تحرّك بن بسرعة فخلع درعه وهو يتدبّر أمره. وضع غريد بحذر وعجالة على الأرض قبل أن يرتدي القفاز الذي صنعه ليكون عصاً سحريّة. مرّر طاقته فيه ليغيّر شكل الخوذة التي كان يرتديها وعدّلها بحرص شديد لتصير وعاء محكماً يضع فيه رفيقه. ألقى عليها أقوى تعويذة زمنية استطاعها ومزجها بخواتم السحر الأخرى لتعزيز الأثر وتقريب الحالة من التجمّد التامّ مانحاً نفسه متّسعاً للتفكير.
قال: "حسناً، هذا يفي بالغرض مؤقتاً. الآن عليّ فقط أن..."
كان أمامه ما يكفي ويزيد ممّا يجب فعله. لم يستطع علاج غريد ولم يستطع غريد علاج نفسه وهو في تلك الحالة ناهيك عن أنه بلا تعزيزات السلطعون لن يستطيع استخدام الدرع في المقطع الأخير، الجزء الذي أراده فيه أشدّ ما يكون. هذا فضلاً عن أن حياة غريد كانت على المحكّ. ربما حظي بيومين على أفضل تقدير، وهو أمر لم يرغب بن في المراهنة عليه. لم تكن الطريقة الوحيدة لضمان نجاة من خاض معه كل ذلك سوى أن يخرجا معاً وفي أقرب وقت.
تنفّس بعمق محاولاً تهدئة نفسه ومدركاً ما ينبغي له فعله. آلمه جسده بأسره فغسله سريعاً متيقّناً أن غريد إن امتلأ بالبكتيريا فكل ما على لحمه من آثار باقٍ أيضاً. تناول إثر ذلك بعض الخبز الذي وفّره الاختبار وأضاف تعويذات إلى سترته فمنحها تعزيزات الضوء والحياة إلى جانب تعويذة لتسريع وقته وإن علم أنها لن تفيد نفعاً يقارب ما كان غريد يمنحه إياه. أخذ كخطوة أخيرة الصندوق الذي حُفظ فيه غريد فوضعه في حقيبة الأبعاد التي تركها الاختبار وقفا عند مدخل ما أمِل أن يكون المقطع الأخير.
أبى جزء منه العبور. اراد قضاء أيام قليلة للمزيد من الاستعداد ومحاولة فعل أي شيء للحصول على فرصة أفضل، لكن احتمالات موت غريد كانت لتتضخم متجاوزة ما بلغته سلفاً. لم يستطع إقناع עצـه بأن الأمور ستكون على ما يرام ولم يستطع التخلي عن من جرّ إلى هناك معه، فدون مزيد من التردّد تجاهل الألم الذي يعتصره ليعبر المدخل إلى ما وشك الاختبار أن يلقيه في وجوههما.
وكحال سائر الأقسام عدا أولها، وجد بن نفسه في فضاء آخر خاوٍ، والمخرج يبدو بعيداً في الأفق. لكن بخلاف الأقسام اللاحقة، شعر بتأثير فوريّ يطاله. تأثير لم يدركه. وتأثير بدا مفيداً بكل المعايير. أأنا... أُجبر على الاستبصار؟ ما إن اجتاز المدخل حتى وجد أنه لم يعد يرى بعينيه وحدهما. امتلىء عقله بالمحيط بلا ترتيب محدّد، وشرع يحاول إدراك ما يراه بالضبط، محاولاً في الوقت ذاته فهم سبب حدوث ذلك.
إلى جانب ما تستطيع عيناه رؤيته، صار يرى نفسه من منظور علويّ، بمنظور الشخص الثالث، ومن عدة نقاط في البعيد، إلى جانب عدد من الزوايا الفارغة، وبعضها يضعه على مسافات متفاوتة من المخارج، وواحد منها يضعُه بجانبه مباشرة. مع غياب أي معالم سوى نفسه والباب المتوهّج الذي يمثّل غايته، لم يدرك المغزى فوراً، على الأقل حتى الآن. لم يكن هذا سوى ميزة صِرفة. بالطبع، لو بدأ عدد المناظير التي يراها يتزايد لربما جلب له ذلك بعض المتاعب، لكن— انتظر، هذا تحدٍّ حقاً.
