استيقظت ثيرا باكراً عما اعتادت عليه. تركتها مشاعر اليوم السابق بنوم سيئ. فتحت عينيها لتجد نفسها قريبة بشكل مدهش من وجه بين. تطلب الأمر لحظة لتتذكر أنها طلبت منه البقاء. لم توقع أن تستيقظ بجانبه، ولا أن ينتهي بها المطاف متخذةً منه وسادة في منتصف الليل. ألم أكن في الموضع نفسه من قبل؟ فكرت في نفسها مسترجعة قرية الحوريات قبل أن يقفز احتمال مرعب إلى ذهنها. انتظري، من بين كل المرات التي اضطررنا فيها للنوم متقاربين مؤخراً، أليست هذه المرة الوحيدة التي استيقظت فيها أولاً؟
لا تخبريني أن هذا يحدث كثيراً؟ لم يأت بين على ذكر أي شيء من هذا القبيل، لكنها لم تظن أنه يفعل إن كان هذا ما يحدث حقاً. شعرت بوجهها يدفأ وهي تحاول إبعاد نفسها برفق دون إيقاظه. استطاع الاحتمال المرجوّ إحراجها أن يغطّي بعض الألم الذي شعرت به بالأمس، لكنها لم تكن متأكدة تماماً إن كانت تحب هذه المقايضة، وقررت فوراً التظاهر بأن شيئاً لم يكن. فهما شريكان في الصيد، مما يعني أنهما سيجدان أنفسهما في أماكن ضيقة أحياناً.
ستحدث نفسها بأنه على الأرجح لم يكن أمراً شائعاً وتكتفي بذلك. رغم استيقاظها، لم تكن متأكدة من أنها مستعدة لمواجهة اليوم. كانت تعلم أن الأمور ستكون مزعجة عندما تغادر وتبدأ بالفعل في التفاعل مع عائلتها، لكنها لم تكن تدري كيف ستتعامل مع الأمر، لذا أرجأته عوضاً عن ذلك. تناولت كتاباً من الرف وقرأت لفترة قصيرة حتى سمعت بابها ينفتح. دخلت والدتها ولعنت نفسها لعدم إقفاله في الليلة السابقة، بينما ألقت بيلينيا نظرة على بين الناشط—النائم، قبل أن ترى وجه ابنتها المشتعل خجلاً.
لحسن الحظ، لم تطلق أي تعليقات، بل طلبت بهدوء من ثيرا الانضمام إليها وغادرت الغرفة متوقعة منها اللحاق بها. فعلت ما طلب منها، وهي تعلم في قرارة نفسها أنه حتى لو لم يثر الأمر أي تعليقات فورية، فإنها ستندم على رؤيتها على هذه الهيئة طوال ما تبقى من زيارتها، وهما تشقان طريقهما إلى غرفة الطعام وتأخذان مقعديهما، بينما كانت وجبة إفطار خفيفة تنتظرهما بالفعل لتستمتعا بها.
بينما كانتا جالستان، قررت ثيرا حسم الأمور.
"أنا آسفة لتصرفي على هذا النحو بالأمس، كنت... مندهشة بعض الشيء على ما أظن".
"ليس لديك ما تعتذرين عنه. كنت أتمنى لو عرفت بما حدث مع البقية فحسب، لكنت أنا وأبوك حاولنا إعلان الأمور بطريقة مختلفة بعض الشيء".
"حسنًا، ما تم قد تم"، قالت لوالدتها وهي تهز كتفيها، بينما شرعت في قضم الطعام أمامها، رغم أن والدتها بدت غير متفقّة.
"لا أود قول ذلك تماماً. سيغيب أبوك لبضعة أيام بينما هو... يتعامل مع الأرواح التي تبدو محاولة للقيام بمثل هذا النوع من الأشياء. أما عن لوكس، حسناً، لقد قضيت وقتاً طويلاً في التحدث معها ليلة أمس. بصرف النظر عن حقيقة أنها تشعر الاستعداد لقتل البقية، فهي تقسم أنها لم تكن تعلم. كنت أتمنى لو ما زلت مستعدة للعمل معها قليلاً والتحدث في الأمر؟".
"أم، أعتقد أن ذلك سيكون جیداً"، قالت، وقد استعدت بالفعل للموت من مدى إحراج الأمر لو كان صحيحاً.
وبالنظر إلى أنها لم تكن تنسجم سوى مع نصف الأرواح العظيمة، كان عليها أن تمنح عمتها ثقة أكبر قبل رد الفعل على ذلك، لذا كان عليها الآن محاولة إصلاح الأمور.
"ممتاز، في هذه الحالة هي بانتظارك في المستشفى. أعلم أنها تريد حقاً التحدث إليك أيضاً، لذا يجب عليك الإسراع هناك بعد الأكل".
