استغرق تعافي جسده أسبوعين مؤلمين، لكن بن قضى طوال تلك المدة يفكر فيما ينتظره. كان يعلم أن قسم الحياة قادم لا محالة، وإن حالفه الحظ فسيكون ذلك نهاية المطاف، غير أنه شعر وكأنه استهلك حصة عمره بأكمله لمجرد اجتياز قسم الموت. ما يهم حقاً هو ما سيأتي بعد. إن فكر فيما يمكن أن يتوقعه من سحر الحياة وتجاهل أي شيء قد يعود عليه بالنفع، فلن تبقى سوى خيارات معدودة. قد يضعف جسده، أو يجبر على الإفراط في إنتاج مواد بداخله تلحق به الضرر، أو قد تظهر كائنات حية في ذلك القسم تكتسب قوة إضافية، سواء أكانت وحوشاً اعتاد مقاتلتها برفقة ثيرا أم كائنات أصغر حجماً، مما يدفعه للمرض وربما التهامه حياً من الداخل.
ما أثار قلقه بشكل أكبر هو احتمال مواجهة اختبار بلا سمة محددة. وكلما طال تفكيره فيما قد يجلبه اختبار كهذا، وجد نفسه مجبراً على الاستنتاج الواحد. كل شيء. مهارة مستخدم المواد لديه تشبه جوانب من سحر الأرض والماء والموت، وللدمار خصائص مشابهة. والتحريك الذهني كذلك. وأظهرت ترنيمة الجثة دلائل على تشابهها مع سحر الموت والزمن، بينما تقارب التعاطف سحر الظلام. هذا كله دون اعتبار لما اكتشف إمكانية تحقيقه عبر التجسيد.
وكلما أمعن في التفكير استمر في عقد هذه الروابط، لينهي الأمر إلى استنتاج واحد. السحر بلا سمة يستطيع فعل أي شيء يقدر عليه السحر ذو السمة وأكثر. صحيح أن تكلفة الطاقة ستكون أعلى ليتعامل معها أي فاني، لكن ذلك لا يهم في الاختبار، وسيصاحبه عيب أسوأ بكثير يتمثل في انعدام أي مقومات للمقاومة لديه. ومهما بدا الأمر قاسياً، لم يستطيع تخيل خوض كل ذلك مجدداً بلا تلك المقاومات.
كم أود التحلي بالإيجابية، لكننا قد نكون في ورطة حقيقية. فكر وهو يطلق زفرة. لم يكن ليستسلم، لكن حقيقة عجزه التام عن التخطيط لكيفية التعامل مع ما ينتظره كانت مرعبة. مع ذلك، لا داعي لإزعاج جريد بالأمر. هل تشعر بالاستعداد أيها الصاحب؟ سأل السلطعون وهو ينتهي من نقش التعاويذ الجديدة على درعه استعداداً لققسم الحياة. لا، لكن لننتهِ من هذا على أي حال. هذه هي الروح، هيا بنا.
وبهذه النسخة المصطنعة من التفاؤل عبر الباب، عابراً إلى قسم الحياة من الاختبار.
إن كان هناك ما يعجبه في المراحل اللاحقة مقارنة بالأولى، فهو أن النهاية كانت أسهل في العثور عليها وسط الفراغ الممتد الذي كوّنها. كان الضوء في الأفق دليلاً واضحاً على اتجاه السير، وسرّته مرافقة هذا الضوء بينما أعرب طمع عن شكواه.
قال: "تبّاً، أشعر بضعفي يسري بالفعل. ماذا عنك يا أرجل؟"
قال: "أنا بخير، لكنّه لمن دواعي السرور أن نتأكد من صحة ذلك التخمפל على الأقل."
قال: "هاه، لنرَ إن كنت ستشعر بالمثل حين تبدأ النوازل في النيل منك. أقول لك، إنك تجعلني أغار بحقّ من تلك المقاومات التي تمتلكها."
قال: "أجل، تذكّر فقط أنه على الرغم منها، فما زلت أتقبّل من الضرر في هذا كله أكثر ممّا تتقبّل."
