⟦1」 سألت ثيرا فور دخولها المتجر صباحا: "...ما هذا؟".
كان بن مستيقظا هذه المرة، يضع اللمسات الأخيرة على ما يشبه حقيبة ظهر تُستعمل عادة لحمل جذوع الخشب. عبارة عن قضيبين معدنيين على شكل حرف إل مربوطين ببعض سيور جلدية لحملها، وكانت ممتلئة بنحو اثنتي عشرة عصا. التفتت إلى فالك طلبا للتوضيح لكنه كان في الزاوية يرمق المكان بنظرة يملؤها الارتباك والقلق، غير مصدق ما يراه.
قال بن مرتبكا: "ما الأمر يا ثيرا؟".
"كيف صنعت كل هذه في ليلة واحدة؟ وأتيح لك الوقت لصنع حمالة أيضا؟".
"آه نعم، نسيت أن أنام دون قصد، سأفعل حين ننتهي اليوم. على أي حال، لم يكن صنعها بالغ الصعوبة. رأيت بالأمس أليس كذلك؟ التقنية التي استعملتها سمحت لي بمط المعادن لصنع اثنتين حين كانت خمس طبقات، لكن حين حاولت صنع طبقة من سبع بعد ارتقاء المستوى أصبحت ثلاثة، ثم شعريت أن بإمكانَي دفع نفسي أكثر بعد ذلك فحاولت تسع طبقات أيضا واستطعت فصلها إلى ثلاث. أظن أن بوسعي الحصول على مزيد من طبقات المقاومة إن حاولت لكنني متأكد من أنني سأحتاج بعد هذا إلى رفع مستوى السحر لدي ليجدي نفعا، أعلم أن الأمر سيصنع تدرجا أكثر سلاسة لكن لا فرق يذكر إن بدأ من المستوى ذاته أترين؟ لذا صنعت بدلا من ذلك واحدة أخرى من تسع طبقات بمواد مختلفة".
كان يبتسم طوال حديثه، ولا يوحي بأنه لم ينل أي قسط من النوم، لكن ثيرا لم تعرف كيف ترد. في أقل من أربع وعشرين ساعة صنع إحدى عشرة عصا، قد لا يكون الأمر جللا لشخص مثل فالك، لكنه بالكاد صنع ثلاثا أو أربعا في أول يومين بدأ فيهما هذا.
سأل فالك بقلق طفيف: "أبني، أمتأكد أنك جاهز للخروج؟ لن يفيدك الإغماء في شيء".
"لا، أنا بخير تماما، سهرت طوال الليل مرارا ونحن ذاهبون إلى ساحات التدريب فحسب. حين ننتهي سأنام قليلا. فضلا عن ذلك، إن استطعنا إطلاق ثلاث طلقات من أي منها فلن نتمكن من الذهاب للصدي غدا فحسب، بل سأخصص يوما أو يومين أسبوعيا لصنعها ويبقى لدي متسع من الوقت لأمور أخرى. إنها صفقة مربحة للطرفين".
"هاه، حسنا فقط لا تعرض نفسك للموت إذن. يا ثيرا آسف لكن إن بدا متعبا بعض الشيء فعودي مبكرا حسنا".
"حاضر يا عم، لا تقلق".
قال بن مغادرا المتجر: "إذن سننطلق. سأغفو هنا حين ننتهي ثم أعود للعمل".
استطاع اثناهما سماع صياح فالك خلفه: "فقط اذهب إلى المنزل!".
قال: "أتحسّنت مهارتك في النقش إلى هذا الحد؟ ظللت تنظر إلى ذلك الحجر طوال الدهر".
ما إن غادرا البلدة وقبل أن يبلغا ساحة التدريب حتى التقط بن حجراً بحجم قبضته مرتين ليبدأ تمرينه المعتاد في النقش لكنه ظل يعبث به طوال الوقت دون أن يتوقف لالتقاط حجر جديد.
قال: "أجل بالتأكيد. لا أكتفي في هذه المرة بإضافة النقوش حتى ينكسر فحسب إذ صار لدي خيارات أكثر بكثير بعد ارتفاع مستواي".
