الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 300 — ملوك وأتباع الجزء الأول

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 300 — ملوك وأتباع الجزء الأول باللغة العربية على مانجا تايم.

كان كوكوكس مسترخياً في عوالمه يراقب العالم من علٍ، غامراً إياه رضا بمدى الإيمان الذي يملكه، وإن لم يبلغ قط مبلغ طمعه. حين هوى عالمه، لم يجد بُداً من الخيار العاقل الوحيد ففرّ، سامعاً برود هذا العالم من سيّد فراغ صادفه فالجأ إليه، راجياً مؤمنين جدداً وبأساً جديداً، لكن الأمور لم تسر بذلك اليسر. وما إن حطّ رحله حتى طُرد شبه فوراً، ومُنع من استجذاب الأتباع ريثما يبرهن عن بأسه في الغزو الذي علم الجميع قدومه لا محالة، بفعلة ما زالت تثير غضبه حتى بعد مرور آلاف السنين.

وكل هذا لأنه نجا بنفسه لا غير! حقاً، أولئك المتعنتون يظنون أنهم أفضل منا شأناً لمجرد أنهم أنقذوا نفراً من أتباعهم. نحن ملوك! مؤمنونا يعيشون لخدمتنا لا العكس. وأنا واثق من أن أتباعي شعروا ببركة حقيقية وهم يبذلون كل ما يملكون لأجلي في لحظاتهم الأخيرة، فلم أُلام وأُعد شريراً على ذلك؟ جهد في طرد الأفكار تماماً كما اعتاد حين يغشاه مثل هذا الشعور. لا يهم. وإن قلّ، وإن توجب عليه تقاسمه مع سواه، فكمية الإيمان لديه كانت تنمو، وقد نجحوا جميعاً في إبقاء الأمر سراً عن أولئك الملوك الحكام.

ستكون الأمور عصيبة، لكنهم قريباً سيتمكنون من وضع خطتهم الأخيرة موضع التنفيذ، وما عليهم سوى الصبر. كان سقوط هذا العالم قادماً، وهي حقيقة أدركوها جميعاً. ومع اقتراب الغزو من أبوابهم، لم يكن بدّ من حشد أكبر قدر ممكن من الإيمان ما دام في الوقت متسع، وإن حالفهم الحظ البالغ، فسيتمكنون من استخدامه للفرار من هذا العالم الهالك حين تشتد الأمور سوءاً. صحيح أن ذلك سيبقيهم في حال مزرية، لكن ثمة سبل ليتأقلموا وليبقوا على قيد الحياة، وكل ما يتطلبه الأمر هو اغتنام كل ما استطاعوا جمعه بحلول الموجة الثانية ريثما يلوذون بالفرار.

ففي النهاية، يصرّ الآخرون على فعل ما يستطيعون ولم يمنحونا قط الاحترام الذي نستحقه، ومن يكترث لكيفية هلاكهم في الختام. سأمضي قدماً، ووحدها الأسرار تخلد مع الناجين. كان مجرد التفكير بمستقبل قادم يُسحق فيه طغاته يملكه نشوة، وهي خيال ألطف بكثير من أي ذكرى لما مضى، ولولا انعدام ما يفعله لاستمتع بساعات منه، إلى أن اقتحم مَلك آخر عوالمه هارباً في ذعر.

صاح المَلِك هارو فور وصوله مما أثار ضيق كوكوكس: "كوكوكس، الأمر سيئ! إنه سيئ للغاية! يا للسماء لقد تورطنا حتى أعناقنا!"

كان المَلِك الشبيه بالذباب فزِعاً على الدوام وعبئاً ثقيلاً في التعامل معه بالجملة، لكنهما كانا متآمرين أيضاً، أشد ارتباطاً مما قد يرضى به طوعاً قط لو خُيّر.

"تباً لك يا هارو، ما الأمر الآن؟ أما تراني أحاول الاسترخاء؟"

"لا وقت للاسترخاء اللعين! علينا فعل شيء ما! ملوك آخرون يشتبهون بأمر ما!"

