الدفاع عنه إلا عدد قليل أيضاً.
لقد بلغوا طريقاً مسدوداً. وتوقف الأمر برمّته على من سيستميل البقية.
بدأ أحد المتردّدين، وهو مَلِك صفتُه المحدّدة هي الاختيار: "من الجميل سماع كلّ الآراء بطبيعة الحال، لكنني أعتقد أن علينا الإصغاء إلى من يعرفه أفضل من غيره في هذا الشأن. ميرياد، بما أنه رسولك، فما الذي تقوله لأجل الصبيّ؟"
قاطع إنيث: "مهلاً الآن، يجب أن يكون ذلك واضحاً بما يكفي بالفعل، فأيّ جدوى من-"
قال المكعب بهدوء — إذ ظل صامتاً حتّى ذلك الحين يفكر مطوّلاً وعميقاً فيما سيفعله، ممّا جعل البقية يصمتون بكلماته الأولى، وجعل الملوك المحيطين يحدقون فيه بدهشة، بينما تساءل أولئك الذين التقوا بنّ فعليّاً إلى أين يريد الوصول: "بن خطير. ليس سرّاً أنه لا يخلع أيّ معنى خاصّ على الملوك. في الواقع، أودّ القول إن لديه انطباعاً سلبيّاً عن كلّ واحد منا، على الأقلّ إلى أن يلتقي بنا ويتحدث إلينا. من هناك، يكون تقييمه على مستوى نظيرته لشخص، لا لقوة تعلوه. بصراحة، لا أظنّ أن أحداً هنا يملك الحقّ في لومه على ذلك أيضاً. لقد انتزعنا روحه من عالمه القديم لأغراضنا الخاصة دون أيّ اعتبار لما يجب فعله إن ظهر فرد مثله، وكانت النتيجة النهائية أن قررت الكنيسة المشتركة بمفردها مساعدته دون أيّ تدخل من أيّ منا للمساعدة في تكوين انطباع أفضل."
هزأ أحدهم: "أُتيحت له فرصة ثانية في الحياة، ومع أخذ ذلك في الاعتبار أقول إن لديه ما يكفي."
عقّب آخر: "سُحب إلى الحياة وقيل له فوراً إن العالم في خطر من عرق قتل الآلاف منهم، ولديه كلّ الحقّ في ألا يكون ممتناً لمثل هذا الأمر."
قال ميرياد جاعلاً الانتباه يعود إليه: "مهما يكن، تلك ليست وحدها ما يجعل بن خطيراً. في الواقع، ثمة أسباب كثيرة. الأوضح الذي يمكننا استخلاصه من مدى سهولة قتله للشياطين هو أنه لا يمنح الحياة أيّ قيمة خاصة. كان يجب أن يكون ذلك واضحاً منذ البداية لأي مراقب حقّاً. بخلاف الكثير من المستدعين الآخرين القادمين من ثقافات لا يُعدّ القتل فيها أمراً شائعاً، لم يجد أي مشكلة فيه منذ البداية، رغم أنه لم يكن يملك أي تاريخ في الصيد على غرار القادرين على التأقلم السريع مع وضعهم الجديد. والأهم من ذلك هو كيف يتفاعل مع النظام نفسه. لقد تفقدت روحه مبكراً للتأكد، لكنه لا يملك أيّ توافق طبيعيّ معه. ورغم ذلك، ففي أقلّ من ثلاث سنوات منذ وصوله إلى العالم، انتقل من المستوى صفر ومهارة واحدة إلى ثلاث مهارات موقظة، مع اقتراب بضع أمهات أخريات. ناهيك عن موهبته في المهن. بصرف النظر عن حقيقة أنه يبدو دائمًا دافعاً نفسه إلى أقصى حدوده ومستمتعاً بكلّ ثانية من ذلك، فهو بارع في معرفة طرق اكتساب الخبرة بسرعة. أيمكن لأحدكم تخمين عدد المهن التي خاضها منذ قدومه إلى هذا العالم؟"
"ماذا، ربما عشرة بعد ما ارتكبه بقتل أولئك الملوك؟"
أخبرهم ميرياد: "حاول تسعة عشر"، ممّا أثار صمتًا مصدوماً نتيجة تساءل الملوك من حوله عمّا إذا كان أيّ فانٍ قد أكمل هذا العدد الكبير في مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة.
كانت هناك أوقات يكتشف فيها فرد معيّن طريقة لإنهاء مهنة بسرعة غير عادية، لكن تكريس الجهد اللازم للقيام بذلك شيء آخر تماماً.
"يمملك بن مستوى من العزم على بلوغ مراتب شائنة، ومستوى من اللا مبالاة تجاه الملوك يجعل منه عدواً قويّاً إن اختار أن يكون كذلك، وكلّ هذا وأكثر هو السبب في أننا لا نستطيع أبداً محاولة نفيه إلى الجحيم الأبدية."
