أراد فقط الاستسلام لطلب جسده أن يغيب عن الوعي لكنّه علِم أنّه لا يستطيع. كانوا في حالة طوارئ. حتّى مع قدرة جَريد على إصلاح الضرر الذي ألحقه بجسده عبر إرهاقه هكذا فإنّ الأمر سيستغرق أيّاماً لا يملكونها. إن عجز عن التحرّك وجب عليه التفكير على الأقلّ. غاية تدفعه إلى رمق النقوش السحرية داخل مجال رؤيته والتركيز عليها مغموراً في كلّ ما جعلها على ما هي عليه. احتاج اثناهما إلى وقت أطول ممّا لديهما وعزم على نيله ولو تحدّياً للملك الذي تكبّد كلّ العناء لصنع هذا الاختبار.
بينما فعل تحدث إليه جَريد فأصغى إليه أحد عقوله بفتور ودون أن يردّ. ما ظنّ أنّه قادر. تقلّبه وحديثه الموجز مع رفيقه الوحيد استنفدا آخر قطرة ممّا نجح جَريد في توفيره له ولم يبقَ غير الألم. لم يتيقّن تماماً عمّا فُعل لكنّه جزم بأنّ جَريد لم يمنحه تعزيزاً بل استخدم السحر قسراً لجعل جسده يعمل فوق طاقته محطّماً نفسه في غضون ذلك. جانب مدمّر محتمل لتدرّج الحياة يعجز عنه أكثر الناس إلّا من استيقظت مهارته ولا يستعملونه حتّى تبلغ الأمور مبلغ اليأس ولا يعارض بن خياره.
لولا فعل جَريد لكان الاثنان في عداد الأموات. دارت الأفكار برأسه وأراد اختبارها لكنّها انتظرت. تطلّب الأمر عون جَريد إضافة إلى قوة في ذراعيه تحرّكه ممّا حتم إرجاء كلّ ما أراد فعله إلى مرحلة لاحقة من تعافيه. اقتصر في الوقت الراهن على شحذ أفكاره لتصير كحدّ السيف مستعدّة لقطع المشكلة المتمثّلة في الاختبار.
قال: "غريد، احتاج إلى سكين".
تلك كانت كلماته الأولى حين استطاع النطق بعد نحو اثنتي عشرة ساعة من التعافي. كان بإمكان ارتباطه بالسلطعون أن يغنيه عن الكلام، لكن ذراعيه ظلتا أوهن من التحرك في ذلك الوقت، ولم يكن لذلك أي جدوى. أما الآن، فقد باتت إحدى ذراعيه سليمة بالقدر الكافي للامساك بشيء إن لزم الأمر، ولم يشأ إهاعة لحظة أخرى.
قال: "أمر مهم حقاً؟ أقول لك بصراحة يا بن، إن كان علينا اجتياز المرحلة التالية في ماذا؟ يومين أو أقل؟ أفضّل أن أراك في أفضل لياقة ممكنة لها".
قال: "أمر مهم. بل يكفيني أن أقول إن نجحتُ فسنحيا على الأرجح، وإن فشلتُ فسنموت. أظننا نعلم سوياً أنني لن أبلغ تمام لياقتي حين ينتهي العد التنازعي، ولا بد أنك تحتاج للتوقف واستعادة المانا قريباً، أليس كذلك؟"
قال: "حسنني، ما زلت أدعم نفسي، لكن نعم، الوضع يضيق. حسناً، امنحني دقيقة، فحُسن حظك أن هناك كومَتَي خردة قديمة هذه المرة".
أجاب بسخرية لم يكد يلفظها بينما ذهب الآخر لإحضار ما يبحث عنه، مجرّراً إياه نحو يده تماماً كما فعل قبل أن يُعاود علاج جروح بن جميعها، ضامناً ألا يموت قبل حلول الجزء التالي من الاختبار. قبض على السكين بقوة حين وصلته، ووضع الذراع التي تحملها فوق صدره ليتمكن من رؤيتها بوضوح، غير أن ذلك تطلب منه طلباً أخيراً يوجهه إلى غريد.
قال: "يبدو أنني سأحتاج إلى بعض القماش لأرفع به رأسي قليلاً من فضلك".
لم يكن الأمر لأجل الراحة، رغم أنه كان سيُقدّر أي قدر ضئيل منها أياً كان. بل احتاج إلى رفع رأسه ليتمكن من الرؤية بوضوح وهو يعبث بالسكين، إذ أراد معاينة كل تعويذة يصنعها بتفصيل دقيق أثناء عمله. هذه المرة نفذ غريد ما طُلب منه حرفياً ودون جدال. فقد كان يعلم تماماً كبن أن الأمور تبدو سيئة بالفعل، وإن وُجد بصيص أمل فسيلتقطه. وما إن استقر بن في وضعيته حتى نظر إلى شظايا التعويذات القديمة وأزالها عن آخرها ليباشر عمله.