فكّر بفرحة، وهو يدرك ما يدور. بالنسبة لأي شخص آخر على الأقل. كيف سيُعالِج بشريّ عاديّ يمتلك عقلاً واحداً كل هذا؟ أما أنا، ومع اثني عشر عقلاً رائداً وبعض المهارات المتكاملة تماماً لتعمل معها، فيبدو إذن أن عزيزنا وجهَ المؤخرة قد ارتكب حماقة عند خط النهاية تماماً. كان مجرد توفّر أخبار سيرة يمكنه الاستفادة منها أمراً عظيماً سلفاً، وازداد عظمةً مع استمراره في طريقه. أتاحت له وجهات النظر المتعددة رؤية أي شيء قادم نحوه، أو هكذا ظن.
كان وميضاً خاطفاً فحسب، لكن اللحظة التي رصده فيها أُلقي به في الهواء، ولم يملك سوى ثوانٍ معدودة لمحاولة الهبوط من دون إصابات بالغة، حيث امتص معطفه الجزء الأكبر من الضرر لكنه انتهى بكسر في إِصبع خلال العملية.
"تبّاً، حسناً، هذا جزاء شعوري بالثقة للحظة. هذا ذنبي"، تمم لنفسه وهو ينهض ويركض، باذلاً قصارى جهده لإيلاء المزيد من الانتباه لحسه السحري أثناء تقدمه.
بما أن كل سحر يمتلكه كان من نوع اللاانتماء، فقد كان موَجهاً بقوة نحو ذلك، مما يعني أنه ينبغي له القدرة على رؤية أي شيء يُمطَر به، لكن الأمر برمّته كان يتوقف على سرعة ردّ فعله. هجوم كالأخير لا يمكن التعامل معه إلا بالاستجابة الفورية، وكان لا يزال في نقطة البداية. من دون التعزيزات التي اعتمد عليها طوال الوقت، وُجد احتمال حقيقيّ تماماً بأن يستغرقه الأمر يوماً للوصول إلى المخرج.
ربما أكثر حتى. على الرغم من خفة قدميه المتوسطة تماماً، فقد دفع بكل نقطة احتمال لديه رغم الألم الذي يجتاح جسده ليواصل المضي، وكل عقوله منشغلة بتتبع التجربة المحيطة بحثاً عن أي تغييرات، بينما يرمي نفسه في الوقت ذاته بعيداً عن طريق أي هجوم يراه. وما إن استقر على الأرض متفادياً إحداها، يصارع النهوض، حتى أراه الاستبصار المفروض على عقله شيئاً لم يدرِ كيف يتعامل معه.
هجوم قادم من كل الجهات. بدا الأمر وكأن التجربة قد قررت قتله هناك وفيه، أو هكذا كانت الطريقة الوحيدة لتفسير الأمر. في كل مكان وحسب كل مسافة استطاع رؤيتها، بدت بلورات مصنوعة من المانا الخالصة وكأنها تنبثق في الهواء، وما هي إلا ثانية بعد ظهورها حتى بدت وكأنها تثبت على اتجاهه، منطلقة عبر الفضاء نحوه. حتى وإن كان الأمر عديم الجدوى، نظراً لأن السرعة التي كانت تتحرك بها كانت فائقة للغاية، فقد ركض بكل ما أوتي من قوة، مراقباً عقلياً كل ما حوله حين وصل الهجوم الأول، مستهدفاً قدميه.
في تلك اللحظة الخاطفة، قفز وتفاداه، ليصيبه التالي في ظهره وهو يفعل، دافعاً به في الهواء بينما امتصت التعاويذ السحرية على سترته معظم الضرر لكنها تركته بضلع مكسور حين هبط على قدميه وتابع الركض. تجاهلهتجاهلهتجاهله! بغض النظر عن مدى سوء الأمر، سيكون الموت أسوأ! شعر بصداع نصفي يتشكل فوق كل الآلام والأوجاع الأخرى التي كان جسده يمر بها وهو يدفع عقوله لرؤية كل تفصيل صغير، قافزاً ومتفادياً للابتعاد عن الطريق، متحملاً الضربات التي لم يستطع تجنبها لكنه بذل قصارى جهده لضمان اصطدامها بالستر ودفعِه إلى الأمام في كل مرة، مقربه أكثر قليلاً نحو غايته البعيدة في الأفق.
