قال بن لمرافقه، وهو صندوق معدنيّ ثبّته على رأسه استعداداً لتجربة صغيرة اخترعها ليحافظ على عقله: "حسناً يا جريد، كلّ ما عليك فعله هو التفكير في شيء لنرى إن كان هذا يعمل".
وسأل بصوت آليّ، ليغيّر نبرته فوراً: "هكذا؟ يا للهول، هذا الشيء يعمل حقاً؟ أنت مجنون يا ساقين، كيف توصلت إلى هذا؟".
فقال: "رأيت حاجة فقررت تلبيتها، مع أنه لا فائدة تُرجى منها هنا".
كان ما صنعه بن يشارك خصائص بعض أجهزة التحكم في العقل، إضافة إلى مشغّلات الموسيقى التي صنعها في الماضي. أداة صغيرة تقرأ عقل المستخدم، وتنطق الأفكار التي يحتوي عليها بصوت عالٍ، حتى وإن بدا صوتها معدنيّاً نتيجة لذلك. لم يكن صنعها أمراً سهلاً بأيّ حال، لكن بعد كلّ ما كان يفعله، احتج إلى مدّ إبداعه، ولو قليلاً. ومع إتمام تلك التجربة، عادا إلى ما كانا يفعلمانها عادةً خلال أسرهما.
بن يتدرب على مهاراته ويحاول تعلّم كلّ ما يُبقيهما على قيد الحياة، وجريد إما نائم طوال ما يستطيع، أو يدعم بن، أو يتمرّن على موسيقاه، على الأقل إلى أن يحتاج إلى وجبة خفيفة. توقف بن عما كان يفعله ليأكل ما يوفره له الاختبار أيضاً قبل أن يجرح يده ليطعم السرطان ريثما يشبعان معاً، ولم يتحدث اثناء ذلك. كان الأمر معقّداً لكليهما، لكن كان لا بدّ منه لإبقائهما على قيد الحياة.
سأل جريد بعد أن التهم دم بن: "يا ساقين، أخبرني بشيء ممتع".
"ماذا؟ من أين جاء هذا؟".
"جاء من مللي! قد تستطيع تسلية نفسك بالتطير في جدار والتدرب على مهاراتك، لكني أحتاج إلى مزيد من التحفيز! هيا، ساعد رفيقك!".
فكر بن في صمت دقيقة قبل أن يتكلم: "حسناً، توجد مهارة واحدة فقط يستحيل سحرها".
"...لا أعرف لماذا توقعت شيئاً آخر في هذه المرحلة، لكني سأجاري. أي مهارة؟".
"إبطال السحر. قد يتمكن ساحر بارع للغاية من صنع عنصر يحافظ على تأثيراته بضع ساعات، لكنه في النهاية يتحلل دائماً ويدمر نفسه، أو هكذا قرأت. أظن أن هذا ممتع للغاية".
"أعني، نوعاً ما، لكن هيا، لابد أن تمتلك شيئاً أفضل من ذلك لي".
"لا أعلم يا رجل، سأفكر في الأمر وأعود إليك لاحقاً. إن كنت تبحث عن الإلهاء، فلم لا تخبرني بما ستفعله عندما نخرج من هنا".
"إن خرجنا".
قال له بن بحزم: "عندما نخرج. قوة التفكير الإيجابيّ؛ لسنا انهزاماتيين حين يلزمنا بذل كلّ ما لدينا في هذا".
"حسناً، في هذه الحالة، سأجعل هذه المحنة محور عرضي من الآن فصاعداً. سأؤلف أغنية رائعة لدرجة أن الشعراء في أنحاء البلاد سيضطرون لغنائها أيضاً. انتظر فقط يا ساقين، ستصبح نجماً".
"أم, أيمكنني الرفض؟".
"كلا. طلبت مني أن أكون متفائلاً، ولا يمكنني تجاوز مجرد التفكير في كم ستجعلني النجاة غنياً، هذا مؤكد. ماذا عنك؟ ما أحلامك بمجرد أن نرى الشمس؟".
