<ارتفع مستوى معرفة السحر> <ارتفع مستوى القراءة السريعة>
قال بن بسعادة لليوكي الممدد على الأرض وهو يُنهي كتابه: "جميل جداً، ارتفع مستواي في القراءة السريعة ومهارة المعرفة".
بينما لم يكن بن يعاني من موجة الحرّ بفضل التعاويذ المحاكة في معطفه، لم يكن معلمه بمثل ذلك الحظ. لعل الفرو الأبيض الكثيف الذي يكسو جسد فالك كان مثالياً لعالم موطنه الأصلي والمناخات الأشد برودة هنا، لكنه أظهر آثاره القاسية وسط موجة الحرّ، حتى بالنسبة لشخص اعتاد قضاء طوال اليوم أمام الموقد.
سأله معلمه رافعاً بصره إليه: "لا تقل لي إنك أنهيت كتاباً آخر للتو؟".
ثم أردف: "ألم تشرع فيه قبل ساعة فقط؟".
كان ذلك الكتاب الخامس الذي يطالعه في ذلك اليوم، ولم يكن أيّ منها قراءة سهلة. من الخوض في كتب دراسية ضخمة حول سحر الحياة والنار المتقدم، إلى القراءة أخيراً عن سحر الفضاء المُستيقظ اللازم لبناء البوابات، مروراً بكتاب عن حدود السحر، وختاماً بكتاب عن المهارات عموماً؛ كان من حسن حظه قديماً أن يفرغ حتى من واحد منها في يوم واحد، لكنه اهتدى إلى حيلة عملية لسرعة إنجازها بتوظيف مهاراته.
أوضح بن، وشعر وكأنه يتبجح قليلاً: "بما أن العقل المركب يساعد في تغيير منظور يمنحني عقولاً إضافية، أستطيع استخدامه مع القراءة السريعة لقراءة أجزاء متعددة من الصفحة دفعة واحدة ثم إعادة ترتيبها لتكتمل في رأسي".
ثم أضاف: "إنها لحيلة مفيدة حقاً. ومع استمراري في اكتساب عقول جديدة ورفع مستوى القراءة السريعة، ستزداد سرعة الأمر لا محالة".
هزّ فالك رأسه وقال: "لو صادفك يوماً شخص يمتلك مهارة قراءة الأفكار لأشفقت عليه. لم أسمع قط بأحد يوظف مهارات العقل مثلك".
"ما عساي أقول، عليّ استغلال نقاط قوتي. على أي حال، أعلم أننا اتفقنا على إطفاء الموقد اليوم، لكن..."
"إن حاولت فسأرميك خارجاً. أتريد قتل أيها الفتى؟"
"لكن يا فالك، لدي نظرية حول كيفية السحر بمهارة الربط، ويجب عليّ اختبارها!".
منذ أن فشل في استخدامها قرية الدرياد، وهو يقلب الفكرة في ذهنه، محاولاً إيجاد سبل لتنجح، وبمجرد فراغه من كتابه الأخير ظنّ أنه وصل إليها أخيراً.
"يبقى الموقد مطفأً ما لم تفعل شيئاً لتبريد المتجر، فأنا أنصهر هنا امّا".
"ممم، أعني، لا أظن الأمر بالغ الصعوبة حقاً، لكني ما زلت بحاجة لصنع شيء يشبه المكيف لحمل السحر على أي حال".
تذمر معلمه: "كنت أتوقع ذلك. باشر العمل بدل مراقبتي أعاني طوال الوقت".
قال بابتسامة خجولة وهو يحك مؤخرة رأسه: "هاه، آسف. كنت منصبّ التركيز على كُتبي فحسب، أتعلم؟ على كل حال، أتسمح لي باستخدامه لأرى إن كان بإمكاني صنع شيء لك إذن؟".
بدل الموافقة، نهض معلمه ورمى إليه ورقة وقلم رصاص.
"ارسم تخطيطاً لما تحتاجه لذلك وللأداة الأخرى التي تريد صنعها، وسأتدبر الأمر دون أن أموت حرّاً".
فعل ما أمره به معلمه، فرسم تخطيطاً دقيقاً لما يحتاجه وشرحه بتفصيل أكبر بينما كان فالك ينصت. الأداة التي أراد اختبار الربط عليها كانت بسيطة للغاية، عبارة عن بوصلة أساساً. أما مكيف الهواء السحري الذي خطط له فكان أكثر تعقيداً بقليل. ومع توفر الكثير من العناصر القادرة على إنتاج تأثير تبريد، إلا أنها عانت من عيبين. تمثل الأول في ضعفها إن لم تكن محاطة بإحكام كصندوق التبريد وبُعد المستخدم عنها، وتمثل الثاني في استهلاكها قدراً هائلاً من المانا للعمل لفترات طويلة.
