الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 298

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 298 باللغة العربية على مانجا تايم.

كانت مهمته الأخيرة، تلك الخطوة الفاصلة بينه وبين دفء منزله، بسيطةً في الحقيقة، ونوعاً من الأمور التي كان بوسعه تجاوزها وتجاهلها، لكن إن لم ينجزها الآن فلن يدرك أبداً متى يجد الوقت الكافي ليرى النتائج بنفسه. قادا عربتهما عبر البوابة الإلفية، وتوجها نحو المزرعة التي اشتراها بن قُبيْل انطلاق مسابقة الصنعة، ليستعملها سبيلاً لكسب الولاء لسيّده. ورغم أن تلك كانت الغاية الكبرى، فقد اراد حقاً أن يلمس النتائج، وأن يعرف إن كان محاولة منح الكائنات البيضوية ديناً ستفلح فعلاً في رفع جودة الصوف أو البيض الذي تنتجه.

اعترف مع ذلك بأنه لم يكن شديد الأمل في هذه النتيجة، غير أن الاحتمالات لم تكن صفراً، وبالنظر إلى ما يقف العالم على حافة الهاوية دونه، فإن أي سبل لتحسين إنتاج الغذاء قد تبدو قيّمة للأعوام القادمة. لم يستطع إعلان زيارته مسبقاً في ظل الفوضى القائمة، لكنه حين طرق باب المنزل الرئيسي حيث يقيم الإلفي الذي يعمل لديه رسمياً، قوبل بالترحاب والحماس.

— يا للهول أليست هذه مفاجأة يا سيد بن، كنت في الواقع أعمل على التقرير الذي طلبتَه، ولو علمت بقدومك لحضّرت لك شيئاً من الضيافة.

— ها، حسناً أنا أُقدّر لفتتك وأعتذر عن مجيئي بلا سابق إنذار.

لقد كانت الشهور القليلة الماضية مضطربة للغاية فلم أتمكن من إعلامك بقدومي، لكن مع كل ما يحدث في العالم الآن لو لم أحضر اليوم فلا أعرف متى كنت سأحصل على فرصة أخرى في المستقبل.

— لا مشكلة أبداً، لا مشكلة البتة.

تعالَ معي إلى الحقول، سأحدثك بما رأيت منذ ذلك الحين طالما أنك هنا. قاده إلى الخلف حيث كانت تلك الكتَل الصغيرة الوبرية ترعى، وحتى إن لم يكن متأكداً مما يراه، فقد لاحظ فوراً تغيُّراً ما بمجرد أن ركّز بصره عليها.

— ألم تحظَ وبراتها ببريق أسطع؟

سالت تِيرا وهي ترمق أقربها، وتفكر في مدى نعومتها.

— عيناكي ثاقبتان يا سيدتي، الأمر كذلك بالفعل.

تبدو وبراتها أفضل حالاً بشكل عام، كما أنها تنمو بوتيرة أسرع قليلاً. وفوق ذلك، يبدو أن إنتاج البيض قد ارتفع بنسبة خمسة بالمائة تقريباً. أنت لا تجني الأرباح التي تعوض حجم استثمارك في شراء هذا المكان، لكن عموماً يمكن القول إننا نشهد تحسُّناً معقولاً إذا ما تذكرنا أنه لم يمضِ سوى شهرين.

— أمر مثق للاهتمام، تمتم بن وهو يحدق فيها.

الوقت مبكر بما يكفي بحيث لن أفاجأ إن رأينا مزيداً من التحسُّن لفترة، رغم أن الأمر سيتوقف بعد حين. مع ذلك، فإن خمسة بالمائة تعد نسبة ضخمة بكل المقاييس، لا سيما مع وجود قطيع ضخم. لنتخيل نظرياً أن النسبة بلغت سبعة بالمائة قبل أن تستقر، فإذا كنا نحصل على ألف بيضة أسبوعياً من قبل، فسننتهي بخمسين بيضة إضافية، بل سبعين، وتستمر الأمور في التحسن مع المجموعات الأكبر. بالطبع، ستختلف نسبة التحسن باختلاف الحيوانات، لكن هذا قد يصير هائلاً حقاً.

