الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 302 — ملوك وأتباع الجزء الثالث

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 302 — ملوك وأتباع الجزء الثالث باللغة العربية على مانجا تايم.

قال كاز: "ما هذا؟"

وهو لا يفهم ما يقوله زميله الكاهن بينما كان توڵثو يصرخ في وجه الحشد.

قال: "أنا أرفض! مَن يكون الملوك كي يأمرونا بالموت من أجلهم؟ ومَن يكونون كي يطالبونا بقتل مَن نحبّ قبل أن نلوذ بالفرار كالجبناء؟ أهذا المجتمع هشّ إلى هذا الحدّ؟ أهذه الروابط التي تجمعنا ضعيفة هكذا؟ أيمكن لأحدكم أن يستمرّ في الحياة راضياً بضميره إن تركتم مصائر آبائكم وأطفالكم، إخوتكم وأخواتكم، أصدقائكم وجيرانكم تصل إلى نهايتها بمثل هذه السهولة؟ أنا أقول لا! إن كانوا يطلبون منا هذا فلماذا نعبدهم من الأصل؟ ما جدوى كل هذا إذن؟"

كان الحشد يتأرجح بين نظرات شتى؛ بدا بعضهم موافقاً، بينما ظهر على آخرين الذهول لأن كاهناً تجرأ على قول شيء يناجي إرادة الملوك على هذا النحو، في حين انضم الكהّان الزملاء إلى الفريق الأخير.

صرخ فيه پليھت: "لقد تماديت يا توڵثو!"

وكانت كرة من النار مستقرة في كفّه بالفعل قبل أن يلتفت إلى الحشد.

"أنظروا إلى ما نمتلكه! لقد منحنا الملوك كلّ شيء. طعام الغابة، مياه النهر، شمس السماء، وحتى حياتنا ذاتها! إن كانوا قد وهبونا كل هذا بمثل هذا الكرم فمَن نحن لنزعم أنهم عاجزون عن استرداده؟ أأنت عظيم إلى حدّ يخولك تقرير ما هو صواب؟"

ردّ صارخاً: "لا يلزم أن تكون عظيماً لتدرك أن هذا خطأ! وإن كان الملوك مخطئين في هذا فما الذي يخطئون فيه أيضاً؟ أنا رأيت أولئك الغرباء! إنهم يعتنون ببعضهم بعضاً مثل أيّ منا تماماً! ربما جاؤوا لقتلنا، ولكن أيّ فرق سيصنعه ذلك عن واقعنا الآن؟ أضلّ الموت مقاتلاً على أن أعيش مع العواقب بعد ذلك!"

<اصمت!> هكذا دوى صوت كوكس في رأسه كالصاعقة. <بعد كل ما قدمناه لك، أهكذا تجازينا؟ بالجفاء والكرامة المجروحة؟ ظننتك خيراً يا توڵثو!

كنت أحسب أن لك مستقبلاً.> صرخ رادّاً في التوقيت ذاته الذي شنّ فيه بقية الكهنة هجومهم: "ربما كنت مخطئاً في هذا، ولكن إن كان الأمر كذلك فالخطأ أشرف!"

مع التنسيق الفائق بينها بدا جلياً أن الهجوم موجه بأمر الملوك؛ إذ تحرك الأربعة كأنهم جسد واحد، وأطلق اثنان منهم تعاويذ لهبية باتجاهه بينما تولى الآخران استخدام الأرض، فلم يتركوا له مساحة تذكر للمناورة، واضطر لاختيار الضربة الأقل ضرراً فوقع اختياره على إحدى التعاويذ النارية الأضعف، وشعر بلحم تمسحه النار وفرو يحترق بينما كان يفعّل المهارة الوحيدة في القرية التي لم ينجح أحد غيره في بلوغها، فأتاه الإختفاء.

بصفته النسخة الموقظة لمهارة التسلل — فتحولت بذلك إلى سحر لامنتماسيّ — كان الوحيد في القرية الذي حقق مثل هذا الإنجاز طوال تاريخها، ولم يحتج سوى لشرح ما جرى له نتيجة لذلك، وما إن أدركه حتى غمرته نشوة عارمة. عزا الأمر للملوك، وها هو الآن يغدو سبيله الوحيد للنجاة من غضبهم. مع تفعيل المهارة غاب عن الأنظار، وهو أثر يشبه ما تحققه بعض تعاويذ الضوء، لكنها كمهارة متفرعة عن التسلل كانت أقدر بكثير.