قال السرطان بتهكم: "يا لي من مسكين. ها هنا، استلقِ أنت. سأحملك على ظهري لنخرج من هنا."
قال: "هاه، احذر، قد أخذ بكلامك حقّاً. ولن أمانع أن أرى كمّ الطاقة التي يمكنك إخراجها بتلك التعويذة الصغيرة المهلكة للجسد التي تمتلكها."
قال: "أتراجع عن كلامي كله. لقد رأيت ما يكفي من تحملك للعواقب بحيث لا أريد البتّة مواجهة ذلك بنفسه."
واصلا المسير، وظلا في حالة يقظة طوال الطريق دون أن يريا شيئاً بينما ركض بن، مما قضى تماماً على أي احتمال بوجود وحوش تنتظرهما في الأرجاء البعيدة، لكنه ترك في نفسيهما قلقاً أكبر بشأن ما قد يأتي. وكل ذلك بينما بذل بن قصارى جهده لتجاهل إزعاج متنامٍ. حكّة لا تفارق الجلد. لم يكن الأمر غير معتاد، فقد وجد نفسه مضطراً لحكّ جسده مراراً طوال التجربة، ومع ارتدائه للدرع استحيل فعل ذلك إلا في موضع يمكنه أن يطلب من طمع الوصول إليه.
وما إن بدأ الشعور بالتفاقم، مغطياً إياه تماماً أثناء سيرهما، حتى كأنّه على وشك التكلم والقول بأن شيئاً ما ليس على ما يرام، لولا أن طمع سبقه بالقول.
قال السرطان بصوت خافت: "آه، يا سيّدي الأرجل، لا أجدني بحال جيدة"، وسرعان ما اتّصل به بن محاولاً فهم ما يدور خلف الكواليس بدقة، فلم يجد سوى المرض والألم ينبعثان من جسد رفيقه.
قال: "تبّاً، تبدو مريضاً. أعتقد أننا أصبنا كبد الحقيقة في جانب الميكروبات إذن. أو أن التجربة تعبث بكيمياء جسدك الحيوية، أظن أنه قد يكون هذا أو ذاك."
قال: "لا بد أنه الاحتمال الثاني إن كنت أنت في أتمّ صحة."
قال: "ليس بالضرورة. فمقاوماتي قد تمنع سحر التجربة من الاختراق إلى أيّ بكتيريا معوية أحملها. ولو كان الأمر كذلك لما استطاعوا فعل شيء سوى لـ..."
وانقطع صاتهه إذ أدرك ما كان يسبّب له تلك الحكّة الشديدة. فكل ميكروبات أو أبواغ فطرية على بشرته كانت في خضمّ تفجّر هائل لنموها، تأكله حيّاً وهي تمضي. لقد كانت عملية بطيئة الآن لكنها لن تزداد إلا سوءاً، وكان طمع يصارع وقتاً أضيق بكثير. حسنناً، لكن لا فائدة من مزيد من الفعل. فكل قسم من هذا كان مهلة زمنية ضيقة للغاية!
قال: "يا طمع، أعتقد أنك تعاني حالياً من عدوى بكتيرية وفطرية حادة. ابذل قصارى جهدك لعلاج نفسك وسأحاول أنا إخراجنا من هنا. حافظ على حياتك فقط."
"ممم."
أصدر السرطان همهمة وحسب حين شعر بالألم لكنه فعل ما قطلب بن، باذلاً وسعه لإبقاء نفسه حيّاً بينما كانت الأمور تزداد سوءاً بالنسبة له. لقد كانت معركة بين شفاء جسده وتأثيرات التجربة، وعَلِم اثناهما أنها معركة خاسرة بينما واصل بن الركض بكل ما أوتي من قوة. وفي نهاية المطاف، سكت طمع تماماً، إذ كان التأثير أثقل من أن يتحمّله وأفقده وعيه. وعلم بن أنه ما زال حيّاً من خلال الاتصال به، غير أنه لم يمتلك شيئاً آخر يفعله.