"أه، أحتاج إلى انتظار بين لصنع تميمة مقاومة حياة مع ذلك، ولا أود أن يصاب أحد بأذى"، أوضحت لوالدتها محاولة تأخير الأمور حتى تصبح جاهزة عاطفياً بشكل أكبر.
"تلك ليست مشكلة. شرحت سونيا كيف كنت تقومين بالأمور في ستونوول، ولكن عندما نقلت ذلك إلى لوكس كانت متأكدة من قدرتها على التعويض عن أي مشاكل قد تواجهينها طالما كان لدينا واحدة لمقاومة الظلام في متناول اليد".
رائع. فكرت وهي تنظر إلى طبقها شبه الفارغ وأطلقت تنهيدة. بدا وكأنها لن تؤجل الأمور.
وصلَت إلى المستشفى الرئيسيّ في أنايليا وشعرت بالارتباك فوراً. فعلى عكس العيادة التي يرتادها بضعة أشخاص في الحدّ الأقصى لتلقّي العلاج في آنٍ واحد، كان المستشفى غاصّاً بالبشر، حيث يتحرّك المعالجون والمرضى بلا انقطاع ويُعالجُونَ وهم على تلك الحال. لم تذهب إلى هناك قط، بل كانت تتلقّى دائماً أيّ علاج تحتاج إليه من والدتها طوال فترة عيشها في تلك البلاد، إذ لا يُوثوق بمعالج عاديّ بما يكفي للحفاظ على عقولهم أثناء العمل عليها، ولذا لم تعرف قط النطاق الذي يتعيّن على الشخص العاديّ التعامل معه.
أخذت نفساً وهي تمضي محاولةً الاسترخاء واقتربت ممّن بدا وكأنّه يعمل هناك وغير مشغول في تلك اللحظة، سالفةً إيّاه عن اتجاهات تقودها إلى خالتها. لم يكن الوصول إليها صعباً، فقد بدا أنّ الخبر قد انتشر بسرعة بشأن حضور شخص بمثل تلك القوة، فضلاً عن حقيقة أنّها تنتظر ابنة الملكة، وما إن أدرك الموظّف هويّتها حتّى دلّها على الطريق بسرعة. كانت تعمل في جناح الأطفال، ومُركّزةً على شفاء طفل واحد في كلّ مرّة، بينما تعدّ الأوهام في الوقت ذاته لتسلية الصغار ريثما ينتظرون دورهم في العلاج.
ولم تستطع ثيرا إلّا أن تجد الأمر غريباً بعض الشيء، إذ تعلم أنّها بالقوة التي تملكها خالتها كان ينبغي أن تكون قادرة على علاج كلّ فرد حاضر في الغرفة فوراً تقريباً، لكنّها تجاهلت ذلك وهي تدخل مطلقة تلويحة صغيرة عندما لاحظتها لوكس.
"حسناً أيّها الأطفال، سأعود بعد دقائق معدودات فقط فاببقوا عُقلاء حتّى ذلك الحين وسأحرص على إرائكم المزيد من المشاهد الممتعة."
وبينما ملأت المكان موجة من كلمات الموافقة والإيجاب، غادرت الغرفة مأخذةً ثيرا معها. توجّهت فورا لتحني رأسها وتعتذر عن طريقتها في التصرّف، ولكن قبل أن تتمكّن من ذلك أُجبرت على دخول عناق.
"ثيرا أنا آسفة جداً، لم تكن عندي فكرة أنّ البقيّة كانوا يفعلون شيئاً أحمق إلى هذا الحدّ!"
"ماذا، لا. خالتي لوكس، كان يجب أن أتحدث إليك بدلاً من الهرب هكذا، أنا من ينبغي لها الاعتذار."
ابتسمت خالتها ناظرةً إليها من علٍ وهي تغيّر ألوان نورها الساطع لتمنح وجهها ملامح أوضح.
"أنا مسرورة فحسب لأنّنا استطعنا تسوية هذا الأمر بسرعة. والآن، لمَ لا نتحدث بينما نتدرب على سحرك، هيا."
عادتا إلى الغرفة حيث قادتهما لوكس إلى الطفل التالي ووضعت ثيرا التميمة عليه ليكون في أمان. وعلى الرغم من احتمال نجَاتهم دونه نظراً لكونهم أطفال سُعلاة وقمع العصابة لتعويذتها، إلّا أن الحذر لا يضرّ أبداً. استطاعت لوكس بسهولة تحديد حالاتهم وهي تنظر إليهم وتخبر ثيرا بما يلزم فعله بينما كانت تعدّ وهماً آخر لإبقائهم جميعاً مستمتعين. وعلى هذا النحو شرعت ثيرا في استخدام سحر الحياة، مضطرّةً لاستخدام تعويذات أكثر تعقيداً ممّا تحتاج إليه عادةً عند علاج إصابة فحسب، بينما وضعت خالتها يدها على ظهر الطفل ضامنةً ألّا يسبب مانا ثيرا أيّ ضرر.
