نظراً لوجود عصيّ من يوم أمس، لم يتعب بن في صنع أيّ عصيّ جديدة تلك الليلة؛ لذا، وبعد أن جمع المؤونة التي سيعتاشان عليها، نال قسطاً حقيقياً من النوم في منزله، قبل أن يلتقي ثيرا في اليوم التالي. حين التقيا في المتجر، سألهما فالك عن مجريات الأمس، فصمتت ثيرا فجأة، وصار جلياً أن هذا دأبها متى عزفت عن الحديث في أمر ما. يبدو أنها أرادت طي تلك المواجهة سراً عن فالك، فتدخل بن.
سار الأمر على ما يرام. لم تأت العصا الجديدة بالنتائج المرجوة، لكننا تمكنا من إطلاق رصاصتين على الأقل، لذا سنخرج للصيد اليوم. رمق فالك ثيرا بنظرة خاطفة، لكنه آثر غض الطرف عن الأمر والتركيز على صيدهم. أمتأكد أنت أنك مستعد يا بني؟ رصاصتان ليست بالكثير. يمكنك دائماً أخذ أسبوع آخر لمحاولة صنع عصا أفضل. بل وأنا متأكد من تحسن أدائها حين تأنس أكثر بطريقة صنعك لها. أنا متأكد من صواب رأيك، لكن هذا لن يكفي لبلوغنا ثلاث رصاصات.
لا تقلق مع ذلك، سنصيد بالطريقة التي تخصني. حسناً، إن كانت طريقتك فلا بأس، لكن هل ستظفر ثيرا بأي تمرس في سحرها؟ لا تقلق، لدي خطة بسيطة تعتمد برمتها تقريباً على سحرها، مع قليل من العون مني. قال لهما وهو يلتقط العصيّ وكيسًا صغيرًا ومجرفة. أمم، ما هي طريقتك تحديداً؟ همّ بن بالشرح لكن فالك قاطعه. سيلعب الفتى على نقاط قوته فحسب، فحاولِ تعلم ما استطعت. أنت تبالغ في مدحي يا فالك، لكنها ستكون خطة بسيطة للغاية.
لن تتجاوز ساعة من التجهيز في أقصى الأحوال عند وصولنا، هيا بنا.
قالَت ثيرا وهي فوق غصن شجرة: "هذه لا تشعر كأنها مغامرة حقاً".
قال بن: "إن أدت الغرض فهذا كل ما يهم. والآن لا تعصري صوتك، لا نريد تخويف أي شيء".
شرح لها الخطة في الطريق، موضحاً كيف يعتاد الصيد بشكل عام. تركزت الخطة على الطريقة الوحيدة التي تمكنه من صيد أي مخلوقات، وهي نصب الشراك. بمجرد وصولهما، طلب منها استخدام سحرها لسحب كتلة تراب من الأرض، وصنع حفرة بعمق وعرض ستة أقدام تقريباً، ثم وضع التراب بحذر في كومة بجانبها. تطلب سحب كتلة من التراب لصنع حفرة جهداً أكبر من جمع التراب المفكك ليصير مقذوفاً، لكنه ظل في حدود قدرات ثيرا والعصا الحالية.
من هنا جاء دور عمله هو. لم يكفِ مجرد وجود حفرة عميقة، فلم تكن السكريلات لتلقي بنفسها داخلها عبثاً، لذا كان عليه حفر أحد الجانبين، لصنع منحدر صغير لأي مخلوقات فضولية. هذا ما استهلك الجزء الأكبر من الوقت. بعد فوات الأوان، كان عليه جعل ثيرا تحضر معوالاً آخر لتساعده في الحفر نظراً لعدم دقة سحرها الترابي في صنع المنحدر، لكن ما حدث قد حدث، ولا جدوى من التركيز عليه. فور انتهاء حفر شعوراً بتعب أكبر، أشعل ناراً صغيرة بقداحة سحرية اشتراها، وبدأ شواء طائر مقلاع حصل عليه من جزار محلي في قاع الحفرة.