نجح الأمر في لفت انتباهه فنهض رغماً عنه.

"مستحيل. لم يكتشفوا الأمر حتى بعد حادثة الغازي، ولا يمكنهم معرفته الآن."

"حسناً، ثمة خطب ما يجري! يحاولون التكتم، لكنني أعلم حقاً أن اثنين منهم على الأقل على وشك الهبوط على أرض العالم! وتعرف جيداً أنهم لن يفعلوا ذلك قط قبل الغزو إن لم يكن الأمر جللاً!"

"يا لجحيم السماوات! احضر البقية، علينا تسوية هذا فوراً."

وحتّى إن لم يكن يميل كثيراً لذلك المَلِك، فقد أدرك أنه لن يخطئ في أمر كهذا، حتى لو بعثر ذلك خططهم برمتها، وقبل النهاية بمثل هذا الوقت القصير. الأمر بخير، كل شيء بخير، ما زلنا قادرين على إنجاح هذا. قد ن عجز عن حشد القدر ذاته من الإيمان، لكن طالما قُلّشت الأعداد وتخلصنا من الجثث فسنجتاز هذا، وكل ما نحتاجه هو التحرك.

في قريته، راح طولثو يجوب الأرجاء ملقياً التحية على كل من يصادفه. انتشرت الخيام التي تتخذها قبيلته مساكن بين الأشجار بينما انحنى من خلافتهم الأعمال على ركبهم مقدمين ما استطاعوا من ولاء، ولم يلهُ سوى نفر قليل من الصغار وهم يهرولون نحوه والحماس بائن على وجوههم حتى بادر أحدهم بالحديث.

قال: "طولثو، طولثو! لقد خاطبني الصوت العظيم! لقد ارتفعت مرتبة مهارة التخفي لدي!"

قال بسعادة وهو يضع كفه المغطاة بالحراشف على رأس الصغير ومسح فوق وبره: "حقاً؟ أليس هذا رائعاً؟"

قال: "أجل! سأصبح يوماً عظيماً مثلك تماماً، انظر فقط!"

قال: "هاها، لا أطيق الانتظار لأرى ذلك! تذكّر فقط، لدي ما هو أكثر من مجرد الإختفاء، حاول أن تجد السحر الذي يناسبك أيضاً وانمُ في كل المجالات، وقبل كل شيء قدم شكرك للخمسة."

قال الصغير بتردد وهو يرمي ببصره نحو الكبار حوله ممن لم يشغلهم الصيد أو الجمع أو رعایة الصغار، مما يعني أن لديهم ما هو أهم من الراحة، إذ كان عليهم الصلاة. نفذ بصر طولثو من خلالهم، مدركاً مخاوفهم وهو يقهقه.

"أعلم أن هذا قد لا يبدو عظيماً لصغار مثلكم، أتذكر أنني شعرت بالشيء نفسه، لكن من المهم أن يفعلوا هذا، كما أنه من المهم أن تفعلوا المثل عندما تكبرون قليلاً. إن لم ينل الملوك الولاء فلن يستطيع الصوت منحنا بركته. لن تنمو الأشجار ولن تطلع الشمس. نحن نبذل كل ما في وسعنا كي يتمكنوا من مشاركة هذا الجمال معنا."

أومأ الجميع برؤوسهم موافقين، سعداء بتقبّل ما قيل لهم باستثناء فتاة صغيرة في الخلف.

"كيف نتدبّر الأمر؟"

"مم؟"

"كيف نعرف كل تلك الاشياء؟ الجميع يرددها، لكن الشمس تحيينا كل يوم ونحن نأكل دائماً."

شعر بابتسامته تتلاشى لبرهة وجيزة، لا غضباً، بل من ذلك الجزء الصغير منه الذي كان يشعر بالشيء نفسه. ورغم ذلك، دفع عنه أي قدر من الشك راوده. لن يعود عليه التفكير في الأمر بنفع حين يضطلع بمثل هذا الدور المهم.