ورغم تلك المشكلات، لم يتواجد الكثير منها البلدة نظراً لارتفاع الحرارة غير المعتاد. لو كان هذا الطقس هو المعتاد، لشكّ في أن معلمه كان ليختار العيش هناك بيتاً. لكن بالنسبة لبن، لم تعد هذه مشكلات. فهو ليس مجرد ساحر محترف بعد كل شيء، بل ساحر من المستوى الثامن جعل منه مهارته المباركة. وبجمع تلك الحقيقة مع قدرته على استخدام الاتصال، بات بإمكانه صنع ما يفي بالغرض حتى دون إضافة بطارية مانا إليه، رغم أنه أبقى على مساحة لواحدة تصميمه، وهو صندوق يضم مروحة دوارة ومجمع مياه في الأسفل.
فور أن شرح كيف يفترض أن تبدو وأحجام كل منها التي يحتاجها، شرع معلمه العمل، فتوجه نحو مستودع التخزين لجلب المعدن والحجر اللازمين قبل الشروع في العمل بطريقة لم يكلف نفسه قط عناء إظهارها لبن من قبل، حيث راح يشكلها بسحر الأرض. تابع في صامت بينما كانت المواد الخام تعيد تشكيلها أمام عينيه لتطابق رسوماته، سالكة كالماء حتى استقرت في مكانها، لتنتهي في ثوانٍ معدودة.
تمتم، لنفسه غالباً قبل أن يوجه كلامه لمعلمه: "يا للهول ليتني أستطيع استخدام السحر. ولماذا لا أراك تفعل ذلك أبداً إن كنت تجده بهذه السهولة؟".
هزّ معلمه كتفيه وقال: "تنال نتائج أفضل إن استخدمت الحدادة والسحر معاً. وبما أن هذا ليس خياراً متاحاً لك تحديداً، فلا فائدة من استعراضه، لكنه يجعل العمل أسرع بكثير".
"أفٍ، إذن لهذا السبب لا تزال أسرع مني بكثير. يا رجل، لن أبلغ كفاءتك قط حتى لو استيقظت مهاراتي، أليس كذلك؟".
من بين جميع تقارب, كان اثنان في غاية الفائدة عند استخدامهما جنباً إلى جنب مع مختلف تخصصات الحرف اليدوية، وهما الأرض والنار، بينما استخدم الماء والموت في الخيمياء. ولا عجب في أن منتجات معلمه كانت فائقة الجودة وهو يمتلك اثنين منها تحت تصرفه فضلاً عن أي مهارات مستيقظة أخرى، مما جعل بن يشعر بحدوده الخاصة أكثر فأكثر. وحتى لو استطاع السحر لتلك العناصر، تعذر عليه إجبار نفسه على استخدامها بفعالية في عملية صنعه، وهو عجز لم يستطع دفع شعوره به.
شجعه فالك قائلًا قبل أن يعيد تركيزه على ما هو أهم: "لا تحتاج إلى السحر لتكون حرفياً عظيماً يا بني، أقرّ بأنه يساعد، لكنك تتفوق بالفعل على ما رأيته من أغلب الآخرين الذين عرفتهم. بدل القلق حيال ذلك، انشغل بقلقك من طهي معلمك حياً قبل أن أحسن نقل كل ما أعرفه".
أجابه وهو يمسك الصندوق ويبدأ في نسج ومزج تعاويذه: "حسناً، امنحني ثانية".
بينما يستخدم معظم الناس تعويذة ماء أو هواء عند صنع جهاز تبريد، فقد مزج الأمور باستخدام تعويذة نار أكثر تقدماً مع دمج خصائص العنصرين الآخرين لتعزيزها. وخلافاً لتعويذة النار النموذجية المصممة لإطلاق الحرارة والألسنة، فقد صممها لتعمل بالعكس، بحيث تسحب الحرارة من الهواء المحيط بينما تستخدم تعويذة الماء لزيادة تبريده، مع تسخير خصائص الهواء في السحر لتدويره أنحاء الغرفة.