قال إنيث بينما أومأ العديد من الملوك المحايدين إيماءات غير متأكدة: "أظنّك قدّمت حجة مقنعة جداً يا ميرياد. إن كان الصبيّ بخطورة ما تقول، فسنكون أشدّ حكمة بفعل ذلك الآن قبل فوات الأوان."
أخذ ميرياد يشرح: "حسناً، ثمة نقطتان يجب عليك اعتبارهما. الأولى هي أنه حتى إن لم تكن لدى بن نظرة جيدة لمعظم الملوك، فهو لا يكره أحداً لدرجة مهاجمتهم بنشاط. على الرغم من كلّ ما قلته، تُظهر أفعال بن شخصيته، فهو ليس شخصاً سيئاً. حتى أنت، الذي تماديتَ حتى سمّيتَه عدوك في لقب، لستَ في أسوأ الأحوال سوى شخص مصادف أنه مرتبط بأحمق في عقله. والثانية والأهم برأيي، هي أنكم إن حاولتم جميعاً فعل ذلك فستفشلون، ومن خلال المحاولة ستسجلون أخيراً لديه بوصفكم أشخاصاً يضمرون له الأشرار."
قال المَلِك الآخر ضاحكاً: "لم يبلغ المرتبة الثالثة بعد، فكيف قد نفشل؟ بخلاف البعض، حافظ الكثير منا على عدد جيد من المؤمنين على مرّ السنين. حتى وإن عجز أحدنا لأي سبب بسبب القوة التي فقدناها، فطالما نعمل معاً فسيكون الأمر لعبة أطفال."
"باستثناء التغير الذي رأيناه في كيفية بدء النظام بالتفاعل معه بمجرد إيقاظه للمهارة. عندما فعل ذلك صمتت أفكاره بالنسبة إلينا، وامتصّ رأسه بالإشعارات، متسائلاً عمّا إذا كان سيسمح لكلّ مَلِك يحاول رؤية أفكاره بالوصول إليها بالاسم. أخبروني، يا من تقررون مصير رسولي، إن فشلتم، إن حاولتم انتزاع روحه من جسده ومنعكم النظام بينما يخبره بأسماء كلّ مَلِك شارك، كيف ترونه سيتصرف؟"
اختفى المزاج الواثق للملوك المؤيدين بينما التفت البعض نحو المَلِكين الآخرين اللذين نالا إمكانية الوصول إلى عقل بن.
أخبرتهم هيلوري مومئة: "هذا صحيح. ولا ينبغي أن يكون الأمر مفاجئاً بشكل خاص، فقد رأينا النظام يتفاعل مع بعض المهارات بمستويات أعمق بكثير من غيرها، والآن بعد أن أصبح في المستوى التاسع من المرتبة الثانية فسيكون الأمر صادماً بالنسبة إليّ إن استطعنا فعل أيّ شيء مؤذٍ له."
"نحن لا نتحدث هنا عن نوع من التحليل المحدود مثلما هو الحال مع العديد من المهارات الأخرى التي يحصل عليها الفانون يا هيلوري، أنتِ تصفين دفاعاً مدمجاً ضد الملوك!"
قالت وهي ترفع كتفيها: "قد تظهر هجمات أيضاً بشكل محتمل. ليست لدينا أيّ فكرة عن حدود هذه المهارة، وأنا شخصياً لن أعرّض نفسي للخطر لاكتشافها."
ازداد المزاج سوءاً بين أولئك المؤيدين لنفي بن، حتى إن المعارضين شعروا بالرعب، بينما تركهم ذلك واثقين من أنهم على حقّ عندما تمتم أحدهم: "كيف يمكن للنظام السماح بوجود مهارة كهذه؟"
سألت أنيليا بجفاف، دون أن تلقى أيّ رد: "أيمكنك لومه؟ على أيّ حال، لا يشبه هذا أبداً حالة أولوب، فحقيقة وجود عدد أكبر من الملوك هنا لمناقشته مقارنة بالأخير أمر مخزٍ. بغض النظر عمَّا سيسفر عنه هذا التصويت، لن تجدوني أعمل على معاقبة الصبيّ، وإن فشلتم جميعاً فيمكننا أن نكون واضحين تماماً بشأن الطرف الذي أناصره."
انضمت إليها موجة من الموافقات بينما تحدث كلّ مَلِك يمتلك عرقه سحراً كامناً. لقد قُمعت كلّ شعوبهم إلى حدّ ما، وحُبست في أراضيها، وفرضت قيود على سفرها في العالم ونُظر إليها بخوف حيثما ذهبت. وبفضل بن تغير ذلك ولن ينسى أحد منهم ذلك، وهي حقيقة كانت واضحة للملوك الآخرين.