في النهاية، صار التفادي أقل جهداً واعياً. تحرك جسده قبل أن يدرك حاجته لذلك، وكانت الأولوية لحماية ساقيه دائماً. إن لم يستطع الركض فلن يستطع التفادي، ولن يبلغ المخرج. حكماً بالإعدام إن سُمح به. رى وميضاً عارضاً في الهواء وبقى على حذر. متجنباً إياه إن اقترب كثيراً وبقيواعياً بأي شيء في الأفق إن بدا كمشكلة بينما أصبحت الهجمات عليه أكثر تكراراً وسوءاً فحسب. تغيرت هياكل المانا المُطلقة نحوه من شكل كليل إلى أشواك عنيفة، ولحسن الحظ لم يكن شيئاً قادراً على اختراق التعاويذ على سترته لشقّه لكنه مثل خطراً أعظم على لحمه المكشوف أكثر من أي شيء آخر، وكان أثناء تفاديه لأحد تلك الأشواك حيث وجد نفسه في فخ.
لم يستطع حتى تسميتها خطوة خاطئة. كانت مقايضة لمنع قطع ساق حيث أخطأ تقدير ما سيتعين عليه التعامل معه. كان ذلك حين تفادى أحد الهجمات القادمة ليجد نفسه أمام خيارين وليس لديه الكثير من الوقت ليقرر. إما تجنبها عبر التحرك إلى مسار شفرات مانا متعددة أو القفز نحو توهج خافت للمانا على الأرض، ظاناً أنه سيُقذف بقوة إلى الأمام مرة أخرى كما فعل. وما إن اصطدم بذلك التوهج وجدران المانا تنغلق حوله حتى أدرك خطأه.
لقد حُبس تماماً في أماكن ضيقة، بمساحة تكفي للحركة بصعوبة بالغة، وبدت كل شفرة مانا في المنطقة وكأنها التقطت تلك الحقيقة، متغيرة في اتجاهاتها بالهواء لتطير نحوه مباشرة. بدا الزمن كأنه يتباطأ بينما تفاعل بن. لم يتحرك بأي قدر من التفكير الواعي، بل أدى جسده بغريزة ما يستطيع فعله لمحاولة النجاة منكمشاً على شكل كرة، باذلاً قصارى جهده لتغطية رأسه وساقيه بسترته بينما قام بثلاثة أمور مختلفة بمأنته.
مستخدماً تأثيرات كل من صانعه ومستخدم مواده معززاً الستر ذاته قدر استطاعته لتلقي الصدمة، بينما كان الثالث تصرفه عند كل موقع اصطدام. لحظة انهيار الجدران التي أسرته ضرب الهجوم الأول، موجهاً بن قوة مهارة التدمير لديه نحوه في اللحظة التي لامس فيها. لم يكن يملك أدنى فكرة إن كان سيجدي نفعاً، ولا أدنى فكرة إن كان سيفعل شيئاً على الإطلاق نظراً لأنه كان يقنن مقدار المانا التي يضعها في ذلك الجزء من الدفاع تحضراً للضربات القادمة الأخرى، لكن نظراً لأن المهارة تستطيع كسر التعاويذ أيضاً، فقد كان أكثر من راغب في المراهنة على قدرتها على التأثير على المانا عامة، لتلك القمارة أن تكون كافية لإنقاذ حياته.
لم تكسر شفرة المانا فوراً، لكنها أضعفتها بما يكفي لتتحطم حين اصطدمت بمعطفه المعزز، لتفعل كل ضربة تلتها المثل. شعر دفاعه وكأنها مشية على حدّ سكين. لم يستطع رؤية ما يحدث بعينيه بينما كان يحمي رأسه، محتاجاً عوضاً عن ذلك للاعتماد على استبصار التجربة ليصمد بدله، وكان عليه التعامل مع كل ضربة بدقة. لم يمتلك مانا تفيض ليكون مسرفاً فيها، مما يعني أنه في اللحظة التي تتلامس فيها أي ضربة كان عليه ضربها بأكبر قدر من الدمار الذي يستطيع تحمله، شاهداً جسده يزداد تحطماً وهو يفعل، والعظام المكسورة القليلة لديه تصرخ به بينما تأكد من اكتشافه لبعض الالتواءات الإضافية كذلك.