وكمسة أخيرة، أضاف سحر ماء إضافياً إلى الحوض في القاعدة، مما سمح له بسحب الماء من الهواء لخفض الرطوبة وحفظ الأجواء أبرد. وما إن أضاف بطارية مانا بيضاء حتى حدث تغيّر فوري إذ تنشطت التعاويذ وبدأت درجة حرارة المتجر في الهبوط. وبدا وكأنه يرى معلمه يعود إلى الحياة أمام عينيه وهو جالس أمامه، تاركاً الهواء البارد يتغلغل عبر فروه.
استهل كلامه بصوت يغمره مستوى من البهجة والمودة لم يعتد سماعه من اليوكي: "يا بني، هذا أعظم ما صنعته قط".
"شكراً، لكن من المذهل كم أن هذا غير صحيح بتاتاً. على أي حال، سأختبر إن كنت على المسار الصحيح بنظريتي حول الربط، أسدِ لي معروفاً واصنع صندوقاً آخر أحمله لثيرا وصونيا".
أطلق همهمة استحسان اعتبرها موافقة، فترك بن معلمه يستمتع بالهواء البارد بينما ركّز على البوصة التي نوى محاولة سحرها، متناولاً قطعة معدنية صغيرة لاختبارها وباشر العمل. كانت نظريته بسيطة، رغم انعدام أي سبي لليقين بصحتها. فمن مطالعاته لمهارات مماثلة، تيقن تماماً من أن المهارات التي تربط الناس بطريقة ما تتألف من ثلاثة أجزاء رئيسية.
هناك محدد الموقع الذي يمثل بأساسه قول المهارة "أنا هنا"، والكاشف الذي يتتبع محدد الموقع طوال الوقت، وبصمة فريدة في داخله تمنع الكاشف من الارتباك إن تواجد أي فرد آخر يمتلك المهارة حوله.
فإن صدق حدسه، فكل ما يتطلبه الأمر هو بناء بصمة جديدة، شيئاً لا يتصرف كمهارة بحد ذاته، بل يستند بمرونة إلى السحر المستخدم في رداء فانتايل، حيث لا توضع التعاويذ المستخدمة في السحر بطريقة تظهر أياً من آثارها الحقيقية. لم تكن محاولة معرفة كيفية إنجاز ذلك عملية سريعة، بل بنيت على كل ما تعلمه منذ قدومه إلى العالم وهو يبني ويهدم تعاويذه، باحثاً عن واحدة تثمر النتيجة المبتغاة.
وبعد ساعة من المحاولات ظفر بنجاحه أخيرًا.
هتف مبتهجاً وقد تراجع شعوره السابق بالإحباط حيال افتقاره للسحر وهو يراقب إبرة البوصة تتبع القطعة المعدنية الصغيرة أثناء تحريكها: "يا للروعة، لقد فعلتُها! لنرَ، يبدو أنه يتطلب كمية محددة من السحر لتُمزج بشظايا مهارات أخرى، ويتعين تحميل كلا العنصرين ببعض المانا، لكن هذا اللعين يعمل!".
"عمل جيد يا بني. احرص على تدوين الطريقة لنتمكن من إرسال تقرير إلى نقابة الحرفيين. وبما أن أحداً تقريباً لا يمتلك المهارة أشك في قدرتك على جني الكثير منها، لكنه اكتشاف جيد".
"شكراً يا فالك، أنا... انتظر، ما هذا كله؟"
قالها والتفت إلى معلمه، ليرى أنه لم يصنع مكيف هواء واحداً، بل العشرات منها، وكلها تنتظر التعاويذ.
"ألقيت نظرة فاحصة على ما صنعته، وينبغي أن تملك تعويذتك تكلفة مانا منخفضة بما يكفي حتى بدون بلورة مانا لتشغيلها. ومع طقس كهذا، لا يمكننا ببساطة الامتناع عن بيع شيء مماثل، لذا ابدأ ببناء تعاويذك وسنعود لاستخدام الموقد غداً إن لم تكن الأمور مشغولة أكثر من اللازم بالنسبة لنا".
لم يستطع إنكار كلمات معلمه حقاً. فحتى لو كان من السهل عليه تجاهل الأمر بفضل معطفه، لا بد أن الكثيرين في البلدة سيرغبون بشيء كهذا، وبناءً على ذلك، انبرى للعمل.
