بعد يومها الثاني في مساعدة خالتها بالمستشفى، انتهت ثيرا أبكر قليلا من اليوم السابق. كانت تخطط في الأصل للمساعدة يوما بعد يوم، لكن نظرا لأن أباها ما زال غائبا للتعامل مع الملوك العظام الآخرين، قررت تقديم جهد إضافي، ولاحظت بالفعل فائدة تمثلت في ارتقاء مستوى معرفتها الطبية خلال النهار. بغض النظر عن تلك الفائدة، وحتى لو لم يكن الأمر متعلقا بعملها الحالي، ظل تدريب سحر الحياة أمرا مجزيا متى أتيح لها، ومع غياب الخوف الذي شعرت به في ستونوول، تبدت التجربة أكثر إمتاعا بشكل عام.
بالطبع، ارتبط غياب الخوف ذاك أساسا بجهل المرضى بحقيقتها، لكن هذا لم يهم كثيرا. بدا شعور الامتنان الحقيقي لعملها مبهجا بشكل مدهش، وكانت تلك تجربة لا تألفها لكنها جعلتها ترغب في التحسن، وفهمت حينها لم يضيّق لوكس وقته من مستشفى إلى آخر فاعلا ما بوسعه. دفعها ذلك للتساؤل عن سبب تقاعس فيفيدوس عن تقديم المزيد لمختلف أجناس العالم، لكن من جهة أخرى لم تكن ملكة الحياة العظيمة تميل للمساعدة إحسانا بينما بوسعها التركيز على أي كابوس تعده في وادي الحياة.
شعرت باحتدام مشاعرها فأخذت نفسا، غير راغبة في السماح لأفكار خالتها الأقل تفضيلا بالسيطرة عليها نظرا لمكانتها الحالية، وجلست في وجهتها، الكنيسة الأولى في أنايليا. وبينما حرصت على أداء الصلوات بانتظام نسبي، نظرا لأن ملكتها لم تمنحها مهمة كوفئت عليها بغزارة فحسب، بل عملت جاهدة لإنقاذ حياتها أيضا. بناء على كل ذلك، ربما كان من الخطأ ألا تتجه إلى هناك فور وصولها إلى البلاد، لكنها بذلت قصارى جهدها لتعويض ذلك بحجم الامتنان الخالص الذي سكبته في صلاتها حين أغمضت عينيها.
قالت صوت تعرفه بمرح بينما فتحت عينيها مفزوعة لتصاب بالعمى من قوة السيادة الماثلة أمامها: "آه، بقدر ما يبدو امتنانك لطيفا، أتمنى حقا أنفتحي عينيك لنتحدث يا ثيرا".
أدركت أنها في عالم ملكتها ففرت راكعة تنحني إجلالا.
"يا أنايليا، إنه لشرف لي أن أحظى بفرصة التحدث إليك مجددا، فبأي فضل أستحق هذا اللطف؟"
أجابتها بتسلية، بينما أحست بفزع ثيرا يتصاعد مع الإجابة: "ممم؟ أتحتاج الأم سببا لزيارة أي من أبنائها؟"
"إطلاقا، لم أكن أقصي أي سوء أدب."
قالت قبل أن تتراجع عن فكرتها: "أنا أداعبك فحسب يا ثيرا، فلتستريحي. ربما عليك اقتباس صفحة من طفل ميرياد".
ثم استدركت: "حسنا، ربما لست بمثل تلك الليبرالية، فقد تسبب الأمر في صداع كبير هنا حين ذكر رغبته في محاولة ختم روح للاستفادة منها".
قالت وهي تعلم يمين اليقظة أن بن إن تعلق أمره بشيء فلن يصغي إلى منطق، وهي حقيقة التقطتها ملكتها بسهولة: "آه، سأبذل قصارى جهدي لمنعه من فعل أي شيء سيئ للغاية".
"لا تقلقي، طالما أنه سيجرب الأمر على الشياطين كما قال في حال نجاحه في صنع أداة كهذه فلا مشكلة. في الواقع، لقد جئت إليك في أمر آخر".
"سأكون سعيدة إن كان هناك أي شيء في وسعي فعله لك".
ابتسمت ملكتها بشفتيها الزاحفتين الرقيقتين استجابة لردها السريع.
