قال جيك بحبور وهو يجذبه إلى حضن قبل أن يغادر رفقة إيمي ويوضو لتلك الليلة، ليتركوه مع ثيرا وستيف ويل: "شكراً على الوجبة يا رجل، مرّ في وقت لاحق لنرتب موعداً تقابل فيه معلميّ".
قال له ويل: "حسناً، لقد كان هذا ممتعاً ولكن يجدر بنا البدء بالعودة قريباً أيضاً. كم تنويان البقاء هنا بعد؟ يمكننا محاولة اللقاء للمرة الأخيرة إن أردت".
قال له بن قبل أن يلتفت إلى ثيرا: "يومين إضافيين على الأرجح بالنسبة لي على الأقل. أليس لديك ما يمسكك لفترة؟".
أخبرته قائلة: "مم، لا أعتقد أن لدي مانعاً"، وبدت مشتتة وهي تستعد لمغادرة المكان متوجهة إلى غرفتها.
كان رؤيتها على تلك الهيئة سمة مألوفة طوال الرحلة، وكان يهمّ بمفاتحتها في الأمر حين ينفردان قبل أن تنجح في شلّ تفكيره إذ نهضت وطبعت قبلة خفيفة على وجنته ثم أزحت غطاء رأسها لتوتره فوق رأسها وتخفي وجهها. كانت ستيف إلى الجانب تكاد تهز ويل حماسة بينما صارع بن لجمع فكرة متماسكة واحدة في عقله.
"أه، أستنتج إذن أن الطعام قد أعجبك؟".
قالت وهي تملي بصرها على الأرض وتتساءل في ذعر عما فعلته للتو: "كان لذيذاً. آسفة، أهذا هو نوع الأمور التي يُفترض بك فعلها قبل تقديم الطعام؟".
"ماذا؟".
سارعت بالشرح: "أعني، أخبرتني ستيف وإيمي بما كتبه لباسك ولا مانع لدي بتاتاً من فعل أشياء صغيرة كهذه للانخراط في ثقافتكم إن كان ذلك يسعدك. أنت تفعل الكثير من أجلي لذا فهذا أقل ما يمكنني فعله حقاً".
عاد ليسأل: "أه، ماذا؟"، وما زال الارتباك يعتريه بينما مال ويل نحو ستيف التي بدت فجأة أكثر إزعاجاً.
همس لها حاملاً إياها على التحرك إذ سحب ثيراً إلى الجانب وقال كلاماً خافتاً انتهى باندفاعها خارج الغرفة: "لدي شعور بأنك لم تشرحي الأمور بالقدر الواجب".
قالت بعد تردد لحظة: "حسناً، سألحق بها. يا ويل، أراك في المنزل. ويا بن، مم، لا أعرف، أراك لاحقاً".
ومع ذلك ركضت خارجة هي الأخرى، لتترك بن وحيداً مع ويل الذي أطلق ضحكة خفيقة.
"حسناً، متى ما عادتي ثيرا فقد يكون مفيداً أن تتحدثا حقاً".
"أخبرتك، لقد كانت واضحة تماماً في أنها لا تريد شيئاً كهذا ولا أريد جعل الأمور غريبة بالتحرش بها. الوضع الحالي جيد".
"تلك ابتسامة عريضة جداً لشخص يظن ذلك حقاً".
لمس بن وجهه، دون أن يعي مدى سعادته بعد فعل بمثل هذا الصغر. حسناً، قد يمثل هذا مشكلة.
ضحك ويل وهو يرمقه بنظراته، حارثاً على كتفه ملوحاً بيده وهو يمضي في طريقه: "سأمرّ بعد يومين لذا أعرِفني كيف سارت الأمور، اتفقنا؟".
وقبل أن يتسنى له الرد صار وحيداً، ولعدم وجود ما يفعله توجه ليستلقي ويتعامل مع الفوضى التي اجتاحت أفكاره.
لم يمض وقت طويل، لكنه لم ينفع بشيء. كان عالقاً بين ما يريد فعله وما يظن أنه ينبغي عليه فعله. أجهده الشدّ من الطرفين فلم يستطع راحة ولا استرخاء. نهض وقرر الخروج في نزهة لاستنشاق بعض الهواء. كان ما يزال يشعر بآثار الربط، ذلك الرابط القائم بين روحه وروح ثيرا، وعلم أنها ليست في غرفتها. ربما كان ذلك أفضل. أراد التحدث إليها، لكنه لم يدرِ كيف. رغب في الصراحة وإخبارها بما يكنّه، لكنه خشي أن يؤدي ذلك إلى قطيعة بينهما.