مستخدماً نظام الحلقات الذي جرّبه قبيل المرحلة السابقة، وضع سلسلة منها على السكين قبل أن يعمد إلى تفكيكها. كان الأمر أصعب من المعتاد، ودليلاً آخر على استقرار النظام، لكنه لم يبلغ مبلغ الاستحالة الذي أثبته تفكيك التعويذات الخاصة بالاختبار نفسه، فأعاد صياغتها مرة أخرى مختلفة هذه المرة وكرر العملية. ترك الساعات تنقضي بينما كان غريد يعالجه، مقضياً الوقت في صنع التعويذات وتفكيكها، ومعتاداً تدريجياً على النظام الجديد، ليتعلّم ببطء خباياه ودقائقه، إلى جانب ما ينجح وما لا ينجح.
لو لم يكن غارقاً في هذا الألم العارم، لو لم يكن محتقناً غضباً من أولئك الذين ألقوه هنا ومن ذلك الملك الذي خلقه، لوجد في العمل متعة وجدوى. لكن على حالته تلك، كان الغضب محركه الأساسي، متفوقاً حتى على رغبته في البقاء. لن يموت إرضاءً لمن أراد منه ذلك، بل سيخرج ويرى من يهتم لأمرهم مجدداً، وسيدمر هذا الاختبار برمته. تطلّب الأمر اثنتي عشرة ساعة أخرى من العلاج حتى بات قادراً على الوقوف، غير أنه شعر حينها بثقة راسخة في نفسه.
لم يكن يدرس فن التعويذ عبثاً طوال ذلك الوقت، وإذا كان ما رآه في مسابقة الحرف اليدوية مؤشراً على شيء، فهو يملك إذن أحد أوسع الإدراكات لهذه المهارة على وجه البسيطة. هناك دائماً المزيد ليتعلمه، لكنه أتقن جيداً ما بين يديه. أغمض عينيه دافعاً نفسه للنهوض رغم احتجاجات غريد، وأسند كفيه إلى الجدار مستعيناً به ليحمل وزنه ويمنع نفسه من السقوط.
قال: "غريد، أحتاج منك أن تدعم المانا والتعافي لدي مجدداً".
قال: "يا بن، لا يزال امامنا متسع من الوقت. دعني أُعالجك لفترة أطول قبل أن تحاول أي شيء".
قال: "كل ثانية تحسب يا رجل، هيا. كلما أسرعنا كان ذلك أفضل".
لم يملك السلطعون إلا أن يتنهد ليأس إصراره، لكنه نفذ ما طلب منه، غامراً جسد بن الذي ما زال يؤلمه بطوفان من المانا بينما شرع يتحدث، مخاطباً الاختبار نفسه بذات القدر الذي يخاطب به غريد.
قال: "أتعلم، لا أعرف حقاً ما يحدث حين يموت ملك. أيمتلكون شبحاً؟ أم يصعدون إلى أي حياة أخرى تنتظر بقيتنا نحن الفانين؟ أتمنى ذلك. أتمنى أن يكون من صنع هذا حاضراً بصورة ما ليشاهد بذعر تام ما أوشك على فعله".
فعّل جميع حلقات مهاراته واتصل بكل واحدة منها دافعاً مهاراته العقلية إلى ما وراء الحدود الاعتيادية التي كان سيقع أسيراً لها، متخيلاً تعويذة لا تشبه أي شيء سواه. أدرك أنه لا يستطيع تحطيم ما يغطي هذا الاختبار، لكنه استطاع على الأقل التفكير في إضافة شيء إليه. خلافاً لطريقته المعتادة في صياغة التعويذات لم يبنها تدريجياً مع الوقت. بل استجمع كل ما استطاعه من المانا داخل نفسه دون أن يفقد وعيه، وشكلها دفعة واحدة، مسخراً كل عقل في رأسه لأداء مهمة صهرها في قوالب تشبه تلك التي في الاختبار، مع إضافات طفيفة لتعزيزها.
لم يكن بمقدوره مجاراة ما صنعه الملك الذي ابتكرها إن هو التزم بقواعد اللعبة كاملة، لكنه خلال ساعات تمرسه استنبط كل ما يحتاجه بينما تعلم كيف يدمج ذلك في طرقه الحالية، وما إن أيقن أن كل شيء بات كاملاً بقدر ما يستطيع، حتى وضعها كلها دفعة واحدة، مشابكاً إياها مع الحلقات التي تتحكم بعد تنازعي الطوابق ومثبتاً إياها في مكانها بحيث تنعتق من أي حركة أخرى، ولم يلبث أن امتلات عيناه بالنور وتدفقت الإشعارات لتملأ عقله.
<حاز الملقب: متحدي المحنة> <ارتفع مستوى التدنيس> <ارتفع مستوى الفكر الموازي> <حاز مهارة التوسع الذهني المستوى 0> <اندمج التطبيق مع معرفة التطبيق المستوى 7 ليستيقظ التطبيق السماوي> <حاز مهارة التدمير المستوى 0> <بلغ الحد الأقصى لمستوى وظيفة الساحر الحقيقي>