"يسرني سماع ذلك، لكن حاولي ألا تتسرعي في الموافقة على الأمور قبل معرفة ماهيتها أولا، حتى وإن صدرت عن ميك. مع ذلك، أشك في أنك ستجدين مشكلة في هذا. لقد أديت عملا ممتازفا في إنجاز مهمتك بسرعة، وقد تأثرت بشكل خاص برؤيتك وأنت تكسبين المستوى الصفر من سحر الحياة. تجاوز المرء حدوده من أجل عزيز عليه هو أمر يستحق المكافأة، ولهذا السبب جئت إليك بأخرى إن اخترت قبولها. يا ثيرا، أعرض عليك هذا، أيقظي إحدى مهاراتك السحرية. وإن نجحت في ذلك فسأمنحك مستوى لأي مهارة غير موقظة".
شعرت بصمت مطبق يغلفها وهي تستوعب ما قيل للتو. مستوى لأي مهارة غير موقظة، مما يعني أنه قد يذهب حتى إلى مهارة من المستوى التاسع لإيقاظها. ببساطة لم يكن الملوك يتقدمون بعروض كهذه للأفراد على حد علمها، فمهمة بمثل تلك المكافأة التي تركز تماما على نموها الشخصي تجاوزت كل معقول.
قرأت أنايليا أفكار ثيرا فقالت: "الأمر ليس عظيما كما يبدو حقا. فحتى وإن كنت تعانين مع تحكمك بالسحر، فإن روحك مرتبطة ارتباطا وثيقا بتلك التي كسبتها لدرجة أن توفير مستوى لأي شيء دون مهارة موقظة هو أمر تافه. أما عن سبب عدم سماعك بمثل هذه المهمات كثيرا، فالأمر يعود إلى أننا نحاول عدم تقديم تحديات إن لم نؤمن بقدرة الشخص على النجاح، فحتى إصدار المهمة يكلف بعض الإيمان بعد كل شيء، لكن أمثالا هذه وضعت في الماضي. أنا أعرضها عليك الآن لأن إيقاظ مهاراتك السحرية ليس مسألة لو بل متى. نظرا لمدى الحياة المتوقع فلا شك في ذهني أنك ستتمكنين ذات يوم من إيقاظ أي من سحرك حتى الطبقة الثالثة متى أتيحت لك الفرصة، وكل ما أرجوه هو المساعدة في تسريع الأمور نظرا للوقت الضيق الذي نضطر جميعا للعمل ضمنه".
شعرت بالذهول. طالما حلمت في قلبها بإيقاظ سحرها، وبدء الطريق الذي سيمكنها من رؤية ملوك العالم العظام كأنداد، لكن بلوغ الطبقة الثالثة؟ لقد تجاوز ذلك حلمها الطموح أصلا. كان هدفا سعى نحوه عدد لا يحصى من الناس بينما امتلك القلة وحدها الموهبة والمهارة لتحقيقه. مع ذلك، إن كان الأمر لتلبية توقعات ملكتها ستخضع نفسها للاختبار.
"أقبل هذه الفرصة بامتنان".
<تلقيت مهمة — بداية العظمة>
قالت أنايليا وهي تطبع قبلة رقيقة على جبينها: "أتطلع بشغف لرؤية ما ستنجزينه"، قبل أن تجد ثيرا عينيها تفتحان مجددا داخل الكنيسة.
استغرقت منها محاولات جاهدة لئلا تعود إلى بيتها راقصةً مرحاً، فقد كادت الحماسة تفيض منها وهي تحاول وضع خطة لمهمتها. من الواضح أن عليّ محاولة إيقاظ سحر الأرض، والسؤال الوحيد هو أيّ مهارة أخرى يجب أن أرفعها إلى المستوى التاسع في الوقت ذاته؟ سحر الظلام مستبعد لذا فالأمر محصور بين سحر الحياة أو التحريك الذهني. آه، ستتكامل مهارة التحريك الذهني الموقظة بامتياز مع سحر الأرض، لكن مع سحر الحياة الموقظ ستتعين عليّ مساعدَة الكثيرين ومنع بين من الموت في المرة القادمة التي يقرر فيها كائن ما ابتلاعه.
هل يجدر بي حقاً استهداف تلك المهارة؟ حسناً، أظنني أعمل على التحريك الذهني بالتزامن مع الكثير من تعاويذ الأرض الآن على أي حال لذا يمكنني ببساطة معرفة الأقرب حين أوشك على بلوغ المستوى التاسع في سحر الأرض. وعندما عادت إلى البيت كانت والدتها خارج المنزل بالفعل، وتبدو وكأنها تنتظرها. لم تستطع منع نفسها من التساؤل عما إذا كانت البلاد بخير حين تبدو الملكة بمثل هذا التهاون إزاء كل الأعمال باستثناء الأكثر إلحاحاً منها، لكنها دفعت الفكرة جانباً وحيتها.