"أنا ممتنة حقّاً لحظي بمساعدتك يا ثيرا، للأسف لا يمكنني الوصول إلى كامل قوّتي في الوقت الحالي لذا فإنّ الأيادي الإضافية نعمة."
"أهناك خطب ما؟"
على عكس الروح العادية التي يكون معدّل استعادة المانا لديها أبطأ وقد تتأثر قدرتها على تجديد المانا بأحداث مختلفة، لا ينبغي لروح عظيمة أن تعاني أياً من تلك المشكلات. كانت تمتلك من المانا والتجدد ما جعل والدها يغيّر اقتصاد العالم بالكامل عن طريق تجسيد كميّات هائلة من المواد السحرية كلّ يوم، وإنّ فكرة أن يضعف أيّ شيء خالتها تخاوف يتجاوز الحدود. ولكن في مواجهة مخاوفها، اكتفت لوكس بضحكة خفيفة.
"يبدو أن الاحتفاظ بجسد غير مخصّص لأمور كالإنجاب بينما يحمل طفلاً يتطلّب مانا أكثر ممّا توقعت قط. سأكون أفضل في غضون بضعة أسابيع بمجرد ولادته."
"أموعد ولادتك قريب إلى هذا الحدّ؟ لا أستطيع تصديق أن والديّ لم يكلا يقولا شيئاً مبكراً."
"لم يعلما بالأمر إلّا قبل بضع أسابيع نفسيهما. كنت أنوي بالأساس الاحتفاظ بالسرّ لنفسي إلى أن يולَدا، ولكن حسناً... أعتقد أنّني بدأت أشعر ببعض التوتر. فهذه لن تكون سوى المرة الثانية التي تنجب فيها روح طفلاً من فانٍ بعد كلّ شيء، وكنت أرغب في طلب بعض المشورة من والديك."
"أرى ذلك"، لقد سمعت من والدتها عندما كانت صغيرة عن مدى الذعر الذي عاشه والدها حتّى ولادتها، إذ كانت الفكرة غريبة عنه تماماً في ذلك الوقت ومرعوبة من احتمال خطب ما، لكنّها ظنّت دائماً أنّها كانت تبالغ.
كيف يمكن لشخص بقوة أبيها أن يخشى شيئاً كهذا؟ غير أنّ رؤية خالتها الآن جعلت الأمر يبدو قابلاً للتصديق أكثر.
"إذن أتمانعين إن سألت كيف حدث كلّ هذا؟"
سألت لوكس بغمزة مرحة: "ألم يمنحك أحد قط الأساسيات عن كيفية صنع الأطفال؟"
"أنت تعلمين ما أعنيه."
"هاها، لقد التقيت بريت، شريكي عندما كنت أسافر للقاء مختلف أرواح النور في الأرض قبل بضعة أعوام. كنت دائماً أقرب إلى الفان بحكم خصائص الشفاء في تقاربي والتقيت به في مستشفى توقّفت فيه على طول الطريق. كان على حافة الموت عندما وصلْت إليه مع فقدان نصف جسده تقريباً في ذلك الوقت، ممّا جعل إنقاذه أمراً مرهقاً حتّى بالنسبة لي، ولكن بمجرد أن فتح عينيه عبّر عن حبّه الأبديّ لي. توجّهت فوراً لمعالجة رأسه ظانّةً أنني فاتني شيء ما، ولكن ما إن تأكدت من أنّه بخير حتّى استمرّ في إصراره، وأعتقد أنه يمكنك القول إنّني شعرت بالتسلية. لم أرضخ لتقدمه، لكنّني قررت أن أسمح له بالسفر معي لفترة. من هناك، ماذا يمكنني أن أقول؟ تقاربنا وقبل أن أدرك الأمر كان لدينا طفل في الطريق."
قالت ذلك وهي تبتسم وتفرك بطنها برفق بينما علقت ثيرا عند بداية قصتها.
"عذراً، نصف جسده كان مفقوداً؟"
"أهذاك؟ حسنًا، كان تنين مدرّع يهاجم بلدة ومثل الأحمق، ذهب لمواجهته وحده. أعمده فيما أظنّ محاولة إيقاظ مهارته القتالية بلا سلاح ليرتقي برتبته كمغامر لكنّه كاد يموت محارباً ذلك الشيء. صراحة، إنّه لمصدر عناء حقيقيّ"، قالت ذلك وهي تهزّ رأسها بينما تُركت ثيرا تستوعب حقيقة أنّ عشيق خالتها قرر مقاتلة تنين بيديه العاريتين.