زدحم المتجر في اليوم التالي عن آخره. انتشرت شائعة بيع المكيفات بسرعة البرق، ممّا أدى إلى تدفق مستمر للزبائن دخولاً وخروجا، ولم تقتصر زيارة كثيرين منهم على قضاء حاجتهم، بل طال بهم المكوث هروباً من القيظ. كان المتجر يختص أصلاً ببيع الأسلحة، غير أنه لم يخلو من بضائع أخرى حرص بن وفالك على إبرازها بوضوح، أملًا في تحقيق مبيعات إضافية بينما يتوافد أهل البلدة للحصول على ما يقصدونه حقاً.
عرض فالك سلعاً عدة كالأواني والمقالي وسكاكين المطبخ المتاحة للبيع الفوري، في حين سرعان ما صنع بن أشياء أصغر حجماً لتجذب الأطفال الصغار الذين يصحبهم آباؤهم؛ أقراص طيران رُبطت بها تعاويذ هوائية لإطالة أمد تحليقها، وأقراص معدنية دوارة مزودة بتعاويذ أرضية لتحافظ على دورانها، وابتكاره الأبرز الذي أتى به لجذب انتباه الزبائن؛ آلة صنع المثلجات المجروشة. شرح الفكرة لفالك قبيل فتح المتجر فرحب بها ترحيباً حاراً، وتعاون اثناهما على صنعها سريعاً ليتبقى لبن متسع من الوقت لتطبيق التعاويذ المتنوعة اللازمة لتشغيلها.
وبدلاً من الثلج المجروش الذي كان يسهل عليه الحصول عليه في عالمه، صمم الآلة لتنتج ثلجاً مستمراً من الماء المعبأ بداخلها، مما منحها قواماً خفيفاً ولذيذاً. وفي تلك الأثناء، ركض فالك لجلب إبريق كبير من الماء لإمداد الآلة باستمرار، إلى جانب بعض عصائر الفواكه لتنكيهها، ومع انقضاء ساعات النهار، تبين بوضوح أن الابتكار حقق نجاحاً ساحقاً. وكمن التحدي الأكبر في مواكبة الطلب المتزايد على كل شيء.
تولى فالك صناعة المكيفات وإتمام المبيعات، بينما تفرغ بن لإضافة التعاويذ إليها وتقديم المثلجات. لم يسبق لأي منهما أن رأى المتجر بهذا الاكتظاظ، ومع روعة الأمر، إلا أنه عنى عدم توفر أي وقت للعمل على سواه. تراجع المخزون تدريجياً، وحين نفدت البضائع لم يمتلكا حتى متسَفاً لصنع المزيد، في دلالة واضحة على مدى أهمية الاستعداد لليوم التالي. فما زالت تنتظرهما أيام حارة كثيرة، وكانا على يقين من أن البلدة بأسرها لن تتوافد مرة واحدة.
لم ينقطع هذا النسق سوى لفترة وجيزة حين مر ساعٍ شق طريقه وسط الحامدين ليسلم فالك رسالة لم يجد وقتاً لتأملها قبل العودة لعمله، لكن بن نسي ذلك الانشغال التام وهو يحاول إنجاز أمر آخر بالتزامن مع مهامه كافة؛ تطوير مكتبة مهاراته. فما زالت الصفقة قائمة بينه وبين معلمه، إذ يحصل الزبائن على تخفيضات طالما امتلكوا مهارة يجهلها أو أخرى يعرفها لكن بمستوى أعلى مما رآه من قبل، ومع وفود أفراد لم يكن لديهم قط سبب لارتياد متجر أسلحة، عثر على كثيرين يحملون مهارات متعددة ومستعدين تماماً لتلك الصفقة، مما يعني أنه وفوق يومه الشاق، راح يصنع خواتم المهارات ويبذل قصارى جهده لتحديث كتاب مهاراته تفادياً لأي تكرار.
يصعب التعبير عن مدى ربحية ذلك الوقت بالنسبة له. فكثير من المهارات التي حوتها خواتمه والتي اقتصرت حين تلقاها من زاندال على المستويات من الصفر وحتى الثاني، باتت متاحة له الآن في مستواها الخامس، فضلاً عن جبل من المهارات الجديدة. وتمثلت إحدى أبرز ميزات العيش في بلدة تتألف من أعراق وجماعات هجينة عديدة في التنوع الهائل الذي أمكنه الظفر به. فمن الوصول إلى أشكال تخصصية من السحر كالصوت والتطهير، إلى الأشكال الدنيا من السحر المدمج كالإنفجار والطين، وصولاً إلى مهارات لم يسمع بها قط كالحدة والسقوط، غدا هذا أفضل أيام عاشها منذ مدة طويلة.
ومع ترجيح أن تبدو أشكال السحر الجديدة التي يشاهدها أسوأ حالاً مقارنة بأشكالها الأساسية — لقدرته على التطعيم بسحر الانتماءات القياسية بمستوى يفوق بكثير مستويات اكتسابه لتلك الأشكال المتخصصة — إلا أنه لم يكترث. لقد كانت الذريعة لتعلم المزيد عنها، ومن ثم التعرف على السحر بأسره. كيف له أن يفوت فرصة كهذه؟ وفي ظل حجم المبيعات الضخم، لم يكن ليخسر شيئاً باكتسابه بضعة أشياء لا يحتاجها.
