بعد تعافيه تماماً، كان اكتشافه طريقةً لجعل الاختبار يوفّر له المزيد من الطعام نعمةً سماوية. تقشّر كل الجلد المحترق خلال العملية، ورغم إمكانية الاحتفاظ به لتقديم وليمة وفيرة لجمع طعام جشع بغضون رأي السلطعون في الأمر، فإن هذا عَنى أن جسده اضطر إلى أكل نفسه في عملية الشفاء. بينما كان يحشو فمه بذاك الشبيه بالخبز التافه الذي رأى الاختبار مناسباً لتقديمه، واصل قضم مهام تدريب مهارة مستخدم المواد.
للأسف، لم يمنحهم الاختبار شيئاً يستحق العناء هذه المرة لسبب حزين واحد. احترق كل ما كان مكومَا ولم يروه من قبل لدرجة فقدان الصلاحية. استطاع الاستفادة من المعادن التي رآها، لكنه لم يستطع سوى افتراض أن الغبار المكوم كان أي أقمشة وُجدت هناك، فدمجها سريعاً في كرة واحدة لمنع تناثرها في كل مكان أثناء الانتقال إلى القسم التالي. بدلاً من ذلك، جرب أشياء مختلفة ليرى ما سيجدي نفعاً.
لقد تعلم مسبقاً أن سحره يبدو عديم الفائدة على الكائنات الحية، فضلاً عن امتلاكه حاجزاً مجهولاً بين ما هو حي وما هو غير حي. اعتقد أن الشعر والأظافر مثلاً سيكون ممكناً التلاعب بهما، حتى وهي لا تزال متصلة بجسده. حسب علمه كانت ميتة، لكن سحره لم يُحدث أي أثر حتى اللحظة التي تُنتفف أو تُقص فيها. لكن التدمير يعمل عليها جيداً، حتى حين تكون متصلةً لذا فالأمران لا يعملان بالطريقة ذاتها.
لم يفهم المنطق الكامن وراء ذلك ولم يدْرِ ما يفكر فيه. نظريته العاملة الوحيدة حول الأمر كانت أنه نظراً لأن جسده كان يختلف تقنياً تماماً عن الجسد الذي يستخدمه على الأرض، فمن المحتمل أن أياً من هذين الجزأين لم يكن ميتاً بالفعل. احتمل أيضاً احتواءهما على مانا أو روحه أو أي شيء آخر على تلك الشوائب مما جعله يُعامل كأنه حي حتى لحظة إزالته، لكنه في النهاية دوَّن كل ذلك كأمر غير ذي صلة في الوقت الحالي.
لم ينجح، هذا كل ما يهم. ما بدا أكثر إثارة للاهتمام هو التطبيقات القليلة التي وجدها والتي يمكن الاستفادة منها. إن أمسك بكتل من الحديد والبرونز معاً وأمرَّ طاقته فيهما لتغيير قوامها، استطاع التعامل مع الاثنتين كصلصال وقدرته على دمجهما بطريقة لم يكن ليقوى عليها طبيعياً من دون حرارة ومطرق. كان بالإعلال ذاته استخدام معدن وبعض قصاصات شعره أو أظافره المُزالة، مما أراه شيئاً مذهلاً.
اعتاد طبيعياً، حين يصنع شيئاً، الحاجة إلى الطحن بعناية وإضافة أي مواد نباتية أو وحشية يرغب في استخدامها، لتبقى بنيتها في النهاية متضررة بعض الشيء على الأقل بفعل الحرارة. ليس هذه المرة. لم يعتقد أنه سيقفل باب استخدام المطرق تماماً، لكن هذا أثبت كونه طريقة يستطيع بها دعم وتطوير عمله في المستقبل، ولم يطق الانتظار لوضعه موضع الاختبار. ثم هناك مجال يفشل فيه حالياً، لكنه آمن بإمكانية تحقيقه مع ارتفاع مستواه ومهارته.
فصل مادتين مختلفتين عن بعضهما. لم يرَ أي سبب يمنعه من ذلك، سوى قلة تمرسه ومهارته، لكنه شيء ليعمل عليه، ولو قليلاً، مع كل مستوى يحصل عليه. إن لم يسفر عن شيء فلا بأس، أما إن استطاع إنجاحه فتخيل استخدامات عديدة، يسعد جميعها بوضعها موضع التنفيذ حين يفعل. ثم هناك التطبيق الأخير. واحد لم يستطع سوى إيجاده الأقل فائدة بالمجمل، لكنه بدا متحدياً بما يكفي لصنع تدريب جيد له.
