بينما كانا يركضان وسط الغابات بدأت أنواع الأشجار تتغير إلى أخرى تبدو أكثر راحة في التقارب مقارنة بالمنطقة المحيطة، لكنّ بن راوده أمل ضئيل في أن يساعد ذلك. قد تكون مساحة واسعة لكنّ أي شخص يبحث عنهما سيجدها قريباً لا محالة، وكل ما استطاع فعله هو محاولة إيجاد مكان للاختباء، عابراً بضيقة بين الجذوع ومحاولاً تفادي بعض الأغصان المنخفضة. أبطأ هذا تقدمهما بشكل ملحوظ، ولكن إن لم يكونا قادرين على إيجاد أي شخص آخر فما الخيار الذي امتلكاه؟
حين توغلا أكثر وجدا منطقة غطت فيها الشجيرات بطول الخصر الأرض بين الجذوع. استطاعا إما المشي خلالها والمواصلة أو محاولة الاختباء وسطها.
سأل بهدوء: "ما رأيك؟ يمكننا محاولة التخفي هنا أو العبور. ربما نستطيع تسلق شجرة إن وجدنا واحدة متينة بما يكفي، رغم أن أغصان هذه تبدو نحيلة للغاية".
كان يشتم نفسه لعدم تفكيره في الأمر مبكراً لكن الأوان قد فوت. علاوة على ذلك، كان ذلك ليتركهما محبوسين في مكان واحد بالتأكيد. لم يمتلك أملًا كبيراً في إنقاذ سحر ثيرا لهما، فحين يصبح مطاردوهما في المدى المسموح سيكونون قد وصلوا إليهما غالباً قبل أن تتمكن هي من تفعيل تعويذتها.
"لنختبئ الآن. ربما يحالفنا الحظ".
شك حقاً في ذلك ودون خيارات أخرى كثيرة مشيا هابطين نحو الشجيرات وانغمسا جوار بعضهما البعض.
قال ميرياد بصوت ما زال يغمره الرعب: "إنهما على بعد دقائق قليلة، يبدو أنهما غير متأكدين من الاتجاه الذي سلكتماه لذا يجب أن تملكا بعض الوقت على الأقل".
همس بن بأخفت صوت ممكن لجذب انتباهها: "ثيرا، لا أعرف ما لديك ضد التلامس الجسدي لكن رجاءً حاولي تجاهله وأخذ يدي. أمتلك التخفي، ورغم أنه ضعيف فإن طبقته علينا سيساعد على الأقل قليلاً".
للحظة ظن أنها ستفعلها، لكنها هزت رأسها بندم.
وبصوت تفوح منه الألم ردت: "أنا آسفة، أنا... أنا لا أستطيع فحسب".
قال ميرياد: "يا بن من مصلحة إبقاء كلاكما على قاي الحياة اقترح بشدة أن تتجاهل ما تريده وتعتذر لاحقاً. أياً كانت مشكلتها فهي أقل أهمية من الحفاظ على حياتك".
بغض النظر عن مدى خطأ الأمر كان بن متأكداً تماماً بنسبة مئوية مائة أن ميرياد على حق. حتى إن لم يتذكر موته الأول، فقد كان واحد يكفيه. علاوة على ذلك، كل ما سيفعله هو تحطيم أي قدر ضئيل من الثقة نجح في بناءه، ولم يكن لديه أدنى فكرة بصراحة عن حجم ما ناله منها حتى. لكن تلك كانت المشكلة. بغض النظر عن ضآلته، فقد أمضى أكثر من شهر يعمل بجد ليكسب ذلك القدر القليل من الثقة. لمريد تدميره الآن، خاصة حين لا يكون كافياً على الأرجح لإنقاذهما على أي حال، لذا طرح خياراً آخر.
"حسناً، إذن ماذا عن السماح لي بسحر عباءتك؟ سأفعل تخفيي وعندما أفرغ يجب أن تكوني قادرة على تفعيله، أأنت موافقة؟"
أخبرته بصوت يملؤه الأسى: "لن ينجح ذلك. لا أستطيع تنظيم المانا الخاصة بي جيداً لمعظم الأدوات المسحورة، أنا ببساطة أحطم السحر أساساً".
"حسناً إذن سأطبقه وأفعله لأجللك، سيتعين عليّ فقط لمس عباءتك، لن ألمسك، أليس كذلك؟"
"...حسناً افعل".
أمدّت ذراعها على الأرض جواره فأمسك بكمّها الفضفاض، وكان على وشك البدء حين شعرة بشيء. سحر موضوع عليها مسبقاً.
