الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 266

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 266 باللغة العربية على مانجا تايم.

كان عبور البوابة تجربة قاسية تعادل الإعصار، ممّا جعله ممتناً لنجاته برأسه، وإن بدا مزري الحال. دفعته السرعة التي كان يتحرك بها إلى التدحرج على الأرض حتى اصطدم بالجدار في الطرف الآخر، محطماً ذراعيه وساقيه في طريقه، ومتأكداً من تكسر بضع أضلاع أيضاً. شعر أن وجهه مبلل بما لا شك أنه دم، لكن فكره الأول لم يتعلق بألمه، بل بسلامة السرطان المستقر في جيوبه، فأجبر نفسه على فتح سحاب ردائه، مشفوقاً سلفاً ممّا قد يجده.

صرخ غريْد ما إن خرج، ليبدو غير متأثر بشيء ويثير ارتياح بن: "يا ساق، بحق الجحيم ما كان هذا!"

ما مصير الخطة؟

وما..."

توقف فجأة عندما أمعن النظر في بن، فرأى كسوره ودماءه لتنقطع شكاياته سريعاً.

أردف وهو يبدأ في استخدام تعويذات شفاء قوية، شاتماً مع كل حركة: "حسناً، دعنا نصل بك إلى حالة لا تومىء فيها بالموت بين يدي ثم أخبرني بما جرى. جحيم لا متناهٍ، لماذا تسير الأمور ببطء شديد هكذا؟"

اعتقد بن في قرارة نفسه أن الأمور تسير أسرع بكثير مما اعتاد عليه، ولكن بالطبع، لأصحاب السحر المُستيقظ، يمثّل أيّ عائق مفاجأة غالباً. يا للهول، لا أمانع مقاومتي كثيراً لكن خفض فاعلية تعويذات الشفاء بأكثر من ثلاثين بالمئة يظل أمراً قاسياً. وفوق هذا، هل كان كلّ ذلك مدفوعاً بسحر الهواء؟ كم سيكون الأمر سيئاً بحق الجحيم لو لم تكن لدي مقاوماتي؟ لم يستطع الجزم بذلك نظراً لأن محاكمة أنايليا بدت وكأنها تلتف حولها بطريقة ما، لكن مع ما مرّ به لتوّه قرر قبول أيّ نصر يلوح في الأفق.

كان حياً، وهذا كلّ ما يهم. بعد ساعات طويلة، تلقى غريْد جميع جروحه الأكثر خطورة بعلاج تامّ وانتقل لإصلاح وجهه، جاعلاً بن قادراً على شرح ما حدث بينما كان يعالج باقي الإصابات.

بصق السرطان قائلاً: "تباً. بالطبع وُجد حدّ زمني لعين. إذن، ما العمل الآن؟"

"حسناً، ظننت أن بإمكاننا الخروج لأننا كنا عند المدخل، لكنني لست متأكداً الآن. على حد علمي، قد يتعين علينا خضوع ذلك مجدداً، لكن بصراحة أصوت بالرفض على هذا."

"أوافقك. كان الأمر سيئاً بما يكفي قبل أن تلقي بي في جيبك."

قال وهو ينهض ويتلفت حوله: "إذن لا يترك لنا ذلك سوى خيار واحد."

كانا في غرفة مطابقة تقريباً لتلك التي وجداها قبل السقطة في السماء اللامتناهية، مع نافورة وطاولة، فضلاً عن باب تيقن أنه سيقود به إلى مكان كريه بذات القدر مثل سابقه. وُجد فارق واحد فقط يمكنه رؤيته؛ على طول أحد الجدارين كومة من الأشياء المهملة. لا بد أن المئات كانت ملقاة هناك ولم يسعه إلا القلق بشأن ما يعنيه ذلك لما هو قادم، لكن فكره انقطع على صوت غريْد.

"المشكلة أن هذا الخيار الأخير يعني إما موتي في المحاكمة أو موتي جوعاً. لست معجباً بأي منهما حقيقة."

"...امنحني بعض الوقت للتفكير. يلزم أن أتحقق من المدة المتبقية أولاً."

سار بمحاذاة الجدار ليبحث عن حلقات متحركة إضافية ووجدها بعد هنيهة، ليراها مرتبة بطريقة مطابقة للمنطقة السابقة، مما يعني امتلاكهما لنحو ثلاثة أيام. بدا وقتاً قصيراً للاستعداد في ظل غياب أيّ فكرة عمّا سيأتي، لكنه أفضل من لا شيء إذ أمضى بضع ساعات يتفحص بقية المكان، باحثاً عن أيّ تباين في التعاويذ المرئية عمّا عاينه سابقاً في جولته، مواصلاً بناء نظرياته حول أدوار كل شيء.