إن كانت سجلات الأرشيف صحيحة فهذه هي الفريسة المفضلة للسكريلات، وستجذب رائحة طهيها أي مخلوقات أخرى في المنطقة لتأتي وتحاول خطف بعضها. انتهى الأمر بشبه كبير لصيد الأماروك خاصته، لكن الحيوان يظل حيواناً في النهاية، ويبقى الطعام قوة دافعة دائماً. ناهيك عن امتلاكهما فرصة كبيرة لاصطياد عدد أكبر من السكريلات بهذه الطريقة. فور إتمام الإعداد تسلق اثنتان من الأشجار المجاورة وجلسا كل على غصنه.
لم يتبق سوى الانتظار. بدت ثيرا نفورة، لم تكن هذه طريقة صيدها المعتادة قط، لكن بن سعد باستخدام هذا الوقت للاسترخاء. أحضر معه بعض الأحجار متوسطة الحجم وصنع بعض المنحوتات بكسر أجزاء منها بحذر مستخدماً سحر التطوير والصنعة. بدا الناتج النهائي أكثر خشونة بكثير مم لو امتلك الأدوات المناسبة، لكنها كانت وسيلة جيدة لتمضية الوقت وتدريب مهاراته. العيب الحقيقي الوحيد للبقاء عالقاً فوق شجرة في الغابة كان الحشرات.
سيعود إلى منزله ببعض اللدغات حتماً. أم سيحدث العكس؟ ومضت فكرة في ذهنه، ورأى حشرة تحط عليه فجربها فوراً. ثبت نفسه بيد واحدة على الغصن وفعل مهارة الربط خاصته، آمناً بطردها بالتعرض المفاجئ لعقله، لكن شيئاً آخر حدث بالكامل. شعر بموجة فجائية من الهدوء ووخز خفيف من الجوع يصدر عن الحشرة قبل أن يختفي الجوع. لم تطر الحشرة بل ماتت. تفاجأ بن في البداية لكنه تذكر ما قاله مايرياد حين نال المهارة وحاول تطبيقها عليه.
لعل الحشرة، وبالطريقة ذاتها التي كان فيها أضعف من مَلِك، كانت ضعيفة لدرجة تعجز فيها عن تحمل مشاعره فماتت؟ إن كان الأمر كذلك فسيتمكن على الأقل من التدرب قليلاً باستخدامها على الحشرات، لكن أسيحقق هذا كفاية لرفع مستوى مهارته حقاً؟ لقد كان أفضل من لا شيء على أي حال. رفع يده لإبعاد الجثة الصغيرة حين تلاشى شعور الهدوء الذي كان يغمره بدوره، مما جعله يتوقف مجدداً. لم يلحظ أن المشاعر لم تكن مشاعره، لكن الفقدان المفاجئ أوضح أنها أتت من انقطاع الرابط، بذات الإيقاع الذي شعره حين انسحب فالك بعد اختباره المهارة للمرة الأولى.
المشكلة الوحيدة تمثلت في جهله بما ربط نفسه به. التفت حوله وتلمس جسده، متسائلاً عما إذا كانت حشرة أكبر قد حطت عليه واستغرقت وقتاً أطول للموت أو الطيران، لكن ألم يكن ليشعر بنوع من الضيق منها لو حدث ذلك؟ حار في أمره حتى خطر له خاطر. كان يلمس الشجرة. عليه التجربة مجدداً. وضع يده على جذعها وفعل رابطه مرة أخرى ليختبر شعور الهدوء يغمره. وقتها قفز حماسه وبعد دقيقة شعرت الشجرة بالاستجابة بلطف.