وبينما أندمج في إنجاز تلك المهام، احتفظ بوفرة من العقول المتاحة، تعج بالأفكار حول سبل توظيف المهارات الجديدة المتوفرة بين يديه، وما سيبدعه، وكيف سيدفع بها إلى أقصى طاقاتها. شعر وكأنه نال لتوّه الأدوات التي تلزمه للارتقاء بصناعته الحالية وتعاويذه إلى آفاق أبعد بكثير من واقعها الراهن، وهكذا انصرمت الساعات، متوالدة في عقله أفكار أشد تعقيداً بينما خفت تدريجياً تيار الزبائن حتى تمكنا أخيرًا من إغلاق المتجر.
قال فالك وهو يمسح العرق عن جبينه، لا من الحر بل من الركض المتواصل: "أحسنتم الصنيع اليوم يا بني. أظن أن بوسعنا توقع بضعة أيام أخرى على شاكلة هذا اليوم، مع بقاء معدل مبيعاتنا مرتفعاً طالما واصلنا بيع هذه المثلجات والطقس بهذه الحرارة. فلنأخذ قسطاً من الوقت لتعويض بعض المخزون ثم ننعم براحة مستحقة".
قال بن: "يبدو ذلك رائعاً، سأشرع في صنع بعض المقالي ثم أقرر وجهتي التالية بعد ذلك".
أومأ المعلم برضا بينما توجه بن لالتقاط المواد التي تلزمه، وما إن استرد فالك أنفاسه بعد يوم طال حتى فض أخيراً الرسالة التي نبذها جانباً في وقت سابق، فالتوى جبينه غضباً مع قراءة كل سطر. أما بن فغفل عن تدهور مزاج معلمه المفاجئ، منغمساً في عمله، ينتقل من مقلاة لأخرى بخطى حثيثة لا ليكتفي بتعويض ما باعوه فحسب، بل ليحقق فائضاً يفوق حاجة الغد. لم يكن عملاً بالغ الصعوبة، ولم يستطع القول إنه يدفع نفسه نحو مستويات ارتقاء أسرع للمهارات، غير أن لإيقاعه المنتظم شيئاً مرضياً، إذ استغرق في مهمته متنقلاً من مقلاة لأخرى، تخرج الواحدة تلو الأخرى بإتقان تام، أو بأقرب درجات الكمال الممكنة.
ولم ينتبه لمعلمه القريب وهيئة وجهه إلا حين نفد المعدن من بين يديه.
"أوه، أنباء سيئة يا فالك؟"
"تباً، مجرد مزعج أقحمم أنفه في شؤوني لا غير. قد يكون التعامل معه عسيراً بعض الشيء. علق أمر المقالي الآن يا بني، أرني إياك تشتغل على شيء آخر".
"أه، بالطبع، ماذا؟"
"أياً ما تشعر به. أنت فنان إلى جانب كونك حرفياً، أليس كذلك؟ أرني ما يصرخ به قلبك. اصنع لي أفضل غرض تستطيع إنجازه".
ما يصرخ به قلبه ها؟ ليس سؤالاً هينأً. لم يدرِ كنه الدافع وراء تساؤل فالك، لكن معلمه بدا جاداً فأولى الأمر تفكيراً ملياً. إن سنحت له صناعة أي شيء، فما عساه يصنع؟ في الواقع، لقد أحب صنع الأشياء عموماً. وقبل قدومه لهذا العالم استهواه الفنون بكافة أشكالها، أو بكل ما استطاع منها شخصياً، وإن حُسبت مزة واحدة لاستقراره هنا فهو إتاحة الفرصة له لخوض تجارب أغزر بكثير. أكان هناك حقاً ما يبتغي صنعه ولم ينجزه بعد؟
لقد امتلك من المال والموارد ما يتيح له الانخراط بسهولة في أي نزوة تستهويه. لا يمكن أن يكون سلاحاً، فصنعها ممتع لكنها لا تنادي صميمه كشيء يبتغيه في جوهره؛ ربما درع؟ اعترف بأنه لا يبدو الخيار الأصوب أيضاً، بغض النظر عن مدى رغبته في تحسين حظوظ بقائه على المدى الطويل. ثمة إلحاح حقيقي لصنع خوذة أو ما شابه عاجلاً أم آجلاً لكن ليس هذا وقتها. ربما شيئاً من عالشيء من عالمه...
شردت أفكاره وهو يفكر في الشيء الوحيد الذي استطاع القول إن قلبه يصرخ من أجله حقاً. أمر لن يقدر على خلقه أبداً في هذا العالم، ليس بأي صورة مجدية، ولكنه موضوع أراد بذل الجهد فيه على أي حال فور مرور الفكرة بذهنه.