وما إن انتهى حتى شق طريقه نحو كومة الأشياء، ليجد غريْد ينقب فيها بالفعل.

"أوجدت شيئاً ممتعاً؟"

"مجموعة من الخردة القديمة فحسب."

لم يملك بن سوى الموافقة وبدأ بالتنقيب بنفسه. أسلحة بشتى الأحجام، بجودة أغراض لا تتجاوز الرتبة النادرة الدنيئة ومع تعاويذ متحللة تماماً تقريباً بسبب غياب الصيانة، فبات نسيج السحر والطرق الأخرى لترتيبه بلا جدوى تذكر للإصلاح. شكّ في قدرة أيّ شيء مرأى على المساعدة خلال الجزء الأخير من المحاكمة، رغم عجزه عن الجزم بمدى نفعها للآتي. بينما كان يحدق فيها، ظلّ شيء ما ينقر في ذهنه بالطريقة ذاتها التي شعر بها عند إدراكه أن ما سبق كان عداً تنازلياً، غير أنه عجز عن وضع يده على ماهيته.

ثمة أمر ما يخصّ كل هذه الأشياء... ربما يمكنني ترتيبها؟ لم يملك فكرة أفضل ففعل ذلك، منقباً في الكومة لجمع السكاكين والرماح والدروع ومختلف الأسلحة الأخرى في مجموعات تخص كلّ منها، قبل الانتقال لما تبقي؛ أشياء صغيرة ضاعت غاياتها مع الزمن، ملابس بمختلف الأشكال والأحجام، ومقتنيات أخرى لم يستطيع رؤيتها سوى تفاهات بلا فائدة. استمر في فحصها حتى بلغ قاع الكومة، متوقفاً عند الأخيرات الثلاث حين استقر أخيراً ما كان يزعجه في مكانه.

بدت القطع الثلاث التي رأوها الأقدم على الإطلاق، ورغم ذلك بدت تعاويذها نقية تماماً مقارنة بما عداها هناك. حلقات المانا المكونة لكل منها ما زالت صامدة بقوة بعد ما لا يقل عن آلاف السنين هناك، لكنها وضعت بقية ما يرى من أشياء في نصابها الصحيح. استخدم المخلوقات التي عبدت ملك هذه المحاكمة سحرهم بالطريقة ذاتها، وحقيقة رؤيته لأنظمة سحر أخرى قائمة، مهما بلغت درجة تحللها، لا يمكن أن تعني سوى أنها لم تترك من الملك للقسم التالي من المحاكمة، بل من البشر الملقين فيها.

مفقودات وموجودات ربما؟ ليأخذ أيّ شخص أغراضه التي تضيع في الجزء الأخير؟ بصراحة، يمكنني تخيل حدوث ذلك كثيراً، لكن... أمعن النظر في الملابس مجدداً. بعضها طازج، وبعضها الآخر يعود لقرون بلا شك، مع ما ظنّه أولاً وسخاً ليغدو مرجحاً جداً كونه دماً قديماً لأي عرق أراقه. لو توجب عليه الرهان، لقال إنه مزيج من الخيارين. المحاكمة لا تخزن ما فُقد فحسب، بل أغراض أيّ ميت أيضاً. لم يجرؤ على التخمين حول السبب، لكنه لن يفحص أسنان حصان هدية، سيما لأجل القطع شبه النقية التي لا بد وأنها صُنعت من قِبل عرق ملك المحاكمة.

ما بدا كأساس، وساِعِد، ودائرة معدنية. بُنيت جميعها بالترتيب التعاويذي ذاته للمحاكمة لكن بمستوى أبسط بكثير. مستوى بشري، مما يعني قدرته على التجربة والتعلم منها، ومراقبة آليات عملها بطريقة تعذر عليه بلوغها مع شيء بحجم المحاكمة، وبعد نيله لكل قطرة معرفة ممكنة من التحليل المحدود الذي منحه إياه السحر من المستوى التاسع، أقدم على المغامرة وضخّ مانا في الكأس لقياس أثرها.