كلا، سأصفّي ذهني الآن. لا أفكار حول تعقيدات العلاقات الشخصية. كانت أولفايد مظلمة في مثل هذا الوقت المتأخر. أقفلت الأماكن أبوابها بعد غروب الشمس. خلت الشوارع تقريباً بعد انتهاء المسابقة. عاد السياح عبر البوابة إلى أوطانهم بينما استمتع أهل المدينة بجوها الهادئ المعتاد. وبينما كان يمشي، سمع موسيقى. صوت مألوف ينبعث من حانة صغيرة. ظنها تشتيتاً مثالياً فدخل. رأى غريد في الخلف، يعزف مستخدماً الأداة التي صنعها له، ولوح له بيده.
لم يتأكد إن كان قد رآه، لكن لا بأس. اكتفى بالجلوس والاستمتاع بالموسيقى، لتذوب مشاكله معها. اندهش لوجود شخص آخر يعرفه، أو يَعرفه على الأقل، فاتجه إليه ليحييه.
قال بن للمخلوق النجمي والرسول الزميل بودّ، دون أن يدرى كيف سيكون رده: "أهلاً يا كيزل، لم أفق رؤيتك هنا".
آخر مرة رآه فيها كانت عند إعلان نتائج مسابقتهم الصغيرة. لم يظنه سيئاً، لكنه لم يستطع لومه إن حمل له ضغينة. لكنه بدا مبتهجاً ومتحمساً لرؤيته، مما أثلج صدره.
"بن، كنت أمل لقاءك مجدداً. تعال، اجلس وشاركتني بعض الوقت إن لم تكن مشغولاً".
فاجأته هذه الحيوية والبهجة، لكن بن لَبّى طلبه، مسروراً بهذا التشتيت.
"يسرني رؤيتك أيضاً، كيف جرت ولادة صغارك؟"
"أه، رائعة! فقطت البيض السبع بأمان واستطاع كل منها شق طريقه للخروج دون إلحاق أذى بالغ بي. استطاع المعالجون المناوبون علاج معظم الضرر أيضاً. أحتاج فقط للراحة لبضعة أيام، لذا تركت أمهم ترعاهم في الوقت الحالي".
بدا متحمساً جداً لدرجة جعلت بن يحافظ على تعابير وجهه محايدة رغم غرابة الموضوع. صحيح، ألم يذكر هيلوري هذا أيضاً؟ تشتت انتباهي قليلاً بسبب أمر السحر برمته في ذلك الوقت، لكني أشعر أنني شهدت أغرب سمات العالم خلال هذه الرحلة. أتسااءل إن كانت السُّعلاة... كلا، لا أفكار عن ذلك الآن. سأسأل فالك لاحقاً أو ما شابه. طرد الفكرة من رأسه، ولم يلحظ كيزل ذلك على ما يبدو، بل كان لديه أسئلة خاصة به.
"وبما أنك هنا، لا بد أن أخبرك. كيف حققت الفوز؟ كنت متأكداً من فوزنا، لكن الخسارة بعد كل ذلك كانت أكثر إثارة"، وضحك.
"أه، حسناً، بما أن المسابقة تتطلب جمع أكبر قدر من الإيمان، فقد جمعت لسماوي الأشياء رديئة الجودة. حولت غابة صغيرة ومائة حيوان تقريباً إلى مولدات إيمان ونجح الأمر بطريقة ما".
"انتظر، ماذا يعني هذا كله؟"، سأل كيزل بصوت يشتعل بالفضول المتوقع من رسول ملك المعرفة.
قصّ عليه بن القصة الطويلة، شارحاً خطته وكيف نفذها، ليزداد الرجل الآخر إعجاباً.
قال بسعادة: "حسناً، لا يمكنني الاستياء من الخسارة هكذا. ما كنت لأتخيل أبداً..."
تلاشى صوته وهما يتبادلان الحديث لتمضية الوقت. وجد بن في ذلك التشتيت المثالي عن أفكاره، ريثما تباطأت الموسيقى وتوقفت، وانضم إليهما بعد ذلك السلطعون المألوف الذي صنعها.
سأل غريد ضاحكاً، مما دفع بن لحمله ووضعه على الطاولة بدلاً من تركه على الأرض: "لم أفق رؤيتك قريباً هكذا، أيها الساقان، هل اشتقت إليَّ إلى هذه الحد؟"
"كنت أود تصفية ذهني وسمعت موسيقاك. كانت جيدة".