إمساك مكعب ثلج. قد لا يبدو الأمر شيئاً يُذكر، لكن الثلج كان المادة الوحيدة التي استطاع خلقها والتي أرادت تغيير حالتها بنفسها من دون تدخله، والأكثر من ذلك حين استقر في كفّه. ما مثّل تحدياً هو منعه من فعل ذلك بالضبط. مرّر طاقته فيه لإبقائه في الهيئة التي كان عليها، مانعاً أي قطرة ماء من السيلان عليه حتى حظي بشيء غريب قطعيّاً. قطعة ثلج بدرجة حرارة الغرفة. لحظة عجزه عن إمساكه بطاقته تحول إلى ماء في ثوانٍ، لكنه لم يستطع إنكار مدى إثارة الأمر وهو يتساءل عما إذا وُجدت أي تطبيقات لشيء كهذا.
الطريقة الوحيدة لرؤية ذلك ينجح هي ربط بلورة طاقة به لتوفير القوة ثم بناء تعويذتي بسحري لإبقائه في مكانه، أما إن سنحت لي يوماً سبب لفعل ذلك... حسنًا، حدثت أمور أقل توقعاً. سأبقي الفكرة في جيب خلفي للوقت الحالي.
<ارتفع مستوى مستخدم المواد>
تمتم بن لنفسه بابتهاض وهو يتفحص حالة جسده. خلال الأسبوع المنقضي منذ فراغهما من القسم الأخير من الاختبار، ترك بن جسده يتماثل للشفاء طبيعياً من أكبر قدر ممكن من الجراح التي تلقاها وبأمان تام. أراد لمهارة التعافي لديه أن ترتقي، ولن يحدث ذلك أبداً إن واصل الاعتماد على غرييد ليتكفل بالأمر كله دون إتاحة أي وقت لجسده ليفعل ذلك بنفسه، لكنه الآن صار يشعر بحال طبيعية في الغالب.
كان الأمر مثيراً لشيء من الدهشة لديه. بدا أن معظم مهارات المستوى الأول تحسن الأمور بنحو خمسة بالمئة لكل مستوى اعتماداً على طبيعتها، وتأكد من سريان الأمر ذاته على تلك المهارة. ظن أنه سيحتاج إلى أسبوع أو أسبوعين إضافيين لولا تذكره المهارة التي أوقعته في المتاعب قبل وقت ليس ببعيد. الجسد الشيطاني الجزئي. وبقدر ما أزعج ذلك سيّده لامتلاكه إياها، إلا أنه لم يستطع منع نفسه من استشعار الفائدة.
وباعتبارها مهارة مفترض أنها تجعله يتماثل للشفاء بشكل أسرع وتمنحه مناعة معززة ضد السموم والأمراض على حد سواء، لم تتوفر له أي فرصة لمعرفة مدى فعاليتها في تلك الأمور منذ نالها نتيجة العيش مع معالجين اثنين، لكنه يرى الآن مدى الفائدة التي قد تقدمها، وزادت تلك الفائدة اقترانًا بمهارة التعافي. بالطبع، قد يرتبط الأمر أيضاً بالصعود السريع لخصائص حيويتي. ما زلت غير متأكد أين تنتهي تأثيرات ذلك على قوة حياتي وأين تبدأ تلك التي على جسدي، لكنني في الحالتين سأجني وفراً من الفائدة من كل شيء الآن حسبما يبدو.
عندما ارتقى مستوى مهارة مقاومته، تعنى تلك الزيادة أن شفاءه سيصبح أصعب على غرييد، فضلاً عن تلقيه تعزيزاً إضافياً. بدأ بن يشعر بالفعل بتأثير واهٍ ناتج عن ذلك، وهو أمر يبعث على القلق أكثر من القليل. احتياجه لكل قطرة يمكنه نيلها أمر حتمي لبقائهما على قيد الحياة، فضلاً عن الوقت الذي يضع فيه تعويذاته الخاصة على الاختبار. بطبيعة الحال، وعلى الجانب المقابل، قد يضعف ذلك تأثيرات الاختبار عليّ أنا الآخر.
كل ما بوسعنا فعله هو الانتظار والترقب، وأنا متأكد تماماً من أنني سأحتاج إلى بلوغها المستوى الرابع كي أتمكن من إيقاف العد التنازلي بعد الآن، لكنني بحلول ذلك الحين آمل أن أكون قد طوّرت التعويذة أكثر، فلننتظر إذن ونرَ كيف ستسير الأمور.