بعد أن أغلق المتجر، مرّ بالنقابة ليتسلم بعض الكتب التي طلبها. وبما أنه أصبح مغامراً من الرتبة الثالثة رضي أم أبى، فقد نوى الاستفادة من جميع مزايا ذلك الدور إلى أقصى حد، وتحديداً المعلومات التي ستعمل النقابة على توفيرها له بجد. لقد كان يطلب أكواماً من الكتب أكثر حتى من تلك التي حصل عليها أثناء وجوده في أنايليا، مع تركيز خاص على وحوش العالم والمواد التي يمكن استخراجها منها.
وبفضل رتبته، تمكن من الحصول عليها بنصف التكلفة التي كان سيدفعها عندما كان في الرتبة الرابعة، وحتى إن لم يكن بحاجة ماسّة لتلك الوفرة المالية، فقد كانت مكافأة لطيفة. لم تكن الكتب المتعلقة بالوحوش وحدها هي ما حصل عليه هذه المرة أثناء حمله لها إلى البيت، بل كتباً عن الأشباح أيضاً. وفي أشكالها الأنقض، كانت أرواح المخلوقات التي لم تعبر ببساطة، ونظراً لأن المعلومات عن الأرواح كانت موضع اهتمام بالنسبة له، فقد كان يعتزم تعلم كل ما يستطيع عن الموضوع، مستخدماً أي موارد يمكنه التدبّر فيها.
ترك تلك الأفكار تتلاشى عندما وصل إلى البيت، إذ كان أول ما رآه حين بلغ غرفة المعيشة هو ثيرا، وهي تمدّدة على الأرض تقرأ كتاباً بفتور بينما تروح عن نفسها بليلها. كانت عادة ما تلفه حول خصرها، وهي عادة طورتها لمنع الناس من التعرض لسحرها إن تسلل يوماً خارج عباءتها، لذا كان رؤيتها تستخدمه ذا جاذبية خاصة. لطيفة. لم يستطع منع نفسه من التفكير في ذلك بينما لاحظ وصوله ولوحت بيدها تلويحة خفيفة.
قال مازحاً: "يبدو أنك تواجهين بعض المتاعب مع الحرارة".
كانت غالبية الناس الذين رآهم في النقابة في المركب نفسه، حتى إن قيوداً وُضعت على مهارات مثل سحر النار والتعزيزات إلى أن يمرّ الأمر.
"ليس لدى الجميع تعويذات مائية مدمجة في ملابسهم كما تعلم. وأنا متأكدة تماماً من أنك الوحيد الذي يحسن تصرفه في البلدة".
"هاه، حسناً يمكننا إصلاح ذلك"
قال ببهجة وهو يضع أحد مكيفات الهواء الخاصة به أمامها ويدخل بطارية مانا. وما إن بدأ الهواء البارد بالتدفق حتى كان التغيير عليها واضحاً تماماً كما كان في فالك. أعادت وضع جسدها على الفور لتتلقى القوة الكاملة للهواء البارد الذي هبّ بينما بدأت درجات الحرارة في المنزل تنخفض.
تمتمت باهتة بسعادة: "هذا أعظم شيء صنعته قط"، وهي سعيدة بالاستمتاع بشعور الريح على بشرتها وخلال شعرها.
"لماذا يواصل الجميع قول ذلك؟ لقد صنعت كنيسة إلى معطف وسكيناً كادت تقتل نصف إه. بحق الجحيم، الدعامات وحدها..."
"كلا، هذا هو الأفضل بفارق كبير على الإطلاق. سأضطر للنوم في غرفة المعيشة الليلة مع وجود هذا هنا، وقد تفعل العمة أيضاً".
"إنه قوي بما يكفي بحيث لن تحتاجي إلى ذلك غالباً. امنحه ساعة أو نحو ذلك ويفترض أن يخفض درجة حرارة المكان بأكمله".
قالت بصوت مفعم بالرضا، وقد زال الحر السابق والإرهاق منذ زمن بفضل النسمة الباردة: "أرأيت؟ هذا أعظم شيء صنعته قط بنسبة مئة بالمئة".
"نعم نعم، بما أن هذا بحوزتنا فلا يجب أن تكون هناك مشكلة في استخدام الموقد لطهي العشاء، لذا منحني قليلاً وسأبدأ به".
قالت وهي تمسك بيده: "انتظري".
"سأساعد بعد قليل، دعنا نستمتع بهذا لفترة أطول قليلاً على أي حال. قد تعود العمة متأخرة بعض الشيء على أي حال".
من دون سبب للاعتراض، جلس بجانبها، مستمتعين بشعور الريح بينما جلسا معاً وتحدثا عن يوميهما.