"سيكون عملاً تعويذياً أكثر من أي شيء آخر، أيمثل هذا مشكلة؟ لا زال يتعين علي صنع الغرض الحامل للتعويذ".
"لا باس. أرني أفضل أعمالك".
لاحظ فالك التغير في عيني تلميذه قبيل طرح السؤال، إذ غمرتهما حزنة رقيقة، إلى جانب التفاني اللازم لتجسيد أي رؤية تختلج بصدره إلى واقع ملموس. وبدون أدنى فكرة عما سيُعرض عليه، ترقّب بصبر، مركّزاً بتمامه على تفاصيل عمل الصبي. بموافقة معلمه، توجه بن إلى مستودع التخزين والتقط المواد المطلوبة. لم تكن القاعدة بالشيء المعقد للغاية، واقتصرت حاجتها على وعي قادر على احتضان تعويذ سحري ضوئي بالغ التعقيد، لينتهي الأمر بقرص فضي مسطح بحجم طبق تقريباً.
وفور الفراغ من ذلك، أغمض عينيه واغتنم لحظة ليركّز تماماً على الصورة المرتسمة في رأسه. في ظل عدد العقول الهائل المتاح لخدمته، وكل منها يكابد باستمرار للعثور على سبل تسليته، لم تكن هناك حاجة حقيقية لذلك، بيد أن معلمه أراده أن يبذل قصارى جهده، فأخذ وقته في التخطيط المتأني لكل تفصيلة دقيقة، قبل أن ينتقي جميع الخواتم التي ارتأى إمكانية استخدامها من مكتبة مهاراته ويباشر بناء التعويذ.
راقب فالك من جانب، بينما استقرت حواسه الماناتية بيقظة تامة على رصد ما يفعله الصبي بدقة. فحتى لو كانت مهارة مباركة، عجز عن تصديق قدرة شخص لا يتجاوز مستواه في التعويذ الحد الثامن على التعامل مع المانا بمثل تلك الرهافة كلما شاهدها، إذ بلغ مستوى التحكم السحري الفطري لدى الصبي حداً مذهلاً. فحتى بغير رغبته في اختباره تيقن من كفاءته، لكنه رام معاينة مدى تقدم بن قبل طلب صنيع منه، وتأكيداً لما علمه منذ البداية.
إن كلف بن بما سيطلبه منه، فلن يخزي الصبي نفسه، بل سيغدو منافساً على القمة. وحين أتم بن عمله، وتقاطرت قطرة عرق من جبينه على شفا الإرهاق الماناتي، أطلق فالك صفيرة خفيضة.
"لا تفشل قط في إبهاري يا بني، هذه تحفة فنية بحق".
"ها، شكراً لك، بيد أنني لم أقم بتشغيلها بعد".
وهناك حيث استقر، بلا مانا تسري خلاله، لم يعدو كونة قرصاً عادياً لمن يفتقر لحس ماناتي مطور للتعاويذ، أما بالنسبة لبن وفالك، فبدا مقدار التقنية والمهارة جلياً وضوح الشمس. لم يتمالك بن نفسه عن توجيه النقد لذاته، ملتمساً مواطن للتحسين ومقارناً مهارته بأي شيء من معلمه وتلك الخاصة بأغراض الملوك، بينما لم يملك فالك إلا مقارنته بنفر قليل من السحرة المباركين ممن التقاهم، وبنفسه حين كان في ذلك المستوى، مدركاً تماماً عجز سواه أو عجزه هو عن بلوغ مرتبة المهارة التي يواصل الصبي إنتاجها لو التقيا في ذات المحطة من الحياة.
هز اليتي رأسه، متوقاً لمعاينة ما سيتجلى فور سريان قليل من المانا عبره، لكنه أرجأ الأمر لطرح سؤال.
"إذن لمَ لا تخصيص موضع لبطارية المانا خاصتك؟ يبدو جلياً صعوبة إمداد ذلك بالطاقة وحدك لفترة طويلة، كما أن تخصيص موضع لها لن يضرك بشيء".
قال له بن بابتسامة حزينة وهز برأسه وهو يلامس جانب القرص، ضاغخاً ما تبقّى من مانا لديه داخله ومفعلاً التعويذ الضوئي الذي يشكل لبه، مما جعل فالك يدرك قصد الصبي. ومع سريان المانا داخله، تشكل مشهد فوق القرص، وهمس سحري ضوئي يماثل ما يملكه في مشغله الموسيقي، لكن بدرجة بالغة العلو في التفاصيل والتعقيد، عارضاً مشهداً يجمع بين الغرابة والألفة. إنه النمط المعتاد الذي يألفه أي كان، عائلة تلهو في حديقة، وأبوان يراقبقان بابتهاج من الجانب ابنها الصغير وهو يركل كرة، مستمتعين بالشاش والنهار.
لم يعنِ هذا ما دار بخلد فالك حين سأل، لكنه مثل دون أدنى شك ما تاق إليه قلب بن، وإن استحيل منالاً عليه، ووقفا الاثنان في صمت بينما تلاشت صورة عائلته.