قال: "إذن ماذا تفعل؟"
قال: "بما أن مستواي ارتفع فبدلاً من تطبيق نقشِي بالتساوي على الحجر كله أستطيع تركيزه في أقسام محددة الآن. حسبما قرأت فإن هذا غالباً ما أسوأ نتيجة في كثير من الحالات لأنه قد يؤدي إلى عدم الاستقرار والضعف في المواد رديئة الجودة أو يمحو النقش تماماً من المواد الأفضل لكنه يمكنني من فعل أشياء كهذه".
قال هذا ورفع حجره وبدلاً من تحطيم الحجر كله كشط جزءاً يسيراً من المادة بأصابعه فقط.
قال: "إذن لا تحطم الحجر بأسره الآن؟ أهذا كل ما في الأمر؟"
قال: "لا أحطمه كله والآن يحتفظ باقي المادة ببنيته".
نقر بقبضته على بقية الحجر قبل أن يتابع: "والآن يمكنني استخدام حرفتي في الوقت ذاته لجعل المادة أسهل في التشكيل كي تنكسر تلك الأجزاء بسرعة أكبر".
قال: "حسناً هذا جميل وكل شيء. لكن لماذا؟"
قال: "حسن كان الأمر محض فضول لأرى إن كان بمقدوري ذلك وبما أنني أستطيع فقد بدا لي هذا طريقة جيدة لتدريب المهارات معاً. فوق ذلك أشعر برغبة في نحت شيء ما وهذه طريقة سهلة ورخيصة لتحقيق ذلك".
سرّ بن أنها بادرت ببعض الحديث وبدو أن سرَّ حملها على الكلام هو إثارة فضولها قليلاً لعلّه ينهي نحت شيء مهيب بحلول وقت عودتهما حين طرحت عليه سؤالاً آخر.
قالت: "لماذا تمارس هذا القدر من التمارين؟"
قال: "ماذا تقصيدين؟ أعتقد أنني أفعل هذا بمعدل طبيعي تماماً".
قالت: "تفوتك نوبات النوم وتكاد تستغل أي لحظة فراغ للتدرب أكثر وإن كان هذا هو المعتاد عندك فلا أظن أن كثيرين غيرك يفعلون هذا القدر الكبير".
قال: "أعني الأمر ممتع؟ بعيداً عن القراءة لا يوجد شيء آخر يذكر والترقي يمنح شعوراً بالإمارات حسب أظن ألا تحبين ممارسة السحر؟"
قالت: "لا أدري...".
قال: "حقاً؟ إذن لماذا تفعلين هذا؟ لا بد أن هناك أموراً أسهل تزاولينها إن كنت لا تستمتعين به".
قالت: "العالم مقبل على حرب خلال بضع سنوات. اعتاد أبي في صباه أن يحدثني مطولاً عن فناء عالمه ولا أريد أن يلقى هذا العالم المصير ذاته دون مقاومة".
قال: "يبدو هذا منطقياً فنحن جميعا في هذا المأزق معا".
رغم أن الشخص المرتاح كان لا يزال ينعم بحياته اليومية ويستمتع بها فإن حقيقة انهيار كل ذلك في أقل من ثلاث سنوات بقليل كانت ترزح في أذهان أغلب الناس. بدا منطقياً محاولة الاستعداد قليلاً ما دمت قادراً على ذلك. مع أن شيئاً مما قالته أزعجه قليلاً.
قال: "لكن انتظري أيتذكر أبوك نهاية عالمه؟ ظننت أن آخر مجموعة لاجئين أتت قبل بضعة قرون".
أخذت تيرا تلوم نفسها فوراً. وجدت نفسها بطريقة ما منساقة مع مجرى الحديث وأخذت تتحدث عن عائلتها دون قصد لتتفوه بكلام لم تفكر فيه.
قالت وهي تحاول يائسة محو زلة لسانها: "حسن هناك الكثير من الأجناس المعمرة من حولنا".
استطاع بن أن يتبين أنها تريد طي الصفحة فترك الأمر وشأنه.
قال لها: "لا بأس. لدي صديقة قزمية في الواقع. غير أنها لا تفصح عن عمرها بل تكتفي بالقول 'لا ينبغي لك مشاكسة عجوز' حين أحاول استكشاف الأمر".
قالت: "لماذا وماذا كنت ستفعل؟"
قال: "أشاكسها عادة".
لم تكن متأكدة حقاً مما كانت تنتظره لكنها أطلقت أنّة على أي حال.
قالت: "حسناً يكفي هذا. يبدو أننا وصلنا".