<ارتفاع مستوى السحر>
لم يعنِ هذا الإشعار شيئاً مقارنةً بكلّ ما عداه. خرجت ثيرا من غرفتها بين الحين والآخر لتناول الطعام في الأيام التي تلت رحيل فالك لإحضار رداء جديد لها، ممّا ترك بن بلا عمل سوى استخلاص المعلومات من سيّده وتوجيه غضبه المتبقّي تجاه الموقف نحو ابداعاته، ومع انتهائه من تعديل سحر الحاجز المرتبط بحذائه ليلائم احتياجاته ارتفع مستواه. أراد جزء منه إعادة صياغة الأمر برمّته، لكنّه سمع الباب يفتح فحاول أن يبدو طبيعيّاً وهو يسرع نحوه، بينما تجنّبت ثيرا النظر في عينيه حين غادرت غرفتها للحصول على وجبة خفيفة.
قالت: "يا بن، أنا آسفة، لست مهتمّة حقّاً بأي شيء الآن. ربما لاحقاً".
قالت العبارة ذاتها التي ردّدتْها في كلّ مرة غادرت فيها غرفتها منذ ذلك الحين، لكنّه هذه المرة، وعوضاً عن تقبّل الأمر كما اعتاد، ألقى بنفسه على الأرض فمفاجأة إيّاها بفعلته.
قال قبل أن تتمكّن من المغادرة: "أنا آسف. كنت أعلم أنك ستكرهين الأمر حين أطلبت منك فعله، لكنّني جعلتك تلقين تعويذة نوم على الجميع على أي حال. أنا آسف لعدم تمكّني من التفكير في طريقة أفضل لإدارة الأمور".
عجز عن التقاط عينيها. أراد منها أن تشتمه أو تصرخ في وجهه أو تفعل شيئاً ما، لا أن تحبس نفسها من جديد كما كانت تفعل. انتظر أي ردّ فعل، لكنّه لم يتوقع أبداً أن تشده من الأرض إلى عناق.
قالت وهي تعصره بشدّة أكبر: "أنا لست... لم أكن غاضبة منك قط يا بن. الأمر فقط هو أن الأمور كانت تسير بشكل جيد للغاية مؤخّراً. لم يكن أحد يزعجني بشأن ذلك وبدا وكأنّني قد لا أحتاج إلى الرداء قريباً على الإطلاق، ثم حدث هذا و... إنه مجرد تذكير بأنني وحش بالنسبة لمن حول لولا وجوده".
صاح: "ثيرا..."
قالت: "أعلم أنك لا تعتقد ذلك، لكنني أفعل. لا أحد آخر في العالم بأسره يفعل هذا بالناس يا بن، ليس بالطريقة التي أفعله بها. كيف لي ألا أكون شيئاً سوى وحش؟ بما أنك جعلت دعامتي بهذه الجودة الآن، فجدر بي الاختباء في أنيليا حيث لن أؤذي أحداً".
أمسك وجهها برفق وهي تعانقه، رافعاً عينيها عن صدره لتنظر في عينيه وتسمح له برؤية الدّموع فيهما.
صاح: "اسمعي..."
قالت: "لا يمكنك تغيير رأيي في هذا. يكفي أن يحدث الأمر ذاته في ستونوول وسأضطر لخوض كلّ هذا مجدداً. سيكون الأمر أضمن للجميع لو اختبأتُ عن العالم".
قال لها: "حسن إن كان هذا ما ترغبين في فعله فسأأتي معك أيضاً"، مراقباً عينيها تتوسّعان دهشة وهو يتابع: "أنا متأكّد من أن أمّك ستشغّلني، ومثلما قلتِ من قبل، يبدو غريباً أن أستمرار في دور المبتدئ ومستوياتي على ما هي عليه، جدر بي قطع حبل النجاة".