"يا للهول، أولاً وقبل كلّ شيء أريد وجبة حقيقية. حتى وإن لم تكن تقتلني، لم يُخلق الرجل ليحيش على الخبز وحده، وخاصة ليس هذه القمامة. بخلاف ذلك، سيكون لم شملي مع كورني الرائع أمراً مذهلاً. بصراحة، لا أطيق الانتظار. سأستخدم أشياء كثيرة لا أستطيع استخدامها هنا وأصنع الكثير من الخردة. راقب فقط، لقد صنعت عنصرين فائقين النادرة الآن، وسأبذل قصارى جهدي لإغراق السوق. أه، ولدي بضع مهارات أُخرى أحاول إيقاظها أيضاً. حسناً، أنا حقاً بحاجة إلى تدبير الأمر بواحدة فقط، لكن سيكون من الصعب فعله وأنا عالق هنا. عليّ دفع نفسي أكثر قليلاً. أه، وبعض المال الذي يتعين جمعه أيضاً. لن ينجو أحد لمجرد ظنه أنني ميت".
"انتظر، ارجع قليلاً. أنت على وشك إيقاظ مهارتين أخريين؟".
"حسناً، لدي مهارتان من المستوى التاسع لذا أستطيع القول نعم. بصراحة، إيقاظ التركيز ليس مهمّاً حقاً، ولا أعرف حتى ماذا يمكن أن يفعل لي إن فعل، لكن إيقاظ الاتصال أمر أساسيّ. إن استطعت فعل ذلك فيجب أن أكون قادراً على الارتقاء بصناعتي إلى مستوى آخر تماماً. يا للهول، لا يسعني إلا التخيل".
بدأ يسيل لعابه وهو يفكر في ما سيتمكن من صنعه إن استطاع السحر بمهارات مستيقظة. لقد ثبت بالفعل أن مجرد القدرة على فعل ذلك بمهارات المستوى التاسع أمر مذهل، لكن المهارات المستيقظة ستأخذه إلى مستوى جديد تماماً. سيكون قادراً حتّى على التجول لإضافة السحر اللازم لصنع البوابات وجمع أكوام الأموال التي تأتي مع شيء كهذا. كان يعلم أنه سيتعين عليه دفع حدوده لحدوث ذلك، لكن النتائج ستكون مذهلة.
"حسناً، أعلم في هذه المرحلة أنك سخيف، وما يثير فضولي أكثر هو إن كنت لا تزال متمسكاً بهذا العزم الذي امتلكته قبل رميك إلى هنا، إن فهمت ما أعنيه".
"...بعد كلّ هذا، أنا متأكد من أن التحدث إلى ثيرا سيكون سهلاً".
"ها، حسناً سيتعين عليك إعلامي كيف سارت الأمور. عندما تأتي للمطالبة بعرضك هذا، فلحظة خروجنا متوجه نحو البوابة. لا أعتقد أنني سأأتي إلى أولفايث مرة أخرى بعد كلّ هذا".
"ها، لا ألومك".
<ارتفاع مستوى التوسع العقلي>
⟦1 قال لنفسه وهو يهمّ التقط قطعة الخبز التي أجبر الاختبار على إعطائها إياه بينما كان ينتظر استعادة طاقته السحرية: "حسناً، سأخذ هذه".
لم يكونا بحاجة حقيقة لأخذ أسبوع كامل بعد سهولة المرحلة الماضية، لكنهما اتفقا كلاهما على منح نفسيهما ذلك القدر من الوقت على الأقل بين كل مرحلة وأخرى. كانا بحاجة إلى الراحة والاستشفاء في كل مرة، وكان بن مصراً على العمل على مهاراته. أراد كسب أي ميزة ممكنة أثناء راحته، حتى وإن لم ينتهِ الأمر بتحقيقه مستوى جديداً. ارتدى عتاده فور بلوغه طاقته السحرية القصوى، بعدما عُدّل درعه ليتعامل مع التقارب المظلم للاختبار التالي متضمناً تعزيز مقاومة الظلام من خاتمه إلى جانب تطهير سحر النور وبضعة تأثيرات أخرى لمنحهما أي ميزة متاحة.
لم يكن متطلعاً البداية نحو الاختبار نظراً لأن السحر المظلم تمحور بمعظمه حول تأثيرات عقلية وتوهينات، مهما بلغت فاعلية مقاوماته، لكنه عرف استحالة التهرب منه. ستشكل هذه القطعة منتصف الاختبار، وما إن يُنهياها فسيتبقى أقل من النصف. لم يملك سوى بذل قصارى جهده. خطوا عبر الباب وقد بلغا أقصى درجات الاستعداد، مفارقين الأمان وواجدين أنفسهم في ظلام دامس إثر ذلك. بخلاف الظلام العابر الذي رافق أي مغادرة لغرفة الانتظار نحو أية مرحلة مرتقبة، لم ينتهِ هذا الظلام.
وجدا أنفسهما في هاوية لا نهائية، وهي حقيقة جعلت مصدر الضوء الوحيد يسطع بقوة أكبر في عينيه.