كانت بطيئة لكن بدا مزاجها ينتقل من الحياد إلى شيء آخر عجز عن تمييزه تماماً. ترك الاكتشاف قلبه مغتبطاً. هذا هو. هكذا يتمكن من تدريب مهارة الربط دون الحاجة لشخص آخر يساعده. بالتفكير بالأمر يمكنه امتلاك حيوان أليف أيضاً، لكن نباتاً سيطلب جهداً أقل بكثير، ناهيك عن انعدام شعور الذنب حيال استخدام المهارة تحسباً لأي آثار سلبية عليها. لم يتأكد بعد من فائدتها العملية الحقيقية، لكن تدنّي مستواها وعدم رؤيتها خسارة، فعلى الأقل بدت قاتلة جيدة للحشرات.
مضى يقضي النصف ساعة التالية مستخدماً مهارته ليتعرف على الشجرة. لم تكن محادثة بالمعنى الحقيقي، مجرد تبادل مشاعر، لكن سبرها بمشاعره ومعرفة رد فعلها ظل أمراً مثيراً للاهتمام. حاول إرسال الأفكار إليها مباشرة، لكن ذلك بدا مستحيلاً في الوقت الراهن على الأقل. تلقى انطباعاً خلال ذلك الوقت أنه ورغم كون الشجرة حية وقادرة على استشعار بعض المثيرات الخارجية، إلا أن مشاعرها ونطاق عواطفها بدا محدوداً بدرجة أكبر بكثير مما توقعه في حيوان، مع بقاء الكثير لاكتشافه.
وفي غمرة تجاربه همست ثيرا لتلفت انتباهه.
"مهلاً، لقد حضروا".
اقتربت مجموعة صغيرة من السكريلات نحو اللحم المطهو. تحلت بالحذر أول الأمر، لكنها سارعت نحوه بمجرد رؤيته بلا رقب، وهرعت بعض المخلوقات الحذرة المختبئة في الخلف للحاق بالركب. ما هي إلا لحظات حتى صار هناك نحو اثنتين في الحفرة، يتصارع معها البقية لنيل بعض الفتات. آن أوان الحسم.
"حسناً، يا ثيراً الأمر لك".
أومأت برأسها وأمسكت بعصاها، مفعلة سحرها بحذر وموجهة إياه نحو كومة التراب، محاولة دفعها لشيء واحد فقط، العودة إلى الحفرة. كانت مهمة لتبدي اهتماماً بها عادة، لكنها بدت أسهل عليها بكثير من محاولة صنع مقذوف ترابي صحيح. انزلق التراب بسرعة على الأرض، ليملا الحفرة وكل السكريلات بداخلها. واستخداماً لمزيد من المانا ضغطت بقوة أكبر في التربة ضماناً لعدم تسلل أي شيء للخارج، لتنتهي الأمور بانكسار عصاها إلى شظايا.
قالت حين انتهت ونفضت يديها: "كان هذا... أسهل مما توقعت. لكن هل يتحسن سحري حقاً بهذه الطريقة؟".
"السهل جيد، لم تعصرين مؤخرتك في قتل واحدة بينما يمكنك صيد قطيع؟ أما عن سحرك، فمن يدري. لكن من منظوري لا يبدو هذا مختلفاً كثيراً عن إطلاق مقذوف ترابي، فالأمر برمته مجرد تحريك للتراب، والشيء الوحيد الذي تغير هو القصد. على أي حال، فلنمنح الأمر خمس عشرة أو عشرين دقيقة لتزول الرائحة، ثم أماكنك حفر الحفرة مجدداً؟".
"بالتأكيد، أنصطاد المزيد؟".
"لا، لم أحضر لحماً يكفي لهذا، كانت مجرد إثبات لنظريتي. هدفي هو كل تلك المواد المدفونة التي حصلنا عليها".
عشرون جثة سكريل. حتى لو كانت صغيرة، فبالمكميات التي يمتلكها سيتمكن من صنع أسلحة وفيرة مدعومة بتقاربها الناري من العظام، وبعض الحقائب المقاومة للنار من الجلود على الأقل. ناهيك عن امتلاكه الآن طريقة سريعة لصنع عصي ملائمة لثيرا، مما سيوفر له وقتاً أطول لتدريبه الخاص. الأمور تبدو مشجعة.