قالت وهي تتركه وتبدأ بالابتعاد: "لا تكن سخيفاً. أعلم أنك تريد تعلّم المزيد من خالي، سيكون من الغباء المغادرة هكذا".
أرادت تجاهل العرض. كان شيئاً تفوّه به في خضم اللحظة، ولا مجال لأن يفعله حقّاً.
لم يردعها سوى شعور قبضته اللطيفة على يدها بينما تحدث بهدوء: "أنت أهمّ بالنسبة لي من ذلك".
لم تستطع إلا أن تسأل: "ماذا؟"، مستديرة لترى عينين ممتلئتين بالصدق اللطيف: "يا بن، أنت تتصرف بحماقة. حياتك في ستونوول".
"بالتأكيد، هناك سونيا وفالك وبضعة معارف آخرين، لكن مايرياد سيكون متاحاً أينما كنت، والأهم من ذلك أن المكان لن يبدو كالوطن إن لم تكوني فيه. وعلاوة على ذلك، أنا لا أحب فكرة بقائك وحدك".
عادت إلى صدره مخبئة وجهها فيه، رافضة أن يرى الحمرة القانية لخصليتها ومتممنية ألا يشعر بنبض قلبها وهي تقف هناك بقربه. بقيا على حالهما تلك لفترة، لا يطق بكلمة إلى أن كسرت ثيرا الصمت.
"لن تغادر ستونوول".
صاح: "ثيرا..."
"لن تغادر لأنني لن أرحم أيضاً، حسناً؟ كنت أقول الكلام وحسب، لست راغبة في مفارقة خالتي أو خالي حقّاً، وبقدر ما أودّ رؤية ابن عمّي الجديد أكثر، فإن العيش مع والديّ يبدو عناءً هائلاً. وعلاوة على ذلك... حسن إنه وطني".
في تلك اللحظة لم تستطع القول بأنها لا تريد فراقه هي الأخرى، فمع صحّة الأمر استقرت الكلمات في حلقها، كأن النطق بها اعتراف لنفسها بما لم تكن مستعدة للتعامل معه. شعرت بخفوت حمرة وجهها فرفعت نظرها لترى الابتسامة اللطيفة على محيّاه بينما قرقرت معدتها لتكسر التوتر وتستجرّ ضحكة منه وتدفعها لتسمح له بطهي وجبة لها للمرة الأولى منذ أيام.
انتهيا من الطعام وانتقلا إلى غرفة المعيشة حيث كان بن ينام. التقطت ثيرا كتاباً لتتصفحه بعد أن استعادت طاقتها، بينما راح بن يفتش في حقيبته بحثاً عن شيء ما، ونجح في إخراج ما بدا كأنه سلك مفكك أخذ يثنيه ويعبث به فوراً.
سألت: "حسناً، يجب أن أسال، ماذا تفعل؟"
أوضح بينما بدأ يشكل قلادة مربعة الشكل: "شعرت برغبة في صنع شيء لكن ليس لدي خيارات كثيرة، وظننت أن قلادة صغيرة ستكفي لقتل الوقت. اعتدت حياكة القلائد والأساور وأشياء كهذه وأنا طفل، فبدت الفكرة ممتعة. الحق أقول، أنا بارع جداً فيما أفعله، وربما أحاول صنع مجوهرات حقيقية عندما نعود. في الواقع، الآن بعد أن فكرت في الأمر، لم أرك قط أنت أو سونيا ترتديان شيئاً يا ثيرا. ألا تعجبك أم أن هذه ليست عادة في أنيليا؟"
كان متأكداً تماماً من أنه لم يرى سونيا ترتدي أياً منها على الأقل، ولم يعر الأمر اهتماماً كافياً في أي من زياراته لوطن الشياطين ليجزم بذلك، لكن ثيرا هزت رأسها.
وقالت: "الكثيرات يفعلن، أظنني فقط لا أرى جدوى كبيرة مادامت ستختفي تحت عباءتي. لست متأكدة حقاً من سبب امتناع العمة عن ذلك، لم يخطر ببالي أن أسال قط".