"هاه، لم ترني بكامل قوتي حتى. عندما أبذل قصارى جهدي، أنسج سحري في أغنيتي، لكن لا فائدة من ذلك مع حشد كهذا. على أي حال، ما بال وجهك هكذا؟"
"مثل ماذا؟ هذا وجهي وحسب".
"أه، لقد رأيت ما يكفي من أمثالتكم البشرية لألاحظ بعض الأمور. هيا اعترف بما في جعبتك".
وافق كيزل: "إن كان شيء يزعجك يا بن، فلا مانع لدي من الاستماع. بعد ما ورطتك فيه ملوكي، هذا أقل ما يمكنني فعله".
لم يكن متأكداً إن كان يريد التحدث عن الأمر، لكنه مع ذلك لم يدرِ كيف يتعامل معه، وكان عليه اتخاذ قرار بشأنه عاجلاً أم آجلاً. لم تكن الخيارات أسوأ من التحدث إلى رجل متزوج أنشأ عائلته للتو، وشخص يبدو أن لديه خبرة واسعة مع النساء. لذا، مدفوعاً برغبته في إخراج ما في صدور، باح بما حدث، وبمشاعره، وبصراعه معها، وانتظر ليرى ما سيقوله أحدهما. كان غريد سعيداً بمشاركة رأيه أولاً.
قال بفظاظة: "الحبة خدعة، إياك وفعلها. بالتأكيد، قد يبدو كل شيء مشمساً ومميزاً في البداية، لكنك ستجد طفلاً عملاقاً يحاول أكل لحمك. لا يستحق الأمر عناء".
قاطع كيزل: "سخف. لا توجد متعة أعظم للأب من تقديم جسده لأطفاله، والبقاء على قيد كان مجرد مكافأة"....كان يجدر بي طلب النصيحة من بشر آخرين حقاً بدلاً من هؤلاء.
أمضى بضع دقائق أخرى في الاستماع إلى جدالهما حول فضائع تربية الأطفال أو محاسنها قبل أن يضع حداً لذلك.
"يا رفاق، أنا لا أفكر في الأطفال، بل أفكر فيما إذا كان يجدر بي إخبارها بما أشعر به أصلاً".
قال غريد ببساطة بينما أومأ كيزل موافقاً: "أه صحيح، نعم، أقول افعلها".
"أنا متفق معه. ما الضرر في ذلك؟"
"تحطيم أهم صداقة في حياتي؟"
أشار المخلوق النجمي قائلاً: "إلا إن كنت قد قلت إنها تعجبك هي الأخرى أيضاً. قد يكون اتخاذ الخطوة الأولى مخيفاً، لكن إن كانت رافضة للرومانسي كما ذكرت، فقد لا تدرك كيف تقترب إن غيرت رأيها. إن عرضت نفسك وأظهرت أنك خيار وارد، فقد يصبح الوضع حرجاً، لكن قد ينجح الأمر أيضاً. لنتخيل أنك اخترت المضي قدماً للحفاظ على صداقتك، أَتظن أنها ستكون سعيدة برؤيتك مع شخص آخر؟ إن كنت أنت من انتشلها من العزلة التي رغبت بها، فإن وجود شخص آخر في حياتك يوماً ما سيترك الأمور معقدة بالقدر نفسه".
لم يستطيع إنكار ذلك. تفاعلت ثيرا بقوة كافية لمجرد رؤية ميرسي تقتطع قضممة منه، فلم يستطع تصور أن الأمور ستكون إلا محرجة مع شريكة رومانسية أخرى، هذا إن أراد واحدة من الأساس. لم يرغب بالمواعدة لمجرد المواواعدة، أرادها هي بالذات....اللعنة.
قال وهو ينهض مستسلماً لأي نتيجة ستؤول إليها الأمور: "حسناً، أنت محق، سأخبرها".
حتى إن لم تسر الأمور جيداً، وحتى إن تركتها تشعر بالحرج لفترة، لم يظن أنه سيكون راضياً إن لم يفعل. سيظل يستعيد الأمر، متسائلاً كيف كانت ستسقط الأمور لو أنه تحلى بقليل من الشجاعة، وهو لا يريد ذلك. أراد أن يرى إن كانت أفكارها حول الموضوع قد تغيرت حقاً، أو بدأت تتغير على الأقل. بدا الرسول الآخر راضياً تماماً عن خياره.
"حظاً سعادياً يا بن، أنا أتشجع لك".
نادى غريد موقفا بن في مكانه: "وقبل أن تذهب، هناك أمر أخير. أستطيع استخدام مساعدة في الحمل".
