هتف مرحاً: "أونك، ما الذي أتى بك إلى هنا؟"
ولوّح لهما. فبادلاه التلويحة. وبدا عليهما شعور بالاعتذار رغم غياب الملامح لوجهيهما.
قالا: "مرحباً بن، آسف لإزعاجك هكذا وأنت تعمل، لكنّ ثمة مشكلة بسيطة وأحتاج منك أن تأتي معي إلى النقابة."
شعر بتوتره يسري فوراً بينما وقف فالك جانباً وبدَت عليه علامات الفضول أيضاً.
"لماذا، ماذا يحدث؟"
قالا: "صدر طلب لمهمة طارئة، وبصفتك مغامراً من الرتبة الرابعة فسيتعين عليك المشاركة لذا يجب إحاطتك بما يجري."
شعر بخيبة أمل بينما ضحك معلمه بخفة. لقد عرف أن هذا احتمال وارد منذ أن ترقى لأول مرة، لكنه كاد يتجاهله تماماً من ذهنه. أمّا أن يُستدعى لها الآن فلم يكن سوى أمر مزعج.
قال معلمه: "يا لها من حظ سيء يا بني، إن كانوا يحيطونك بالأمر فهذا يعني أنك ستحتاج إلى بضع أسابيع لإنجازها بدلاً من التعامل معها فوراً، يبدو إذن أنني سأحظى بقليل من الهدوء والسكينة."
قالا بنبرتهما المعتذرة نفسها: "في الواقع يا فالك، كانت سي سيلي مصرة على ضمان حضورك أنت أيضاً."
هتف: "ماذا؟ لم أكن مغامراً نشطاً منذ أكثر من عقد، لماذا أُجر إلى هذا وأنا أملك عملًا أُديره؟"
"آه، لقد طلبت مني أن أبلغك، وأرجو أن تضع في اعتبارك أن هذه كلماتها، وهي أنك «لو كانت لديك أي مشكلة في الأمر لكان حريّاً بك أن تتأكد من الاستقالة رسمياً قبل أن يصبح الأمر مشكلة»."
بينما تمتم معلمه بكلمات غاضبة، منحه بن ابتسامة عريضة.
"يبدو إذن أنك ستستمتع بصحبتي لبضع أسابيع."
قِيدا إلى الغرفة الخلفية في النقابة حيث وجدا ثيرا جالسة وتنتظر. كانت ترتجف حماسةً وهي ترمقهما بنظراتها ريثما اتخذتا مقعديهما.
سألت وهي تشد ذراع بن: "أتصدق هذا؟ لن نخوض مهمة طارئة فحسب، بل هي من الفئة الرابعة كحد أقصى! تظن ماذا سنفعل؟"
أجابها بفتور: "على الأرجح شيئا ينبغي لمن ليس لديهم مهارات قتالية مثلي الابتعاد عنه قدر الإمكان".
"يا لك من متململ، أليس لديك ثلاث مهارات قتالية الآن؟"
"عند المستوى صفر! وأنا واثق تماما أن الرماية لا تفعل شيئا سوى تحسين دقتي قليلا!"
بدا الأمر مثيرا حين نالها، لكن التغيير الوحيد تمثل في قدرته على اصابة الأهداف وتحسن بصري الطفيف، لا شيء جوهري. ظل عاجزا عن استخدام سلاحه ببراعة، وصار استخدامه فعالا بيسر فحسب.
ردت وهي تمنحه دفعات ودودة: "ستكون بخير. بناء على طبيعة المهمة، قد يطلبون وجودك هنا لمهاراتك في الصناعة على أي حال. فالقدرة على صيانة الأسلحة وإصلاحها بكفاءة تعد أمرا بالغا الأهمية، وإن ساءت الأمور سأحميك".
ثم أردفت: "في الحقيقة، يفاجئني رؤيتك هنا يا عمي".
"أنا هنا لأعاني فقط لعدم عناء الاستقالة الملائمة حين قررت الانتقال للتركيز الدائم على الحدادة، وأشك في أن سيسيلي ستتحمل تقديمي استقالتي الآن. سأتجرع الأمر وأقدم العون قليلا".
سألها بن: "على ذكر ذلك، ألم تأتِ سانيا معك؟ ألم تكونا كلاكما في العيادة اليوم؟"
تمحورت إحدى تفاصيل ماضية القليل التي عرفها عن فالك حول مغامرته السابقة برفقة سونيا وبيلينيا. ومع وجود أحدهما توقع رؤية الآخر، غير أن ثيرا سارعت إلى تصحيح افتراضه.
"حرصت العمة على تقديم استقالتها بصولها حين انتقلت لعمل العيادة لئلا يطلبوا منها الحضور. يا للأسف، لكان انضمامها إلينا ممتعا".
"لمَ يبدو أنك تعاملين الأمر كأنه نزهة؟"
"أعني، ستكون كذلك ذهابا وإيابا على الأقل، أما ما سنواجه في وجهتنا فيصعب الجزم به".