قال: "ممم، حسناً في هذه الحالة ربما أصنع لك شيئاً عندما نعود لأرى مدى إتقاني. وبينما أنا فاعل، سأحرص على جعل فالك يصنع شيئاً لسسونيا، وربما نحيل الأمر إلى مسابقة أو ما شابه".
قالت ضاحكة: "أنا متأكدة تماماً من أن ذلك سيُسعدها طوال يومها"، وابتسمت بإشراق للمرة الأولى منذ عودتهما إلى المنزل، وفي اللحظة المناسبة تماماً لعودة فالك.
عندما عاد ممسكاً بعباءته، وسمع ضحكة ابنة أخته، لم يستطع إلا أن ينفرج عن ابتسامة لطيفة وهو يحيطها بمعانقة.
قال: "يسعدني أن أراك أفضل".
قالت وعيناها تنتقلان إلى بن ثانية قبل أن تعودا إلى عمها: "أم، أعتقد أنني أجريت حديثاً جيداً حول كل شيء. إذن ماذا الآن؟ هل نغادر مباشرة؟"
كان مغامرو ستونوول قد وجدقوا جميعاً طريقهم للعودة بالنظر إلى الموقف، ولن يحتاجوا إلى انتظار أحد، لكن بن بادر بالكلام.
"أحتاج إلى فعل شيء لأجل ميرايد قبل أن نغادر إن كان ذلك ممكناً، ولن يستغرق الأمر سوى بضع ساعات".
<لا، لا داعي لذلك!
أرجوك غادر المدينة دون فعل أي شيء!> "يقول إنه أمر بالغ الأهمية".
قال معلمه قبل أن يلتفت إلى ابنة أخته: "يناسبني ذلك، فأنا بحاجة إلى النوم قليلاً قبل أي شيء آخر على أي حال. يا ثيرا، من الأفضل أن تبقي معي بينما يفعل الفتى ما يدبره تحسُّباً لأي طارئ. لقد حرصت أنا وسيسلي أشد الحرص على أن يدرك الجميع تمام الإدراك ما جرى، لكني لا أريد المخاطرة بأن يعيد ذلك الأحمق ارتكاب أي حماقة".
قالت وهي غير متعجلة لاستكشاف المدينة، حتى مع عباءة جديدة بعد ما حدث: "حسناً، أعتقد أن ذلك هو الأفضل. في هذه الحالة، كُن حذراً هناك يا بن".
"بالطبع، سأعود قريباً".
لم يكن يعلم ما إذا كان فالك يدرك ما يدور في ذهنك عندما طلب بضع ساعات، لكنه كان ممتناً لبقاء ثيرا خلفه. لقد ساعد ذلك في تسهيل الأمور عليه، ومع جاهزية كل ما يحتاجه تقريباً، التقط حقيبته ومضى في طريقه متجهاً نحو أحد حدادي المدينة بينما كانت محلاتهم لا تزال مفتوحة. وما إن فتح الباب حتى استقبله صاحب المتجر الودود، متلهفاً للمساعدة وإتمام البيع.
سأله بابتهاج: "ماذا يمكنني أن أقدم لك اليوم؟"، وكان بن يعلم تماماً ما يريد.
"أتطلع إلى استعارة كورَتِك وشراء بعض المواد، ويسعدني دفع أجر إيجار إن كنت موافقاً".
نظر الحداد إليه نظرة غريبة لكنه وافق بسهولة بالغة. لم يكن يصنع شيئاً في ذلك الوقت والربح ربح، لذا بمجرد تبادل النقود، أشار إلى الكور الصغير في الزاوية وأحضر له كل ما طلب شراءه بينما استعرض بن خططه ذهنياً قبل أن يبدأ تسخين كل شيء، مبدءاً بخاتمه الملعون.