"نعم يا صبيتي، الشمس موجودة دائماً، لكن مرت أوقات شحّ فيها الطعام، أليس كذلك؟ يحدث ذلك دائماً حين لا نصلي بالعمق الكافي، وهو فعل يجرّ علينا هلاكنا في النهاية. تعلمين أن الملوك يبكون في كل مرة يتألام فيها واحد منا أو يجوع، ولهذا يجب أن نكدّ لنمنحهم ما يحتاجون إليه للحفاظ على هذا العالم الجميل."

بدت الفتاة راضية إلى حد ما بإجابته ومضى الصغار في سبيلهم، منصرفين للّعب والصلاة قبل أن يستحوذ أحد هذين الفعلين على جزء كبير من حياتهم بينما واصل جولته، مۆمئاً للكهنة الأربعة الآخرين حين مرّ بهم حتى شق طريقه إلى الحصن، الموضع الذي يُحتجز فيه الأدنى. أثناء حدّيقه إليهم لم يسعه إلا ملاحظة أوجه التشابه بينهم وبين بني قومه كعادته دائماً. يتشارك الطرفان العيون الأرجوانية نفسها والحراشف الحمراء، حتى وإن اقتصرت حراشفه هو على ساقيه وذراعيه بينما تغطيهم هم بالكامل، ناهيك عن التفاوت في بنيات أجسامهم.

وبينما اتسم أبناء جنسه جميعاً بالتماثل والانتصاب على قدمين، بدا الأدنى متباينة مع كل ولادة، ناهيك عن التفاوت في ذكائهم. على الأقل طالما لم يتحول أحد إلى حكيم. مجرد ذكرى المرة الأخيرة التي حدث فيها ذلك كادت تجعل أفكاره تتداعى. كانت تلك المرة الوحيدة في حياته التي وقع فيها مثل هذا الخطا، إذ دأب القوم عادةً على التخلص من الأدنى قبل أن يبلغوا تلك المرحلة، لكن حين حدث ذلك كان كابوساً.

فروا هاربين واخذوا معهم أكبر عدد استطاعوه من الأدنى، قاطلين القليل من بني قومه الذين كانوا بالجوار لمحاولة اعتراض طريقهم، ولم يسعه إلا أن يتساءل أحياناً عن سبب احتفاظهم بمثل هذه الأشياء الخطيرة. صحيح أن تدريبهم سهل ويمكنهم المساعدة في صيدهم، كما أنهم طعم جيد يُستخدَم إن اقترب أحدهم بشكل غريب، لكنه لم يسعه إلا التفكير في أن هناك خطباً ما في جوهرهم، بهجة يستمدونها من الصيد والذبح تجعل تصديق أنهم صُنعوا حقاً من قِبل ملوكهم لمساعدتهم أمراً عسيراً، وزاد الأمر سوءاً مما تذكره من عملية الهروب.

طالما قيل له إن الغرباء قد صُنعوا على يد ملوك أشرار في العالم سيعمدون إلى مطاردتهم وفتكهم جميعاً إن لم يحترسوا، وإن الأدنى صُنِعوا لحمايتهم أثناء فرارهم إلى الأمان، لكن ذلك لم يبدُ شبيهاً بما جرى حين وُلِد الحكيم. فقد أحدث فوضى عارمة لدى فراره وبدا متعقباً للغرباء لمهاجمتهم، بينما فعل من رآهم كل ما في وسعهم لإنقاذ بعضهم بعضاً. أكان ذلك حقاً فعل مخلوقات تتبع مَلِكاً شريراً؟

هزّ رأسه محاولاً تصفية أفكاره. ما كان ملوكهم ليخبروهم بذلك لو لم تكن الحقيقة، بل إنه كان أصغر من أن يستوعب أيّاً ما حدث. كان الخمسة أركان حياتهم ومطلقين. بذل قُصارى جهده لتشتيت انتباهه، فمضى في جولته، إلى أن ملأ صوت من يتعبّد له رأسه بقلق في نبرته لم يسمعه قط من قبل. <التقِ بالآخرين، لدينا حالة طوارئ.>