أسكتت حركاته فمحَت ما يصدر عنه من أصوات، وفي الوقت ذاته قلّلت من أثره على العالم وإن لم تمحُه كلياً. تركت خطواته فوق التراب آثاراً تكاد تكون منعدمة رغم وجودها، وتراجع عبير جسده حتى إن حواس أبناء جنسه الحادة عادةً ما عجزت عن رصده إلا حين يركزون تماماً ويكونون على مقربة شديدة منه. هكذا كان الوضع ليكون عليه لولا أن نتانة فروه المحترق كانت أطغى من أن تُحجب. بعد تفاديه لهجومهم الأول واجهوا صعوبة أكبر في تسديد الثاني لغياب أعينهم، لكن ذلك لم يعنِ خطأهم، بل عنى أن يتضخم حجم كل هجماتهم.

عوضاً عن دفعات النار والأرض المدروسة والمصنوعة بعناية لتوفير المانا، وسّعوا نطاقها وبذلوا قصارى جهدهم لضرب المساحات التي يحتمل لجوؤه إليها خلال لحظات اختفائه، بينما كان هو يصارع حيرة أمره. أدرك أنهم سيقتلونه فتلك كانت الغاية الواضحة لكل تعويذة، ولم يكن التساؤل سوى عما إذا كان سيردّ الصاع صاعين. علم أنه لا يستطيع مجرد وضعهم في حالة تعجزهم عن القتال. من بين الكهنة الخمسة كان الوحيد الذي يمتلك وصولاً إلى سحر الموت، لكن البقية بارعون في سحر الحياة ويمكنهم استخدامه بمهارة فائقة لشفاء أي جروح تلحق بهم.

لكن إن قتلت من أجل مصلحتي الشخصية فهل أكون أفضل منهم؟ لم يستطع منع نفسه من طرح التساؤل بينما اتخذ قراره. في حالة السحر الناري المستخدم للبحث عنه، فإن زيادة انتشاره تقلل من قوته ما لم تُضخّ مانا إضافية، وتأكد توڵثو من حرص الكاهنين على توفير مخزونهما أثناء إطلاق تعاويذهما فبدأ بهما أولاً. كانا يؤمنان ظهريهما بينما يتبعانه بأنفهما قدر الإمكان، لذا غامر. حين أطلقت إحداهما تعويذتها قفز من خلالها فور بدئها بالتلاشي، مانحاً إياها صورة واضحة لموقعه قبل أن تتمكن من إطلاق غيرها ليوجه البقية تركيزهم نحوها، واستغل قوته الجبارة لطخها بالأرض فطرد الهواء من جوفها قبل أن يتفادى الهجمات القادمة، ناظراً إليها وهي تقع ضحية النيران الصديقة.

بدا أن البقية أدركوا احتمال وقوع ذلك فكبحوا أنفسهم، لكنهم قدموا له خدمة جليلة في تلك الأثناء. كانت ضربته ستكتفي بإفقادها الوعي فقط، لكنهم أخرجوهما معاً مؤقتاً على الأقل ريثما تشرع في مداواة جراحها، ولمحات من الأمل لاحت له لثانية واحدة، إلى أن سمع صرخات الأطفال وسط الحشد، فالتفت إليه للمرة الأولى منذ اندلاع معركته ليجتاح الرعب كيانه. كانت هناك عشرة جثث ملقاة بينما كان يحاول إدراك ما يدور.

بدا أن المزيد قد اختاروا وضع حد لحياتهم تنفيذاً لأوامر ملوكهم، ثم كانت هناك فئة أخرى تشارك بنشاط في صفوف المقاومين. كان الناس يقاتلون من أجل البقاء، لكن الأسوأ إطلاقاً تمثل في مجموعة صغيرة من شديدي الإخلاص وهم يضيّقون الخناق على الآباء المحاولين حماية صغارهم. لا! نسي أمر بقية الكهنة وانطلق دافعاً قدميه بالأرض ليرمي بنفسه وسط الحشد، مطيحاً بمن يسعون لقتل الأطفال بلا اكتراث لأي إصابات قد تلحق به، ووقف معترضاً طريقهم بانتظار تحرك أحدهم بينما نهض ساحر ماء غامر المكان بالضباب.

رغم كل النفع الذي قدمه لم يكن إختفاؤه مثالياً، ومع امتلاء الجو بالرطوبة أمكن رصده كفجوة وسطه، ليمسي هدفاً واضحاً لكل من الكهنة وأشد المخلصين بأسًا وهو يقاتل، عازماً على أنه وإن كان مصيره الموت في النهاية، فلربما تجد الملوك مضطرة لتغيير خططها إن أصيب عدد كافٍ من الناس، ولهذا ألغى إختفاءه إذ لم يرهق نفسه بإهدار المانا، وكسى قبضتيه بسحر الموت بدلاً من ذلك، متخذاً وضعية قتال استعداداً لبذل غاية ما يملك.