مجرد تلميح للنظام، أود حقاً مهارة مقاومة الألم الآن! ستكون مفيدة حقاً! لسوء حظه، بدا أنه أقل كرمًا مقارنة حين اكتسب تعزيزات المقاومة والشفاء حيث لم تظهر أي إشعارات في عقله. بدا جسده بأسره ككدمة، لكن القصف تباطأ في النهاية لدرجة تمكنه من التحرك، مخرجاً نفسه وعائداً إلى هروبه اليائس. استطاع تمييز تباطئه، لا بسبب أي تأثير تجريبي بل حصيلة لتأثير كل الضرر المتراكم على جسده.
لم يكن قادراً حتى على السماح لنفسه بالتعافي من القسم السابق وها هو ذا، يتعرض للضرب المبرح أكثر بالفعل. رغم الألم، ورغم الضرر إلا أنه كان حراً تقريباً. اقترب المخرج أكثر فأكثر أمام عينيه وهو يمضي حتى صار على بعد دقائق. لم تكن لديه فكرة عن عدد الساعات التي تحملها، دافعاً نفسه إلى ما وراء حدوده، لكنه شعّر بلمسة أمل طفيفة حين ألقى عليه شيئاً أخيرًا. لحظة اقترابه بما يكفي، تغير شيء ما.
صرخ حسه السحري بوجهه وكأن المنطقة بأسرها أضاءت، كأن مفتاحاً قد قُلب، وأُجبر على الهبوط أرضاً. لا بأي حاجز أو دفعة من المانا، بل من جراء زيادة في جاذبية التجربة العامة. ها هو ذا، جانب مرعب من السحر لم أتمكن من تخمينه قط. التحكم بالجاذبية. لم يكن يعلم أن أمراً كهذا ممكن، ولم يسمع قط عن أي سحر لاانتمائي يتحكم بها، لكنه لم يكن سوى دليل إضافي على إيمانه المتنامي بقدرة السحر اللاانتمائي على فعل أي شيء إن امتلك المرء الفهم الصحيح له.
دليل كان بصدد سحقه، طارقاً الهواء من رئتيه ومثبتاً إياه ضد الأرض بينما قدمت موجة أخرى من الهجمات نحوه. حاول التحرك، لكن مجرد اتخاذ وضعية الجلوس كان صراعاً بينما شعر بعظامه تتأوه تحت ثقل جسده. لم يستطع جلب سوى شهقات هواء صغيرة وحتى الزفير أثبت تحدياً، فالهواء الذي استنشقه استقر ثقيلاً في رئتيه ولم يرد مغادرتها. كانت حريته قريبة جداً ومع ذلك بعيدة جداً، وما كان سيستغرقه ثوانٍ لبلوغه بدا الآن هاوية لا يمكن اجتيازها، مع خيار واحد متاح أمامه حين رأى القذيفة الأقرب تقترب نحوه.
بكل القوة التي استطاع حشدها، رفع ساقاً واحدة وضغطها بقوة في الأرض، منتظراً الضربة التي علم بوقوعها حين كبرت شفرة المانا أكثر فأكثر. دفع قدر ما استطاع من المانا في سترته، معززاً إياها تحضراً للضربة ولحظة تلامسها معه لم يحاول إضعافها بتدميره كما فعل في المرة السابقة، راكلاً الأرض بدلاً من ذلك حين قذفته، محاولاً توجيه وجهته وشارعاً بمشكلة أخيرة واحدة حين قُذف نحو المخرج.
كانت تلك الضربة الأخيرة هي الأقوى على الإطلاق، متغلبة على التعاويذ القوية التي صنعها حين اخترقت الحاجز المعزز الذي تفاعل معها، منزلقة عبر الجلد وبطانة الميثريل وغاصة في أحشائه. من دون معالج للمساعدة كان الألم مقرفاً، لكن حين تفاعل مع الضربة، مستخدماً تدميره لتحطيم شفرة المانا قبل أن تتعمق أكثر فيه، أدى ذلك الفعل اليأس الأخير وظيفته. أُلقي بجسده في الهواء وانزلق على الأرض حتى صار على حافة المخرج، ومع شعور بمزيد من الأصابع تنكسر تحت ضغط الجاذبية المرتفعة سحب نفسه عبره، ليتحرر أخيراً من التجربة.
<ارتفع مستوى التوسع العقلي>