قالت وهي مفعمة بدرجة من البهجة لم تسمعها بيلينا من ابنتها منذ أن كانت طفلة ففاجأتها: "أهلاً أمي، أليست يوماً رائعاً بحق؟"
أجابتها: "أي يوم تكونين فيه سعيدة هكذا هو يوم رائع يا عزيزتي، ما هي الأخبار السارة؟ إلا إذا كنت ما زلت مبتهجة جداً بشأن دعامتك".
على الرغم من إثارة ذلك التطور الخاص، إلا أنها لم تكن معتادة بعد على فكرة قدرتها على التجوال في وطنها الآن دون خشية مفرطة من إيذاء أحد، لدرجة أنها نسيت أنها لا تحتاج إلى عباءتها أثناء خروجها طوال اليوم وكانت لا تزال ترتديها، لكن ذلك كان شبه عديم الأهمية حين أفتت بالخبر السار حول لقائها بأنايليا.
هتفت الأم: "هذا مذهل يا بنيتي! تلقي مهمة كهذه، يا له من شرف!"
ابتسمت من تحت غطائها بينما مدت والدتها يدها لخفضه.
"تعالي إذن، لا أسنح لي رؤيتك تبدين سعيدة هكذا غالباً، وعليك أن تدعيني أرى وجهك المبتسم".
"حسناً، أظن لا مانع. على أي حال، ما الذي تفعلينه هنا في الخارج؟ أليس لديك عمل؟"
طأر تغير طفيف على ابتسامة والدتها، الابتسامة ذاتها التي تظهر منها في مناسبات رؤيتها فرصة للمرح مما تركها قلقة على الفور.
"آه كنت ألقي نظرة فقط على مختلف الأشخاص المصطفين لتلقي دعامة من بين، لمَ لا تأتين معي لنلقي نظرة؟"
نظرت إلى والدتها بفضول لكنها سايرتها إلى الخلف، لتجد مجموعة متنوعة من الأفراد من الأجناس المصابة بالسحر السلبي، كل منهم يرتدي مجموعة وافرة من التمائم لحماية أنفسهم من الآخرين حولهم، فضلاً عن أمر آخر برز بوضوح. ألست هؤلاء من النساء بشكل غير متناسب؟ فكرت. كنّ جميعا في مثل سنها وبدوّن فائقات الجمال، بمعايير جنسها على الأقل، ولسبب ما ترك ذلك لديها شعوراً بالانزعاج.
قالت والدتها: "حسناً، يبدو أن الجميع يتصرفون بلياقة لذا تعالي معي إلى غرفتي قليلاً يا ثيرا، فهناك شيء يجدر بنا العمل عليه ربما".
"أم، ماذا؟"
"زيّك بالطبع".
قال: "لن أرتدي هذا".
قالت: "أرجوك؟ ستبدين رائعة فيه حقاً".
قالت: "يكشف الكثير من الجلد".
قالت: "عما تتحدثين، إنه يغطي جسمكِ بالكامل تقريبا. أقصى ما فيه ياقة على شكل حرف في، لكنه قدر مقبول من التكشف. لقد كشفتِ عن جلد أكثر بكثير عندما ارتديتِ التوجا في آخر زيارة لكِ إلى هنا".
قالت: "تلك ملابس تقليدية، والأمر مختلف. لما تتوقعين مني التزين أصلاً؟".
سألت بلينيا فور وصولها إلى غرفة أمها وهي تشرع في إخراج الأزياء، ترفعها أمامها ثم تهز رأسها وتلقي بها جانباً أو تحتفظ بها لفحصها لاحقاً بعد أن تنتهي.
قالت: "ستخرجين مع صديقك فور انتهائه، أليس كذلك؟ عليكِ ارتداء شيء جميل. هيا، جربيه على الأقل".
كان الثوب الذي أصرت عليه أمها أزرق ملكياً بأكمام طويلة تمنع أي شخص من لمس ذراعيها عن طريق الخطأ. صحيح أن فتحة الياقة لم تكن عميقة جداً، بل كانت مجرد حجة، فهي لم تكن معتادة على ارتداء مثل هذه الفساتين لأنها كانت ترتدي رداءها دائماً عند الخروج ولا حاجة لارتداء شيء كهذا في الداخل.