لو استطعت بيع قلائد السيطرة على العقول المستخدمة لتحقيق هذا لربما جنيت ثروة طائلة، لكن هناك مشاكل أكثر من أن تُحصى مع هذا الخيار. كل ما يتطلبه الأمر أحمق يضع واحدة دون تفكير لتقع جريمة كبرى، ولكن في الوقت ذاته تبدو هذه الأداة أنفع من أن تُترك دون استغلال. ناهيك عن حقيقة تمكني من جلب طوفان من الولاء لمِرياد. حتى لو كانت الجودة منخفضة، حين نقارنها بعدد حيوانات المزرعة الهائل في العالم فقد تكون النتائج جنونية بالنسبة إليه.

حسنًا، أظن أن عليّ قصر الأمر على الحيوانات التي لا تُذبح للطعام، فقتل وأكل كائن يمنح سيّدي الولاء سيبدو غريباً. <من المريح نوعاً ما أن ترى أن لديك حساً بالصواب والخطأ بعد الطريقة التي تصرفت بها طوال الأيام الأخيرة>، تدخّل مِرياد في ذهنه ردّاً على أفكاره. <لقد بالغتَ كثيراً>. اسمع، لن أنكر ذلك، لكني أشعر بأنني مبرر في كل ما فعلتُه. على أي حال، ما رأيك؟ أترون سبيلاً لجعل هذا ينجح؟

<هذا أمر يحتاج حقاً إلى نقاش مع الملوك الأخرى. إنه مشكوك فيه أخلاقياً على أقل تقدير، لكن لا يمكن إنكار أنه يبدو مساعداً للحيوان ورافعاً لإنتاجيته. لن تواجهنا أي مشاكل حتى الموجة الأولى، لكن بناءً على مجريات الأمور قد تظهر أزمات في الغذاء. أعتقد أننا جميعا نفضل رؤية زيادة في ما يمكن فلاحتُه الآن، لذا سأناقش الأمر معهم لاحقاً. بصراحة، قد تسير الأمور في أي اتجاه، ولكن حتى إن عارضوا الآن، فقد يغيرون آراءهم إن بدأ شعوبهم يتضورون جوعاً>.

حسناً، إذن سأبدأ في إعداد المزيد من القلائد فور عودتي إلى المتجر. الآن وقد امتلكت السحر السماوي فسأستطيع بالتأكيد جعل الحُلي الحاملة للسحر أصغر حجماً بكثير، وبما أن الأمر لا يعدو صنع مكعبات فسأستخدم سحري عليها للتدرب. في أسوأ الأحوال لن يُستخدم أي منها وسأعيد تدويرها جميعاً يوماً ما. تجول في الحقول، متفحصاً إياها دون أن يلمح شيئاً بارزاً. بل وراوده انطباع بأنها تقع في منزلة ما بين السعادة والرضا، مما يعني أن القلائد كانت تؤدي مهامها، بيد أن بساطة نمط حياة تلك المخلوقات ربما أسهمت في ذلك أيضاً.

بينما أنهى جولة تفحصه الصغيرة، وجد تِيرا متكئة على أحدهما، بينما تحيط عنق المخلوقات بتميمة لمقاومة الظلام كان يحتفظ بها في حقيبته وهي تداعبه.

— يبدو أنك تستمتعين بوقتك.

— شيء ما في هذه الكائنات ساحر حقاً، اعترفت بذلك.

أترانا نستطيع اصطحاب أحدها معنا؟

— ها، لا أظن أن بمقدورنا رعايتَها في منزل صونيا.

لم أكن أعرف أنك شغوفة بالحيوانات إلى هذا الحد.

— أعني، أنا عادةً شبه حيادية، لكن انظر إليه يا بن، إنه رائع.

إلى جانب ذلك، تساءلت دوماً عما تعنيه امتلاكي لحيوان أليف. ومع طبيعة جاذبيتي، كانت أخلاقيات ذلك ملتبسة بعض الشيء.

— حسنًا، حيوان مزرعة ليس بالأمر الممكن تماماً، ولكن إن وافقت صونيا فيمكنك دائماً اقتناء شيء ما وسأصنع أنا تميمة لقلادته.

— ممم، ربما ذات يوم، أخبرته وهي تُمعن التفكير.

أظن أن هذا ليس التوقيت الأنسب لامتلاك واحد، أليس كذلك؟

— حسنًا، إن لم ينتهِ العالم فيمكننا القلق بشأن ذلك لاحقاً، قال وهو يجلس بجانبها ويبدأ في مداعبة المخلوق بدوره.