كان مخيباً للآمال قوله، لكنه جاء باهتاً بطريقة شعر أنها تدعم نظريته. الأشياء المحيطة لم تكن مميزة، حتى وإن مثلت أدلة قيّمة حول كيفية تعلم بنية سحر العرق البائد طويلاً. أدت الكأس بدقة ما خمنه من رؤيته لتعاويذها المتمثلة في انتماءات الماء والهواء. استخلصت الرطوبة من الهواء لتمتلئ. بانتهاء ذلك، أمسك بما ظنه ساعداً، رغم انعدام أيّ سبيل لمناسبته لحجمه، إذ كان أصغر من اللازم.

تمثلت التعويذة الأساسية عليه في سحر حاجز عديم الانتماء، وما إن مرّر مانا خلاله حتى امتد حاجز حوله، موفراً دفاعاً إضافياً أثناء ذلك. تمثلت الأخيرة في دائرة معدنية بدت ملائمة لرأسه، حقيقة أكدها له كون التعويذة الرئيسة عليها سحراً مظلماً.

نادَى بن وهو يرتديها: "هيي يا غريْد، أحتاج إلى يد مساعد."

"ما الأمر؟"

"سأختبر هذه، أحتاج فقط إلى استعدادك لانتزاعها مني إن دعت الحاجة."

استلقى بجانب السرطان ومرّر مانا عبرها، مستشعراً تأثيراتها أثناء ذلك. نظراً لكون السحر يؤثر عليه تحديداً، فقد ضعفت تأثيراته بشكل ملحوظ، وشك بن في كونها تفعل أقل مما ينبغي أيضاً نظراً لعدم تصميمها للتعامل مع عقل يشبه عقله، لكنه ظن أنه شعر بأثر سيجبره على التركيز. كان ذلك تطبيقا عملياً ومفيداً للسحر المظلم. توجد دائماً أوقات بالحياة يعلم فيها المرء حاجته لتكريس انتباهه لشيء ما ومع ذلك يعجز عن إدارته، وقد استطاع تخيل عنصر كهذا يُباع جيداً فاحتفظ بالفكرة لوقت لاحق.

بالنظر لامتلاكه تركيزاً مباركاً بالمستوى التاسع فلم يفعل الكثير لأجله، لكنه استطاع استنباط بضع أمور خلال فحصه.

تمتم وهو يلتقط ثلاث سكاكين متطابقة تقريباً من الكومة مجرداً إياها من تعاويذها شبه المندثرة قبل الشروع في تطبيق خاصته: "والآن حان دور اختبارها."

نفذ الأولى بطريقة النسيج التي تعلمها، وهي غالباً الطريقة الأكثر قياسية للسحر، وقرر صياغتها بحلقة النار التي يملك صلاحية الوصول إليها، لتسخين النصل. تلا ذلك محاولته لجعل سكين أخرى تظهر الأثر ذاته، ولكن بطريقة المزج التي طوّرها مع ملكه بناء على مبادئ السحر الطقوسي. بما أن طبيعتها تفرض عليه استخدام سحور أخرى لإظهار كامل تأثيراتها فلن تفلح كمقارنة مثالية بين الاثنتين، لكنها ستفي بالغرض لأهدافه.

أخيراً، حاول استخدام طريقة الحلقة التي يشهدها. أخذ تعويذة النار الراغب بالعمل معها وحاول إسقاطها على السكين أمامه، مبتدئاً من طرف حتى يلتقي بالآخر، مانحاً إياه دائرة من المانا، لكنه استطاع تمييز خطب ما فوراً. استطاع رؤية بوضوح أن تعويذته لا تبدو صحيحة مقارنة بتلك المصنوعة سلفاً، فجرّدها وحاول مجدداً. بعد محاولات عديدة أقر بأنه يرتكب خطأ ما. لنرى، لا بد من وجود طريقة محددة لجعل هذا مختلفاً، وإلا لكانوا قد اكتشفوا طريقة النسيج فحسب.

بالطبع، من أنا لأقول إنهم لم يفعلوا؟ ربما يكون هذا أكثر كفاءة بكثير، أو ربما فضلوا هذا لسبب آخر. في كلتا الححالين، إن لم أكن أمدّ مانا الخاصة بي وأربطها بنهايتها، فكيف أجعلها تعمل؟ جرب بضع أمور مختلفة، لاعبًا بالمانا لمحاولة ضبط التكوين صحيحاً، مسجلاً ملاحظات حول ما يقترب أكثر للطريقة السليمة لفعلها، جنباً إلى جنب مع ما بدا غير صحيح بالمرة، وبعد ساعات من الصراع والجهد ظفر بها أخيرًا.

تنفس الصعداء بسعادة: "نجاح."