لم يملك بن إلا أن ضحك، فحمل السلطعون ومكبر الصوت ومضى في طريقه: "ستكون هذه المرة الأخيرة قبل أن أتي لتحصيل الأجر، فلنسرع قبل أن أفقد شجاعتي".
تسلّلا عبر الشوارع المظلمة الخاوية يتبادلان الحديث بلا اكتراث كبير. راح بن يحكي بحماس كيف انتهت المسابقة. وفي المقابل أخبره غريد بما جناه من نفع من مكبر الصوت حتى الآن وما شاهده من عروض أثناء تواجده في البلدة.
"أنا أقول فقط. إن وافقتك. فموعد غرامي أول يتخلله عرض من غريد الفريد نفسه سيجعله مميزاً للغاية".
"هاه. عذراً. أعدّ شيئاً خاصاً لذلك العرض. استخدامُه في موعد غرامي ليس الخيار الأفضل لي".
"أرجل الجحيم. لقد أنقذت حياتي أيضاً. يمكنني أن أمنحك واحدة أخرى على حسابي. لست حقيراً إلى الحد الذي يمنعني من ردّ الجميل".
"مم. في هذه الحالة ربما. سأفكر في الأمر مطولاً بعد أن أسمع ما ستؤول إليه".
مجرد الفكرة أثارت في جوفه اضطراباً وعصّبت أعصابه. رغم كل ما خاضه منذ أن استقر به المطاف في هذا العالم. لم يستطع إلا أن يشعر بتوتر من هذا الأمر يفوق أي شيء آخر. لقد تدليت حرفياً من عنق وحش بحري. لا المفترض أن يوتّرني هذا القدر من التوتر. لكن أفكاره المشوشة صارت سبب سقوطه. دون أن يلحظ أحداً يتقدم من خلفه. أحس فجأة بأيدٍ تطوق ذراعيه وفمه يُكمم. كان المهاجمون أقوياء بما يكفي لتقييده رغم مكاسب القوة التي حصدها فور إيقاظ مهارته.
"مهلاً. من بحق الجحيم أنتما!"
صرخ غريد بصوته الخافت جداً إذ لم يكن مكبر الصوت مهيئاً لجذب الانتباه.
"مهلاً. ليساعدني أحد هنا!"
"تباً. معه مرافق"تمتم أحد الرجال بينما أصدر آخر توجيهات.
"ليمسك به أحدكم أيضاً ويُخرسه. لننهِ هذا سريعاً".
أقبل رجال آخرون وأخذوا غريد بينما سُحل بن عبر الأزقة الخلفية. مُكمماً ليُمنع من الصراخ وعاجزاً عن الفرار. بكل ما بات يملكه من قوة. ظل رجلاً واحداً واستطاع رؤية ستة يحيطون به وهو يحاول الإفلات. ميرياد. نداء استغاثة مجدداً يا رجل! سيكون رائعاً حقاً إن أجب هذه المرة! <هاه. ما الأمر الآن يا بن-> استهلّ سيده كلامه ليرتاح قليلاً قبل أن يستوعب ما يجرور. <ما هذا الجحيم اللامتناهي!
كيف يحدث لك هذا مجدداً! أين هم— انتظر تتباً يا بن يجب أن تنجو من هناك فوراً! سأتنبه الكنيسة المشتركة لترسل بعض الفرسان لكننا لا نملك سوى دقائق وستتم توشك على الهلاك! لا يهم إن قتلت أحداً أو كسرت أي عظام لك في سبيل ذلك. اخرج من هناك فوراً!> تناهى إلى سمعه اليأس في صوت ميرياد وهو يصرخ في رأسه. لكنه ظل يتخبط عاجزاً عن الإفلات. كانت يداه محكمتين ولم يحمل معه أي أسلحة على أي حال.
ولم تكن في حذائه بطاقات مانا في تلك اللحظة ناهيك عن افتقاره لأي مهارات قابلة للاستخدام. حاول الاتصال بهم عارضاً إياهم لكامل قوة عقله المذعور. لكن أياً منهم لم يكن يلمس لحمه. بل تعلقوا بمعطفه وهم يجذبونه. لم تكن هناك أي سُبل للنجاة. لم يملك شيئاً وما إن أبصر مكانه حتى أدرك تماماً ما سيحدث ولماذا بلغ الذعر بسيده ذلك المبلغ حين جُذب إلى باب برج كبير. أومأ الحارسان اللذان على جانبيه للرجال الذين أحضروه ليفتحا الباب ويقذفا به مع غريد.
محتجزين إياهما معاً في اختبار الملك الهالك.