قال: "أتعتقد أنك جاهز يا غرييد؟"
رد السرطان بينما كان بن يرتدي درعه: "بقدر ما يمكنني أن أكون. إلى أي مدى سيُعتبر هذا القسم سيئاً برأيك؟"
"أعني، إنه قسم سحر الضوء فمن يدري؟ ينبغي أن يكون هذا أقرب بكثير إلى تخصصك من تخصصي."
راودته أفكاره ومخاوفه، لكن الطريقة الوحيدة للمعرفة اليقينية كانت العبور، ومع ضآلة الاستعدادات الممكن إجراؤها، اجتازا الباب نحو أي شيء سيواجهانه.
إلى جانب التعويذة التي عليه، عُدّل الدرع نفسه من أجل القسم التالي، مع فتح ثقوب في مواضع تمكن غرييد من الرؤية من خلالها. وباعتباره ساحر ضوء وحياة قبل استيقاظ المهارة لتصير سحر مباركة، رأى اثناهما أن تمكينه من رؤية ما يدور هو الخيار الأفضل هذه المرة، لكن حين التفت بن مستطلعاً وشعر بابتسامة عريضة ترتسم على وجهه، ظن أن ذلك ربما كان اعتباراً بلا جدوى، حتى وهو يوبخ نفسه على الاستخفاف بما يراه بعد كل ما مرّا به.
تمتم لنفسه بينما المشهد ذاته الذي بعث فيه الأمل كان يدفع غرييد لشتم بأفظع العبارات: "هذا فخ، لا بد أنه فخ".
"بالطبع إنه فخ! انظر إليه، لم يعطف علينا وجه الحمار بغتة ليقرر منحنا مليون مخرج ملعون للخارج!"
كانت تحيط بهما الأبواب ذاتها التي شاهداها للخروج من كل قسم آخر من الاختبار، ممتدة وكأنها أبدية. كان ذلك بوضوح جانباً من الأوهام التي يستطيع سحر الضوء خلقها وما يكفي لإثارة القلق لدى أي شخص، هذا إن كان الجميع يطالعون المشهد نفسه على الأقل.
"غرييد، أيكد لي بدقة، ماذا ترى؟"
"مثلما قلت، مليون مخرج ملعون! لماذا، أترى شيئاً مختلفاً؟"
"حسناً، إن كنت لا ترى أن جميعها باستثناء واحد شفافة وتكشف عن حفر في الأرض وأشياء معلقة فوق معظمها، لأقنعتني بأننا نرى أمرين مختلفين تماماً هنا."
"...ما مدى تأكدك من أن هذه ليست خدعة؟ من أنها لا تعرض عليك شيئاً مختلفاً قليلاً عما تعرضه علي."
"لا أود الجزم باليقين لأنني رأيت مسبقاً أن هذا السلّاك يستطيع فعل أشياء بالسحر لم أتوقعها قط، لكنني متأكد تقريباً من أن ذلك تطبيق لسحر الظلام، فالضوء لا يستطيع فعل المثل. لا متكَأ آخر لدينا يا رجل، وعلينا خوض غمار المغامرة والأمل."
"بحار جهنم اللانهائية، ليكن، امض وافعلها."
اجتاز بن الفضاء بثقة، متجنباً أي موضع تيقن من رؤية شيء فيه حتى وقف عند الاختبار الوحيد الذي ظن أنه يخلو من ذلك. خلافا للآخرين، لم يستطع الرؤية من خلاله، ولم يلمح أي فخاخ تحيط به أيضاً. ومع ذلك، آثر توخي الحذر، متخذاً خطوة مترددة أثناء فعله ذلك، ومستعداً تماماً لرمي نفسه إلى الوراء إن لزم الأمر. لكن شيئاً لم يحدث. عبرا البوابة إلى الجانب الآخر، بعد دقائق معدودة فقط من بدء ذلك القسم وقبل أن يتسنى لهما رؤية أي شيء آخر قد يلقيه الاختبار في وجهيهما.
كانا في مأمن. استغرق الأمر لحظة ليستوعبا الأمر، لكنهما ما إن فعلا حتى أخذا يصرخان جذلاً، وعجزا كلاهما عن كبح حماستهما.
صاح بن وهو يرفع ذراعيه في الهواء: "تباً لك يا وجه الحمار! حتى أنت لم تحسب حساب مقاومتي الكاحشة تماماً! لم تقابل بشرياً مثلي قط، أليس كذلك؟"
بينما أصر جزء صغير منه على الإشارة إلى أن مقاوماته كفت عن إحداث فارق يذكر في كل قسم مع تنامي التحدي، دفع تلك الفكرة بعنف إلى الأاحضان. كان هذا نصراً حقيقياً على سيّد بات يمقته، لذا نوى التركيز على الفوز الماثل أمامه لوقت قصير على الأقل.