"يعجبني تفاؤلك. على كل حال، كم شخصا إضافيا ترين سيحضر؟"
سأل وهو يلتفت مستطلعا. عداهم كانت هناك مجموعة من ثلاثة أشخاص تعرفهم، وتحديدا ساكيل ورفاقها، إلى جانب ثلاثة آخرين رآهم مرارا دون أن يكلمهم، وبدوا جميعا كأجناس هجينة تجمع بين صفات العملاق ذي العين الواحدة وبشر الطيور، بعين واحدة ضخمة تشبه الجواهر وريش أحمر فاتن. لولا التحريم المفروض على استخدام مواد الأجناس الواعية لسأل عن شراء بعضه لجمال مظهره فحسب، غير أنه افترض أنه حتى بلا محاذير أخلاقية، قد يرفضون الخوض في أمور كهذه.
تيقن من مجيء المزيد، لكن ثيرا فاجأته بإجابتها.
"قد يكون هذا هو العدد كاملا، ربما زوج إضافي نظرا لعدم بدء الأمر بعد".
"ماذا؟ كيف يكون العدد قليلا هكذا؟ ألا يغص مقر النقابة بالناس دائما حين نقصده لمهامنا؟"
"تتعثر غالبية الناس في المستوى الخامس. ولعل أحد أسباب تمكنا نحن الاثنين من الارتقاء إلى المستوى الرابع بمثل هذه السهولة يعود لوجود شياطين مسجلة في بطاقتينا، فهذا يبرهن على مستوى معين من الكفاءة، حتى إن لم نكن مغامرين متفرغين كسائر المتواجدين هنا"، ووضحت قائلة: "بلوغ المستوى الثالث أصعب بكثير، وأكاد أجزم بأن الشخص الوحيد في البلدة الحائز على تلك الرتبة هو سيد النقابة، مع أننا سنشق طريقنا نحوها بناء على طبيعة المهمة وحجم إسهامنا".
"هاه، لظننت أن رتبة سيد النقابة أعلى بكثير بصراحة".
"هكذا تعمل مراتب الرتب، فمن السابعة إلى الثالثة يتعلق الأمر برمته بالإنجازات، أما الرتبة الثانية فتتطلب امتلاك مهارة واحدة مستيقظة على الأقل، وفي الرتبة الأولى تحتاج إلى مهارات متعددة أو مهارة مستيقظة عند المستوى الخامس".
سأل بفضول: "ألا تستيقظ للمرة الثانية؟"
أوضحت قائلة: "من فعلوا ذلك لا تحركهم الأمم، بل هم من يحركونها".
وأضافت: "لست متأكدة من عددهم الحالي إذ يفترض أن البعض لا يعترف بذلك جهرا، لكن ينبغي أن يقل عددهم عن عشرة أشخاص نجحوا في ذلك عبر العالم، ولن تكون لديهم أي أسباب للعمل لصالح النقابة".
"هذا رائع حقا، إن كان الأمر كذلك، فلو أيقظت مهارة الحرفي خاصتي، هل سأجبر على التحول إلى مغامر من الرتبة الثانية؟ أعني، أليست مهارة قتالية؟ أفلا يعد إكراهي على خوض مهام الرتبة الثانية أمرا قاسيا وحسب؟"
قالت بعد ومضة تفكير: "لست... متأكدة في الواقع. سيّد حسنا، هذا سؤال يوجه لطاقم النقابة".
سأل معلمه دون إخفاء ذرة فضول في عينيه: "حسن إذن، وأنت يا فالك، أية رتبة تحوز؟"
"الرتبة الرابعة".
"لمَ يبدو الأمر كأنه كذبة؟"
"لأنك مفرط الريبة".
هم بمواصلة استجوابه، غير أن سيسيلي دخلت مصحوبة بأربعة أفراد لم يرهم من قبل، فاستحوذوا على الطاولة الأخيرة. وشعر بتغير في سلوك ثيرا لكنه آثر تأجيل السؤال عنه لاحقا. فور وصولها، شرعت في توزيع كتيبات صغيرة على الجميع محيية إياهم، فشرع بن في قراءته فورا، قبل الانتقال إلى لب استدعائهم جميعا.
قالت بصوت عال: "حسنا، أعتذر عن إزعاجكم بمثل هذا الإشعار القصير لكني تلقينا طلبا للمساعدة في مهمة طارئة. تتعامل الأجناس المائية مع حركة الليافانات إذ يغيرون مسار هجرتهم، وإن صدقت نبوءات البانشي، فسنشهد موتا ودمارا واسعين إن لم نتعامل مع الأمر. والآن يا بن"، وقالت منادية إياه بالذات: "بما أن الأمر بالغ الأهمية، أيمكنك الإعارة انتباهك؟ الكتيب للمطالعة حين ينتهي هذا".
"لا تقلقي، أملك من مهارات العقل ما يجعلني أبدو كمن لا ينصت بينما أرجح أني أعير الأمر انتباها يفوق أي شخص في الغرفة، وريثما أستغل وجودك، إليك سؤالا. يقول الكتيب إن الليافانات تنفث النار؟"
"هذا صحيح".
"حسنا، لمَ تنفث النار؟ إنهم وحوش بحرية تبا!"