فكر وعقداه مشبوكان بينما فعل تعويذة ضوء على السطح الخارجي لدرعه، متلهفاً لأي قدر من الرحمة يظفر به لدى شروعه في التقدم نحوه، متحدثاً إلى غريد طوال طريقه: "ما رأيك؟ أتخال شيئاً حتى الآن؟"
"لا أظن ذلك، أتمنى فقط وجود شيء يُرى. لا جدوى تذكر من امتلاك ضوء إن كان العالم خالياً، أليس كذلك؟"
أمر مثير للاهتمام. لم يكن غريد مخطئاً. توقع بن الظلام على الأقل، لكنه ظن أيضاً أن الاختبار قد يمارس أموراً شبيهة بالمرحلة السابقة، مخبئاً فخاخاً ومزالق بينما يجعلهما يتخيلان مخارج أخرى. جعله غياب أي من ذلك، في الوقت الراهن على الأقل، قلقاً حيال ما قد يلوح في الأفق. رغم ذلك، بذل قصارى جهده لكيلا يركز على ما غاب، متحركاً عوضاً عن ذلك بسرعة حذرة نحو ما أمل أن يكون المخرج.
اقتصرت قدرات السحر المظلم على حدود معينة، وقد بذل جهده للاستعداد ضدها، وما الأمر برمته سوى رهن بصمود حظه. بدا وكأن شيئاً لا يحدث طوال الفترة الأولى. شقا طريقهما مقتربين بلا توقف من مصدر الضوء والحرية، لكن بن غُمِر فجأة بالضعف وشعر بوخز حقيقي تماماً في صدره أثناء تقدمه، وخز عجز عن التخلص منه. اتسم الاثنان بآنية مفرطة لا تتناسب والتغير التدريجي الذي دأب الاختبار على اظهاره مع تصاعد الصعوبة، ورغم ترقبه لتداخل التوهينات والتأثيرات العقلية لاحقاً، لم يظن أنه يتأثر بها.
كمن الجوهر في عدم تأثره حقاً. تحول الوخز الذي شعره إلى شعور برطوبة تتساقط على صدره حيث جلس غريد معه داخل الدرع، وترافق الألم مع إحساس بأشياء تستقر في مواضعها الصحيحة حين تواصل مع السلطعون ليؤكد ما توقعه. اقتلوه اقتلوه اقتلوه كيف جرؤ هذا الحقير على إدخالي إلى هنا اقتلوه اقتلوه اقتلوه- قطع الاتصال وارتاض صرخة. بالطبع كان الشخص الوحيد الذي أمكنه الاعتماد عليه في الاختبار قد وقع ضحية تأثير عقلي دفعه نحو جنون دامٍ.
أُبطلت المعززات عليه، تاركة إياه أضعف ما يكون وهو يحاول الهرولة نحو الضوء البعيد، بينما غرقت مخالب السلطعون في لحمه خلال تقدمهما، تاركة إياه يصارع بحثاً عن مخرج. دُفع غريد إلى هناك للحفاظ على سلامة السلطعون رفقته، لكن عدم فعل بن أي شيء سيعنيه تضرره المتزايد تدريجياً خلال الساعات القادمة بينما يحفر رفيقه الوحيد في لحمه. خلع الخوذة لعدم وجود خيار آخر، تلتها قطعة الصدر التي جلس فيها غريد، ناوياً تماماً إعادتها لكنه شعر بارتفاع وزن القطعة بشكل جنوني فور خلعها.
أدى تأثير التطهير عليها واجبه في درء أي توهينات رماها الاختبار نحوهما، ولكن من دونها، ودون غريد لتعزيزه، بدا وكأنه اكتسب بضعة مئات من الرطل، ولم يكن حال السلطعون بأفضل. لا يزال رفيقه غارقاً في نوبة جنونه لكنه يضرب بضعف شديد الآن، عاجزاً عن حشد القوة لإلحاق أي أذى حقيقي، ورغم جدوى ذلك فقد وضعا في مأزق مروع. تيقن أنه حتى مع معززات غريد ودرعه فهما على بعد ساعات. ومع انعدام أي من ذلك الآن، عجز عن تخمين المدة التي ستستغرقها الرحلة.
حدق بعيداً نحو الضوء القاصي، مرشداً ناظري نحو هدفه ومطلقاً تنهيدة بينما التقط غريد الثقيل للغاية وسط مقاومة السلطعون. ما دام طريقه قد طال فلا جدوى من التراخي لذا استأنف مسيره من جديد.
