الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 224 — منظور أثر

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 224 — منظور أثر باللغة العربية على مانجا تايم.

قال فِلث وهو يهرع نحو مكان استلقاء شبه الملك، وخلفه دريس: "يا أثير، لقد بدأ الأمر، يجب أن نتحرك نحو الشاطئ".

رغم بكور الوقت، لم يستطع استشعار أي عجلة وسط هذا الحشد من المغامرين، سيما أن دوره لم يكن القتال وجهاً لوجه كالرجال، بل التموضع على أطراف البلدة تحسباً لعودة أي منهم من حيث استُدرجوا. بهذا المزاج راح يجوب الشوارع على مهل بينما هرع أهل البلدة للإخلاء، ملمحاً بعض العمالقة في الأفق أثناء مسيره. وجد دوره مهيناً لا محالة، لكنه أدرك أنه يبعث الطمأنينة في نفوس الأهالي ولذا أُجبر عليه.

وبصفته كاهناً لملك الأرض والرمح، فإن الكهنوت بأسره كان سيرافقه، لكن بناءً على عدّ رؤوس الوحوش في الأفق استبعد حاجتهم إلى ذلك، فقد بدا أن كل ما نُبئ به مشغول بالفعل، وهو الواقع الذي أفضى إلى النقاش الذي صادفه عند وصوله.

صاح رجل ضخم يكسوه وبر أبيض كثيف: "ماذا تعني بالبقاء هنا؟ انظر إلى ما يواجهونه. بعض تلك المخلوقات ليست صغاراً بأي مقياس، علينا القتال معهم طالما استطعنا، لا أن نبقى هنا ننتظر إبادتهم!".

بدا أنه يعبر عن جميع المغامرين الذين أُمِروا بالبقاء خلفاً، لكن رئيس الكهنة الذي كان يصيح في وجهه لم يتراجع.

قال: "لكل مهمته ولكم مهمتكم. علينا رعاية البلدة، فلن تكون لكم بين عشية وضحاها طاقة لصنع فارق هناك، فثقوا برفقائكم ولنرجع جميعاً بيوتنا مسرورين".

ما لم يقله الكهنة، وما غاب عن أثير نفسه، هو وجودهم هناك لغاية محددة للغاية، وهي حمايته. فرغم بأسه، كان عرضة لتقدير قوته بغير قدرها، وما أراد أحد، لا الكهنة ولا الكبار في نقابة المغامرين، أن يرى مورداً ثميناً كهذا يُهلك والقتال على أطراف الباب. المشكلة أن من تخلّف كانوا أشسّ رجال كل نقابة، وحيث ساءت الأمور بلا شك عما توقعه أي منهم عند تلقي الأوامر من قادتهم، ما أراد أحد البقاء للوراء ومشاهدة معارفه وهم يصرعون.

استعد أثير تماماً للخوض في النقاش نيابة عن الرجل، لا شفقة عليه، بل اتخاذاً لها ذريعة لنيل مراده المنشود، متعة القتال الحقيقي، لا البقاء على التماس ليكون مجرد وازع طمأنينة لأهل بلدته ممن عجزوا عن مغادرتها في أوانها. وما أثناه عن ذلك سوى زئير هادر، زلزل الأرض تحته وخطب أبصار الجميع من المعركة البعيدة نحو المحيط، ليروا عشرة أشكال تنهض من الأعماق. لم يعلم كنه تلك الكدمات والرضوض التي غطتهم، ولا علة الحراشف واللحم المتمزق بينما انصبت الدماء على وجوههم.

لم يكترث. كل ما عناه هو قدوم عشرة عمالقة، وبدا أنهم يقصدونهم عوضاً عن اللحاق ببقية جنسهم. عجز عن كبح ابتسامة ترامت على محياه وهو يلمس الهلع في محيطه. ما توقعوا يوماً مواجهة عدد يضارع ما نُبئ به، وربما انتابهم الشعور ذاته الذي غمر المغامرين في قلب المعركة؛ الخوف. أما هو فكان مختلفاً، وكان الأفضل. وبعينيه، كانت تلك هدية لجلجلان بأسه وقوته، ولتجسيد معنى أن يكون ابناً لـ إنيث، وحين حاول الكهنة تدبر أمر هذا الخطب المفاجئ وبينما استعد المغامرين للنزال، ضرب بكل أولئك عرض الحائط وانطلق عاصفاً، رامحه بيده.