"وحوش بحرية في غالبها، لكن جانبا من هجرتهم يقودهم إلى اليابسة. لم تشكل هذه مشكلة حين كانت في الأراضي الجامحة، لكن إحدى المجموعات انحرفت بعيدا عن مسارها. ما لم يتغير شيء فستقترب بطريقة خطرة من بعض المناطق الآهلة، لذا يتعين التعامل معها قبل وقوع أي مكروه. لسوء الحظ، وبسبب طبيعة النبوءات البشرية المتقلبة ونزوات الحياة البرية، لا يمكننا الجزم بموعد وصولهم لذا سنغادر غدا. سيستغرق الوصول عشرة أيام لذا احرصوا جميعا على الاستعداد للرحيل مبكرا وصباحا، فعلى ما نعلم قد نضطر للقتال فور وصولنا".
هتفت ثيرا بحماس ج,ابة الأنظار إليها وموقعة قلب بن: "إن توجب علينا بلوغ المكان بأسرع وقت ممكن فيمكنني إيصالنا أسرع".
"لن أمانع إن كان الأمر كذلك حقا، لكن كيف ستتدبرين ذلك؟ لا يمكنني إقرار الموافقة دون مزيد من التفاصيل".
"أملك عربة يمكنني تحريكها بسحر الأرض. في المرة الأخيرة التي عُدت أنا وبن فيها من البوابة لم يستغرق الأمر سوى يومين وأنا واثقة من تقليص ذلك طالما لم تكن الطرق مزدحمة للغاية".
رمقت سيسيلي بن بنظرة تطلب تأكيدا، فمنحها إياه رغم مخاوفه قائلا: "بإمكانها ذلك، لكن حفاظا على سلامة الجميع لا أنصح البتة بأن تزيد سرعتها عما فعلته مسبقا. ولعلا علي أيضا تعديل العربة لتغدو ملائمة أكثر لنقل عدد أكبر من الركاب نظرا لعدم تجهيزها أصلا للتعامل مع مجموعات كبيرة. فضلا عن ذلك، لن تقوى على التعامل مع الطرق الوعرة، لذا فإن كان ذلك مشكلة فلن تفلح".
"وجهتنا بلدة ساحلية لذا لن نسلك طرقا وعرة حتى نبلغها، لذا يفترض أن يكون الأمر على ما يرام. وفي تلك الحال، إن تمكنا من تقليص وقت السفر من عشرة أيام إلى أربعة فالموافقة ممنوحة، وطالما أبلغتمونا إلى هناك فسنضيف المال المخصص للعربة إلى مكافئتك يا ثيرا".
نظرا لارتدائها عباءة، لم يستطع أحد سوى بن وفالك تمييز ذلك، لكنها كانت تحتفل صمتا بالنتيجة. وحيث إن الوقت كان حاسما، فإن أي وقت يمكن توفيره يعد ثمينا، ومن خلال المساعدة على هذا النحو ضمنت مسبقا إسهامها في المهمة، وأي إنجاز تحققه بعدئذ سيعينها فحسب في مسعاها لتغدو مغامرة من الرتبة الثالثة.
سأل أحد أفراد المجموعة التي قادتها سيسيلي، وهو كائن يشبه هيكلا عظميا مغلفا بطبقة من السائل الهلامي الشفاف، وناهز طوله ثلاثة أمتار متفوقا على البقية علوا: "إذن عوضا عن المغادرة صباح الغد، أيمكننا إرجاء الأمر لليوم التالي؟ سيمنحنا ذلك وقتا أتم للاسترتيب والتحضير".
وافقت سيسيلي بعد لحظة تفكير قائلة: "حسنا. سيظل ذلك يتيح لنا الوصول قبل خمسة أيام من موعدهم المتوقع، وإن كانت النبوءة متأخرة هكذا فلن نفلح في فعل الكثير على أي حال. سنلتقي هنا في صباح اليوم التالي، وسأشرح المزيد في الطريق، لذا لنتفرق الآن إلى مجموعتين لتقرأوا الكتيبات المسلمة إليكم في أوقاتكم الخاصة".
رأى ساكيل يرمقهم ملوحا، مبينا بوضوح رغبته في دمج مجموعاتهم، غير أن سيسيلي حطمت تلك الأحلام قبل أن ينطق أي منهما بكلمة.
"من يمتلك منكم مهنة مغامر، فليفع يده الآن".
من بين ثلاثة عشر فردا في الغرفة، رفع اثنان أيديهما، أحدهما نصف عملاق، إلى جانب الكائن الهيكلي الهلامي المتحدث آنفا.
"حسنا، سار الأمور على ما يرام. يا أومب، ستعمل فرقتك مع مجموعة ساكيل بينما سيعمل زيت وبقية رفاقكم مع ثيرا وبن. يا فالك، أنت معي. احرصوا على دعوتهم بالطريقة الملائمة ليكتسب الجميع خبرة من هذا ثم يمكنكم الانصراف لتدبر ما تحتاجون إليه. عودوا إلى هنا بعد يومين ولا تتأخروا".