بصق إنيث: "أتودّون تفريقنا في مثل هذا الوقت الهام؟"
تحدثت أنيليا وعيناها تلمعان وأسنانها الرفيعة الطويلة مكشوفة: "لا، بل أنت. أنت من لديك طفل جامح وكبرياء مجروح تحاولان تفريغهما في فانٍ أهانك يا إنيث، وقد تساهلت معك بالفعل بما فعله طفلك لطفلي."
"هي ليست طفلك، بل مجرد مؤمنة. وواحدة خطيرة بشكل خاص أيضاً."
"لا أحد سواي يقرّر ما يمثله مؤمنوني لي، وأنا أقول إنهم أطفالي، وإن كان لديك المزيد لتقوله عن ثيرا فسوف يصبح هذا النقاش أقلّ تحضّراً بكثير أيها المَلِك الصغير."
منع السمّ في صوتها إنيث من الردّ، وتراجع في النهاية، وإن لم يكن بالكامل.
قال متجنّباً النظر إلى أنيليا وبالتالي متجنّبًا عيون أولئك الموجودين في جانبها: "قلنا إننا سنجري تصويتاً، فلنطرحه للتصويت إذن. كلّ المؤيدين؟"
حولهما جميعاً، رُفعت الأيادي وما يعادل الأيادي، حتى وإن كان ذلك مجرّد إسقاط للمانا، لكن ذلك لم يبلغ سوى عُشر المجموع كحدّ أقصى، ممّا جعل إنيث يكزّ على أسنائه وهو ينادي الآخرين: "وكلّ المعارضين؟"
إن قررت أغلبية البقية البقاء على الحياد في الأمر لكان قد مُرّر ربما، لكن بدا أنه لكلّ المتاعب التي سببها بن، فقد تمكّن من ترك بعض الانطباعات الجيدة، متضافرة مع تحذير ميرياد للملوك الآخرين. ومع النداء أخذ خمسون بالمائة من الملوك الآخرين جانبه، تاركين أربعين بالمائة إما محايدين، أو مترددين، أو في مستوى ما من اللا مبالاة مع نهاية الاجتماع بينهم.
"...حسنسن جداً. يبدو أننا سيتعين علينا الانتظار ليُظهر أيّ تهديد يمثله قبل أن نتحرك إذن. انتهى هذا الاجتماع."
وعند ذلك، عاد كلّ مَلِك إلى مهامه الخاصة، وانضمّت أنيليا وهيلوري إلى ميرياد في عالمه.
عقّبت هيلوري باستهجان: "كان عليه حتماً نيل الكلمة الأخيرة، أليس كذلك؟ يا له من أسلوب شائن يتصرف به مَلِك."
ضحكت أنيليا: "إنه منزعج فحسب لاكتشافه أن كنيسته أصبحت أفقر بكثير، إضافة إلى حقيقة أنه يفتقر إلى الإيمان في الوقت الحالي. لقد كان سعيداً بالمراهنة بكثرة على أن بن سيموت في الاختبار بعد كلّ شيء. سبب ممتاز لتجنّب القمار."
أما ميرياد فقد انهار على الأرض بالفعل، مستنزفاً من اللقاء.
"شكراً لكما حقاً. بصراحة، لا أدرى ما كنت لأفعله من دون المساعدة."
قالت هيلوري وهي تبدأ باستخدامه مقعداً: "لا تقلق بشأن ذلك. رسولك مزعج بعض الشيء، لكنني سأكون ملكة سحر ومعرفة فاشلة إن سمحت لنفِي عقل كهذا لأجل شيء غبيّ كهذا."
ضحكت أنيليا: "وأنا أتطلع إلى جعله صهراً لي ذات يوم. يا له من مفهوم لطيف، أليس كذلك؟"
"لست متأكداً من أنك ستفكرين هكذا إن رأيت مقدار الضغط الذي يضعه عليّ باستمرار، لكن على الأقلّ طالما أنه لا يفعل شيئاً أسوأ مما يفعله عادة فقد تسير الأمور على ما يرام... آه، ومن أخدع أصلاً، فلحظة قيامه بأي شيء يميل بأولئك الأربعين بالمائة ضده فسيُقضى عليه."
بقدر ما اهتم ميرياد ببن بل واعتقد بصدق أنه شخص جيد عندما يصل الأمر إلى جوهره، لم يستطع إلا أن يفكر في أن أسابيع قليلة فقط ستفصل رسوله عن فعل شيء يجبره على إعادة تقييم ذلك الاعتقاد برمته مجدداً. إنه محظوظ فحسب لعدم إثارة أحد لكيفية تصرفه في أولفيث عندما خرج من الاختبار، وربما يرجع ذلك فقط لأنه سيشير إلى إخفاقاتنا التي سمحت بوضعه في ذلك الموقف أساساً. آه يا بن، أرجوك توقف عن إسباغي بهذا القدر الهائل من التوتر!