قالت: "وما علاقة الخروج مع بين بهذا؟ كل ما في الأمر أننا سنطوف البلدة وربما نزيح على مطعم، ويمكنني ارتداء شيء أبسط قليلاً".
رغم قولها ذلك إلا أنها ارتدته على الأقل وأخذت تتملى نفسها في المرآة. اضطرت إلى الاعتراف بأنها أحبت اللون عليها، فقد توافق مع شعرها الذهبي وبشرتها الرخامية. وكان أريح بكثير مما توقعت. بدا ملمس القماشة رائعاً، وسمح لها القص بأن تدلى ذيلها حراً عوضاً عن لفه حول خصرها كعادتها. وجدت نفسها مهتمة وشبه مقتناع بإبقائه عليها إلى أن لمحت نظرة المكر في عين وهي تتأمل انعكاسها.
قالت: "إنه جميل، لكني ربما أرتديه لوقت آخر".
قالت: "أوه لا تكوني هكذا، إن لم تبذلي بعض الجهد فسيسلب شخص ما بين منكِ".
قالت: "بغض النظر عن حقيقة فرضك خطبة علينا، بين ليس لي".
قالت: "أوه، أليس لديكِ أي اعتراض إذن على أن كل أولئك النسوة اللواتي يصنعن أطوافهن قد أُرسلن خصيصاً من قبل دولهن لمحاولة إغوائه؟"
تجمدت بينما كانت تستعد لخلع الفستان تفضيلاً لشيء أكثر اعتيادية.
قالت: "ما الذي تعنينه بهذا، فهذا يعد خرقاً لقواعد نقابة الحرفيين".
قالت: "بل هو التلاعب بها بحذر. لا يمكنهم إرسال أشخاص إلى منزله لأن ذلك سيكون انتهاكاً واضحاً لقواعد النقابة، لكننا طرحنا العرض ليُرسلوا أشخاصاً لتُصنع أطوافهم. إن وقع بين في حب إحدى النسوة اللواتي يحدثهن صدفة فلن تكون أي قواعد قد خُرقت، أليست كذلك؟ حقاً، إن حقيقة عدم حدوث هذا في المرة الأولى تعود تقريبا برمتها إلى الفوضى التي جلبها ابتكار الأطواف، فقد أتيحت الفرصة لكل دولة منذ ذلك الحين بوفرة لمحاولة معرفة كيف تريد كسبه، وحسناً، إنه شاب في النهاية. أتفاجئين إن تمكن شخص ما من لفت انتباهه؟"
أدركت أنها تتعرض للتلاعب. ورغم تأكدها من صدق أمها بخصوص غايات كل شخص ينتظر صنع طوقه، إلا أنها لم تشك لثانية واحدة في أن الغاية الوحيدة من كلامها هي انتزاع رد فعل عاطفي معين. لم يظهر بين قط أي اهتمام بأحد في ستونوول، ولو فعل لكانت واثقة من أنه سيخبرها. كان يهتم ببساطة بالتركيز على مهاراته أكثر من بحثه عن الحب أو الوصال، ناهيك عن حقيقة أنه لم يكن غبياً. ربما كان ساذجاً بعض الشيء إزاء العالم أحياناً، صحيح، لكنه لم يكن غبياً.
سيلتقط حقيقة أن الإغواء هو الهدف منذ البداية، ولن يساير الأمر هكذا فحسب. لماذا تقلق أصلاً إذن؟ كانت تعلم أنه قد يرغب في تكوين عائلة خاصة به ذات يوم، وفي تلك اللحظة سيتعين عليهما إلغاء خطبتهما المزيفة، وكان هو صديقها الأفضل، وبالطبع ستتمنى له السعادة إن كان هذا ما يبتغيه. مؤكد أن الأمر سيؤلمها ألا يكون في ستونوول إن غادر، لكن الأمر لم يكن وكأنها لن تراه مجددة إن حدث ذلك.
لذا لم يكن هناك أي سبب للاستسلام للنتيجة التي أرادتها أمها بهذا الوضوح. لن يقع في فخ شيء كهذا، وحتى لو فعل فتلك حياته، وستكون سعيدة من أجله. ألقت نظرة أخيره في المرآة، فعضت شفلها السفلى محاولة ألا تنقاد للمشاعر الملحة التي تنهش في صدرها.