لقد آل الأمر بأسره إلى ضغط المانا وصنع حلقتها قبل وضعها، ومع جاهزية السكاكين الثلاث اختبرها واحدة تلو الأخرى. تفاعلت طريقة النسيج كما توقع، ليأخذ النصل وهجاً أحمر سريعاً، مع تكلفة مانا أقل من تلك المتطلبة لإسقاط التعويذة الكاملة عليها ببساطة. أتي دور طريقة المزج، حيث بدت التعويذة بالحجم ذاته، بينما تجلت الاختلافات في التكلفة والأثر. استشعر سحب مانا أكثر منه لإنجاحها، وفي الوقت ذاته اشتد بياض نصل السكين لدرجة التوهج في ومضة، فألغى بن الأثر خوفاً من ذوبانها.

أخيراً، في لحظة الحقيقة، تفقد طريقة الحلقة، ممرراً مانا عبرها وممركزاً كل عقل في رأسه حول النتائج. انتهت تكلفة المانا بالمنتصف بين الاثنتين، أشبه بإسقاط المهارة كاملة للظفر بأثرها كأي شيء آخر، مع مبلغ طاقة استمده منها أعلى قليلاً من استخدام النسيج، لكنه لا يكفي للاختيار حين يحسب المرء كمية المانا الواجب إنفاقها. لم يملك سوى افتراض امتلاك العرق الساحر هكذا لكميات مانا عالية بشكل غير معتاد إن كان هذا معيارهم، لكن ذلك لم يساعده.

بغض النظر عن ذلك، توجد حقيقة واحدة تيقن منها، وهي الاستثنائية الاستثنائية للتعاويذ من حيث الاستقرار. بينما تطلبت الطرق المعتادة لعلمه صيانة عادةً بعد نحو مئة عام أو ما شابه، ربما لفترة أطول اعتماداً على مهارة الساحر الصانع لها، فإن حقيقة وجود ثلاثة أمثلة فحسب ليتمكن من تفحصها بحالة شبه مثالية جعلت تلك الحقيقة واضحة. منحه ذلك مجرد أمر أخير لاختباره إذ جرّد السكاكين وتفحصها، ليجد السكين ذات تعويذة الحلقة أصلب في الإزالة بمراحل.

تباً، لكنت فضلت امتلاك ثلاث سكاكين متطابقة تماماً لاختبار هذا، لكن إن كان هذا أقصى ما أستطيع تدبيره فلا بأس. إنه أفضل من لا شيء. شرع مجدداً بوضع نسيج على أحد العناصر، لكنه واصل بناءه هذه المرة، جاعلاً إياه معقداً قدر الإمكان حتى تحطم. لم يمثل ذلك مشكلة، بل ما توقعه. فقد تابع بدقة تامة كيفية بنائه، ودرجة تعقيده قبيل تحطمه تماماً. فعل الأمر ذاته مع طريقة المزج، معيداً تشكيل التعاويذ حتى دُمرت السكين الحاملة لها، مستغرقاً وقتاً يماثل سابقتها.

وما إن شرع في طريقة الحلقة حتى تغيرت الأمور. بناها بحذر شديد، معتنياً للغاية كون النظام غير مألوف له حتى بلغ النقطة التي تحطم عندها الاثنتان الأخريان ومضى قدماً. استطاع الاستمرار في بناء التأثيرات حتى بلغت كثافة سحرية تقارب ضعف مثيلاتها حتى استسلمت أخيراً، لتتحول السكين إلى رماد بين يديه.

<ارتفع مستوى معرفة التحرير>

قال بفرح، وبسمة عريضة ترتسم على وجهه رغم خطورة الموقف: "هذه أكثر طريقة مستقرة لصنع التحف السحرية رأيتها في حياتي! هذه الطريقة لا تتفكك ببطء فحسب، بل تخفف العبء عن الغرض المَحْمُول عليه كثيراً! هل يمكنني دمجها مع طريقتي الحالية في التحرير؟ حتى لو أصبحت أضعف قليلاً جراء محاولة دمجها وحياكتها، فالأمر يستحق المقايضة. يا للهول، أحتاج إلى التجريب أكثر بهذا، ولكن هناك أشياء كثيرة أخرى يتعين علي فعلها. تبّاً، كيف سأجد وقتاً لهذا كله؟"

كان غارقاً في أفكاره لدرجة جعلت نجاح طمع في جذبه منها أشبه بمعجزة. نلت شتائم السلطعون العالية والمصدومة قدراً يسيراً من انتباهه جعله يحول نظره عن الغرض الذي في يده نحو الجانب، حيث كان رماديّ مألوف يقف بصبر.