ومما زاد الطين بلة، أن ذلك خلق مهلة زمنية جديدة. فلم تكن تعزيزات طمع لتدوم إلا لفترة محدودة إن لم تُجدَّد باستمرار، مما يعني أنه امتلك ذلك القدر حصراً من الوقت لاجتياز المحنة والتعامل مع الأمر. ربما يعود الفضل إلى مدى اليأس الذي رافق بعض جهودهما للبقاء على قيد الحياة في الأقسام السابقة، مع تعويذات وُضعت عليه لتجاوز ما يسمح به جسده طبيعياً، لكنه وجد نفسه يتحرك بسرعة أكبر بكثير، وإن كان الثمن باهظاً.
كان جسده يستعيد تذكره لكيفية تخطي أي حد طبيعي لكنه شعر بعضلاته تتمزق مع كل خطوة. ليس بالدرجة ذاتها حين ملأه طمع بالمانا، ولكن بالقدر الذي جعله يظن أنه سيصارع المشي لفترة بعد ذلك، وكان الألم تذكيراً مستمراً بأنه يمنح أكثر مما يملك بينما اقترب المخرج أكثر فأكثر. أدرك جزء منه أن ما كان يشعر به لم يكن ناتجاً برمّته عن إجهاده لنفسه، فقد تحولت الحكّة على جلده إلى لسعة حارقة بينما كان لحمه يُستهلك، وبدأ الدرع يزداد ثقلاً شيئاً فشيئاً مع تلاشي تعزيزات طمع ببطء، ورغم الألم، ورغم الصراع الذي خاضه، لم يملك إلا أن يتأمل في أن الأمور لم تبدو سيئة للغاية في هذه المحنة مقارنة بغيرها حين شقّ طريقه أخيراً نحو المخرج ودفع نفسه داخله، ليجد غرفة الانتظار ذاتها مرّة أخرى.
<ارتفع مستوى تعزيز مقاومة الانتماء الشامل> <اكتسبت مهارة كاسر الحدود المستوى 0>
لا أطيق الانتظار حتى أغادر هذا المكان ولا أعود بحاجة قط إلى القلق بشأن ارتقاء مستوى ذلك. هكذا فكر رداً على مهارته الجديدة. على الرغم من أن الاسم بدا مثيراً، لم تكن المهارة مما يثير اهتمامه برفعه نظراً لأنه كان على علم حقيقي بها. مهارة جعلت تجاوز ما يسمح به الجسد أمراً أيسر وساعدت في رفع الحد الأقصى لطاقة الجسد أيضاً، لم تكن شيئاً يراه مطروحاً في حياته اليومية البتة، مع الإيجابية الحقيقية الوحيدة التي ستستمر بعد الاختبار تتمثل في حملها تأثيراً علاجياً طفيفاً أيضاً.
مع ذلك، تنحى الفكرة جانباً حين توجه إلى الطرف الآخر من الغرفة نحو ما عرف أنه باب آخر. حقيقة عدم استقبالهم بمخرج على الفور كانت علامة سيئة لكنه لم يرغب في قول أي شيء حتى يتأكد يقيناً. فقط عندما اقتراب أكثر صار متأكداً من تحقق أسوأ مخاوفه. بقي قسم غير منتمي، ولن يكونوا أحراراً بعد.
قال متنهداً دون أن يلقى أي رد: "أخبار سيئة يا طمع".
"طمع؟ هيا يا رجل، استيقظ".
إذ ظل بلا إجابة، اتصل بن بالسرطان، ليفاجأ بإدراك مرعب. كان جسده لا يزال ممتلئاً بالألم بينما كان يُأكل ويُدمر. حتى لو لم تكن البكتيريا تتلقى مانا الحياة بعد الآن، فإن ما وُجد هناك لم يُدمَر ومع عجز طمع عن الاستيقاظ لم يستطيع معالجة نفسه. إن لم يتغير شيء، سيموت رفيق بن الوحيد خلال الاختبار.