غير آبه بأي سباب في الخلفية، اندفع نحو خصومه، وما سبقه سوى تعاويذ السحرة، حيث طارت النيران لتكوي اللحم المكشوف، وتجمد الماء تحت أقدامهم في مسيرهم، لتغرق أولى طرائده في ضباب حالك. غير آبه بذلك، ألقى بنفسه على الوحش، مستغلاً جلّ قوته ورشاقته ليتسلق ظهره بينما حاول الأخير عبثاً نفضه عنه. عاقته حراشفه الزلقة في سعيه، لكنه بذل وسعه للتشبث حتى بلغ عنق الوحش، متسلقاً إياه بينما غطى جسده وسلاحه بتعزيزه الأرضي المستيقظ ليبلغ وجهه، وغرس رمحه في عينه حتى بلغ ذراعه أعماقه.

بصرخة تشق الآذان ودفقة لهيب، صاح المسخ، نافضاً إياه في سكرات الموت، ليترك له الأمر في حشد أقصى ما يستطيعه من مانا في تعزيزه اتقاءً لوعورة السقوط. هب على قدميه فور استطاعته، متوقداً شوقاً للعودة للنزال، لكن أحد الوحوش الأخرى سبقه. لقد حط قريباً جداً من قدميه، وما إن استوى حتى سدّد ضربة عاتية، قذفته في الهواء ليصطدم بفرقة من السحرة تطلق هجماتها عليه، مطيحاً بهم إلى الأرض معه.

بصق قائلاً: "تباً لتلك المسوخ"، مستشعراً تكسر عظامه، وما أنقذه من هلكة محققة سوى احتفاظه بتعزيزه.

نهض على قدميه، مستحثاً الخخطى للعودة، وصاح بأمر فيمن اصطدم به: "ليعالجني أحدكم فوراً وليناولني أحدهم رمحاً جديداً!".

لم نوى ترك أي مجد للآخرين ممن يقاتلون عن بعد أو عجزوا عن حصد قتلاهم وحدهم. في غمرة تنفيذهم لأمره، ارتفعت صرخة، لا من عملاق محتضر، بل من بعض الكهنة من صفه، فالتفت برأسه ليرقب الهرج بينما كان يتلقى العلاج، تاركاً للآخرين تدبر أمر القتال ريثما يفرغ. جهل ما جرى للمغامرين البعيدين، لكنه بدا جلياً فشلهم. وللحق، فقد أبلوا بلاء حسناً، لكن عملاقاً منفرداً في الأفق طفق يشق طريقه عائدًا.

فاجأه بقاؤه صامداً حتى تلك اللحظة. تكسو الجروح جسده وتنصب الدماء لتغرق الأرض في طريقه. ولم يدرك حق حجم الوحش إلا حين اقترب. كان يفوق من يقاتلهم طولاً، وحتى هو لم يستطع منع وميض خوف من التسلل لقلبه مع دنوه رغم جراحه. رغم امتعاضه من الإقرار بذلك، بدا أنهم في مأزق. أسقطوا واحداً ليعوضه فوراً ما هو أفظع منه. وما إن انقض على أحد العمالقة الصغار حتى انقلب خوفه حيرة لرؤيته أن عديداً من المغامرين المكلفين بقمع المسخ قد نجوا، بل وطفقوا يركضون خلفه، صائحين بعدم مهاجمته حتى يصير الأخير والتركيز على البقين.

وحين التئمت عظامه بالكامل، آثر عدم التساؤل، مسلماً بالأمر باعتباره حسن طالعهم.

لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى اشتعلت احتفالات النصر من حولهم. لم يُعاد أهل البلدة بعد خوفاً من وجود المزيد في ظل ضعف دقة التقدير الأول، لكن ذلك لم يمنعهم من إخراج الطعام والشراب. لم ينتصروا فحسب، بل نجوا من دون أي حالات وفية. إصابات بالغة الشدة نعم، لكنه سُمِع عن الساحرة التي ساعدت في ضمان ذلك. لم تكن ساحرة حياة قوية فحسب، بل ساحرة أرض أيضاً تمكنت من إلحاق ضرر بالغ ببعض الوحوش العميقة مع المساعدة في شفاء المصابين بعد ذلك.

شخص صار يرغب فيها أكثر فأكثر كلما أُخبِر بما فعلته مع المغامرين، ولكنه كان أيضاً أحد القلائل الذين لم يشاركوا في الاحتفالات. لم يستطع طرد الفكرة من رأسه. لقد آلمه الأمر في عمق نفسه أن شخصاً بهذه القوة لا يستخدمها للقتال من أجله، بل يتعفن في بلدة مغمورة، وقرر أن يفعل شيئاً حيال ذلك. وبشراب في بطنه وانشغال فيلث بالكهنة عن مراقبته، غادر ليحصل على ما يريد.