حدث نفسه قائلاً: "لماذا قد يوجد هذا هنا إن كانت لا تستطيع استخدامه حتى؟"
قبل أن يزيحه في النهاية. ممّا استطاع تمييزه كان سحراً ضعيفاً، ولم يستطيع حتى تخمين الغاية منه، لذا قرر تجاهله الآن. بدلاً من ذلك ركّز على المهمة الماثلة وبدأ. فعل تخفيي وشعر بالمانا تسري عبره بينما شرع في محاولة وضعه فوق العباية. حاول أن يكون سريعاً قدر الامكان، فكل ثانية احتسبت هنا، لذا مدّ طاقته لمحاولة وضع السحر بأكمله دفعة واحدة. حينها شعرة بمشكلة. شيء كان مألوفاً له بعمق من كل فترات استخدامه لمهارته في نحت التماثيل.
شعر بالسحر يتحطم، جنباً إلى جنب مع المادة التي كان يُثبت عليها. تمزقت شرائط طويلة داخل العباية وسمع ثيرا تلهث بينما أصيب هو بالذعر. لا! لماذا الآن! لم أحطّم سحراً بالخطأ منذ بدأت استخدام هذه المهارة الغبية! تمزق بين الصراخ والبكاء والحاجة للاعتذار لثيرا عندما اقتحم صوت ميرياد المذعور عقله. <بن، الوحش مجذوب إلى ثيرا، إنه قادم باتجاهها مباشرة. عليك الهرب>. فجأة ملأ صوت وقع الأقدام والأغصان المتكسرة الغابة ولم يمتلك بن الوقت للسؤال كيف جرى جذبه.
نظر إلى ثيرا فرآها مذعورة، وبشرة ذراعيها البيضاء تلوح عبر بعض التمزقات في عباءتها التالفة. أخذ نفساً وأعدّ نفسه.
"ثيرا اركضي. سأحاول فعل شيئ، لذا اجعلي ميرياد يوجهك للمساعدة".
التفتت نحوه، بينما لا يزال وجهها محجوباً رغم الذعر في صوتها.
"ماذا، لا! ستتموت!"
لم يكن هناك وقت للجدل حول الأمر. نهض وواجه ما كان مقبلاً. سيخبر الوقت كيف سينتهي هذا وبدأ يفقد نفسه حقاً في مشاعره. لقد ذعر. لم يرغب في الموت. علم أنه لن تكون هناك فرصة ثالثة للحياة وكان خائفاً. لم يرا قط الأصدقاء القلائل الذين امتلكهم في العالم. لم يرغب في مرود ألم شيء يحاول أكله، كانت المرة الأولى سيئة بما يكفي. لم يرغب في أن تموت ثيرا. لقد وجدها هذا الشيء الغبي فور أن حطم عباءتها، لم تكن هناك طريقة لا يرتبط فيها الحدثان.
لم يرغب في الموت دون ترك أثر. احتاج لإظهار كل الحمقى الذين قرروا أنه لا يمتلك أي قيمة أنهم ارتكبوا خطأ. لاأريدأنأموتلاأريدأنأموتلاأريدأنأموت! اخترق مخلوق الغابة، على عكس أي شيء رآه بعد في العالم. بحجم حصان وذو بشرة رمادية مطاطية بشعة. ركض نحوه على ست قوائم مدببة وحدق إليه بعشرات من العيون المخيفة غير المتطابقة، ولم يبدو أن أياً منها ينتمي إلى المخلوق نفسه، قبل أن يفتح فكاً بعرض رأسه وينقضّ عليه.
كان بن خائفاً حتى الموت، لقد أوصل نفسه إلى حالة ذعر وكان يمدّ ذراعه نحوه كما لو كان ذلك قادراً على إيقافه، لكن الوحش اختار تجاهله تماماً، مغرزاً أسنانه بدلاً من ذلك في جذعه غير المحمي. في خلفية عقله ظن أنه سمع ثيرا تصرخ. لم يهم أي من ذلك لبناً مع ذلك. في اللحظة التي اخترق فيها الوحش لحمه، اتصل به.
<ارتفاع مستوى الاتصال>
كل الذعر. كل الخوف. كل الندم. كل الألم. انتقل كل ذلك إلى السير، ولم يكن الوحش مستعداً لذلك البتّة. أفلتّه على الفور تقريباً وطفق يجري في الاتجاه المعاكس كأن حياته موقوفة على ذلك، أو هكذا ظنّ يقيناً. بدا له لفترة قصيرة أنه سمع صوتاً آخر في البعيد يصيح فيه، لكن مايرياد كان يصرخ في رأسه أيضاً وكانت ثيرا فوقه. بدا أنه كان على الأرض. أراسب عندما هجم عليه المخلوق أم بعد ذلك؟
بات الإمساك بأفكاره عسيراً. كان واثقاً تماماً أن ثيرا كانت تقول شيئاً، تصرخه صراخاً في الحقيقة، لكنه عجز عن تبين الكلمات. حين رنا إليها من فوقه وظنّ أنه يكاد يبين بعض ملامحها قبل أن يتلاشى كل شيء ببطء نحو السواد.