ثمانية وخمسون، تسعة وخمسون، ستون. اللعنة. ومع مرور الوقت، ازدادت أيّ تأثيرات سلبية وُضعت عليه قوةً، حتى بلغ بن مرحلة بات فيها يجرّ نفسه على الأرض ليصل إلى حيث يتعين عليهما الذهاب، وقد وُضع غريد على ظهره بينما فقد رفيقه القدرة على المقاومة بعد أن استُنزفت طاقته كلها. راود جزء صغير منه شكّ في أن السرطان قد مات، لكنه وُضع على ظهر سترته فلم يعد قادراً على التواصل معه من خلالها، إذ كان الجهد المطلوب لتحريك يده إلى الخلف للتأكد أكبر من أن يتحمله، فيما كان عليه التركيز على بلوغ المخرج.
لم يطق ظناً أنه شعر بمثل هذا العجز من قبل، كأنه لم يمتلك حتى الخصائص اللازمة لتحمل وزن جسده، والأمر الأسوأ من ذلك كله هو المدة التي قضاها هناك. كان عقل واحد يُستخدم لعدّ الثواني، وهو أمر بدأه بعد أن نزع الدرع ليتابع الأمور، لكنه بات يندم على ذلك. لقد تجاوز للتو أربعاً وعشرين ساعة في ذلك القسم منذ أن بدأ العد، ونظراً لوجود حدود زمنية لمناطق الراحة، فقد كان مستعداً للمراهنة على أن أقسام الاختبار لها حدود زمنية أيضاً.
لمريد أن يبقى عالقاً هناك ليتأكد من صحة ظنه. وفي ومضة حظّ قليلة بالنسبة له، لم ينتهِ به المطاف أبداً إلى الاستسلام لتأثير عقلي، رغم أنه لم يكن متأكداً من السبب. فمن الانطباع الذي تكوّن لديه عن الملك الذي صمم الاختبار، كان جعلُه وغريد يقتلان بعضهما بعضاً في منتصفه أمراً يلائم تماماً شطحات ذلك اللقيط، لكن تلك الرغبة لم تضرب إلا أحدَهما في النهاية حين لوّح المخرج ببوادر ظهوره.
لم يعد ضوءاً بعيداً، بل بات بإمكانه تمييزه بصفة باب يجب عبوره، وهو ما جدد نشاطه فدفع نفسه قدماً، جاراَ جسده على الأرض بأصابع نازفة بينما بذل قصارى جهده ليتجنب التوقف، وفي نفس الوقت كان يشعر بالتأثيرات السلبية تواصل نموها. لا يمكنني التوقف. إن توقفتُ أمتُّ. أي قدر من الراحة أخذه ليس إلا وقتاً إضافياً يمنحه الاختبار لرفع مستوى الصعوبة، وحقيقة أنني ما زلت قادراً على الحركة أصلاً تُعد معجزة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
مادام غريد حياً، فأي ضرر ألحقته بنفسي في سبيل الخروج يمكن إصلاحه. حتى لو لم يكن حياً فسأتدبر أمري بطريقة ما. عليّ فقط الاستمرار في التقدم. استمر في الدفع وتحفيز نفسه، فاعلاً كل ما في وسعه ليأمر نفسه بمواصلة الحركة. شعر بساقيه تنزفان من جراء جرهما على الأرض لفترة طويلة لدرجة أن الجلد كاد يتاكل تماماً، لكنه لم يكن ليطأ تراجعاً بينما كان المخرج يزداد كبراً وتضخماً في مرأى عينيه، حتى وهو يشعر بدوار متزايد مع كل خطوة يخطوها.
لا أصدق أنني أعاني من نزف دموي في مكان لم يشهد حتى أي أذى مباشر. فكّر بسخرية. حسناً، أظن أن جعل غريد يهاجمني يُعد أذى، لكن ذلك النزف توقف على الأقل من تلقاء نفسه بعد حين... رغم أنه قد يكون بدأ من جديد. اللعنة. كانت عقوله أجمع تلعن ملك الاختبار، فضلاً عن ملوك العالم لسماحهم بوضعه هناك بهذه السهولة. كان كل جزء فيه يصرخ مطالباً بتدمير ذلك المكان لكنه علم أن ذلك لن يحدث طالما أنه لا يزال بداخله، وحين بلغ المخرج أخيراً، كمن يتدحرج عبره، قرر أن معرفة كيفية فعل ذلك توازي في أهميتها أي شيء آخر يملأ به وقته، وستقفز إلى رأس قائمة أولوياته في اللحظة التي يتحرر فيها.