اضطر للاعتراف بأنه كان ناعماً للغاية بشكل استثنائي، واستطاع إدراك سر جاذبيته حين قرر القيام بخطوة أخير للاطمئنان على حالة المخلوقات، فتواصل معه. كان من المضحك التفكير في قلة المرات التي تواصل فيها فعلياً مع حيوان. فحين يسترجع الذكريات يجد أن الأمر اقتصر على استخدامه مبيداً للحشرات، وتلك المرة الوحيدة التي اضطر فيها لطرد ألْسير ليضمن وبقاءه وتِيرا على قيد الحياة.

وما عدا ذلك، انحصرت خبرته في التواصل مع البشر، والنباتات، والتعاويذ. لقد ترك الحيوانات وشأنها في البداية خشية تعرضها للأذى أو الفزع من ذلك الفعل، لكنه أتقن المهارة الآن، واكتفى بإخفاء عقوله الإضافية بينما وجّه عواطفه الإيجابية والودية نحوه، ليشعر باستجابته بالمثل. بينما كان يسبر الأغوار برفق ويرقب أفكاره، غمره شعور بالرضا التام إزاء أداء القلنة لمهامها. وحين وجّه فكرة نحوه تخص مِرياد أحس بعقل الكلوق ينفجر دفئاً وبهجة، ولم يلحظ أي توتر صادر عنه، حتى حين خدش شيء ما ذهنه، وهو غياب بدا صارخاً حين يُقارن بأي شخص تواصل معه.

أيها المِرياد، أما زلت هنا؟ لماذا لا أستطيع استشعار أي مهارات منبعثة من هذا الكائن؟ تمثل إحدى أعظم الفوائد التي نالها بن عند بلوغه المستوى التاسع من فن السحر في قدرته على رؤية مهارات ومستويات البشر الذين يتواصل معهم الآن، مما يمنحه سهولة فائقة حين ينتقيهم ليضعهم على الخواتم. حقيقة ألا يظهر أي شيء بدت محيرة، وحتى حين حاول استشعارهم بالطريقة المعتادة بدا الأمر مبهماً وغير محدد بطريقة لم يعهدها من قبل؛

شيء ما كان موجوداً، ولكن ليس بالشكل الذي اعتاده. ولحسن حظ فضوله مع ذلك، كان لدى مِرياد إجابة. <المسألة وما فيها أنهم غير مندمجين في النظام بالطريقة التي تندمج بها الأجناس العاقلة يا بن>، هكذا شرح سيّده له. <غاية النظام هي مساعدة الشعوب داخله على النمو، لكن لو طُبِّق باستهتار على جميع الكائنات الحية لصار عالَم خطير بالفعل أشدَّ سوءاً. صُمِّم النظام بحيث يحصد البشر وحدهم ثماره، لذا فإن الإبهام الذي تستشعره ليس سوى قدرات تلك الكائنات مبهمة تفتقر إلى البنية التي تتمتع بها الأجناس الذكية والتي تتيح لها تجاوز حدودها بما لا تستطيعه دونه>.

حسناً، جميل، شكراً. فكر في ذلك، رغم أن شيئاً ما في الأمر ظل يبدو خاطئاً، لكنه عجز عن الإمساك به. ومع ذلك، ترك عقله الاحتياطي ينقب في الفكرة في مؤخرة رأسه بينما أنهى هو وتِيرا جولتهما، مودعين المكان وصاعدين على العربة في طريقهما أخيرًا نحو ستونوول. تحدثا لقطع الوقت، عما سيلزمهما فعله عند العودة، وعما يعنيه شعور العودة إلى المنزل بعد ط طول غياب، ومدى روعة رؤية فالك وصونيا، وكيف سينقلان نبأ ارتباطهما العاطفي بطريقة حقيقية بعيداً عن تلك الخطبة المفروضة عليهما، لكن ما إن بلغا البوابة الإلفية، حتى شعر بن بأفكاره تتصلب في مكانها مع طفو ما أزعجه في تفسير مِرياد إلى واجهة عقله.

أيها المِرياد، إن كان النظام بُني لمساعدة أجناس هذا العالم ولا يُطبَّق آلياً على كل كائن حي، فلم لم يُصمم بطريقة تمنع الشياطين من الوصول إليه؟