أبلغت بيلينيا الدول الحليفة بقدوم صانع أساور المقاومة وشيك، ومنحتها فرصة إرسال من كانت أسحارهم أقوى من قدرة سحرة النقش المحليين على سترها. وفيما استعد الجميع لوصوله، ورسموا الخطط لاستقطابه، تسرب الخبر. لم يكن الأمر مفاجئاً للغاية. فرغم وجوب احترام خصوصية الرجل شرطاً لبراءة اختراعه، بدأت دول أخرى، خارج نطاق من ولدوا بسحر كامن، تلاحظ ما يجري. خصوصاً مع خروج العديد من الأعراق التي اضطرت للاختباء طوال الفترات الماضية، وتفاعلها المتزايد مع العالم الواسع بمرور الوقت.
كان هذا ليجذب الانتباه حتماً، وتمددت الشائعات بالقدر نفسه. انتشرت أقاويل عن مولد أستاذ نقش، وهي ندرة في عالم لا يكاد يضم سوى فرد أو فردين ممن فتحوا ذلك التخصص في الحقبة الواحدة. وبحسب ما بدا، كان بارعاً بشكل استثنائي. وبينما نظر الكثيرون إلى الأمر بفضول، متسائلين عما إذا كان ابتكار أساور المقاومة مجرد صدفة عابرة أم عوناً حقيقياً في الحرب القادمة، كانت لدى مجموعات أصغر أجنداتها الخاصة.
"يمكننا توقع وصولهم خلال أسابيع".
قال ذكر جني، ملخصاً ما توصل إليه، بينما حاول ألا يذوب طرباً. اتسعت حدقتا عينه وهو يبذل قصارى جهده للسيطرة على نفسه حتى تنتهي رئيسته، التي سحبت ببطء أسنانها الطويلة الدقيقة من عنقه بعد أن انتهت من التغذية. أخذت لحظة لتلعق بقايا الدم عن شفتيها وفكرت فيما أبلغت به، جاهدة ألا تفرط في الأمل إزاء ما نقله تابعها.
"هل نحن متأكدون من دقة هذه المعلومات؟ سمعت الشائعات، لكن المحتالين والدجاجلة طالما حاولوا ارتكاب أمور مشابهة سابقاً، زاعمين اكتشاف حلول لمشكلات الأعراق ومبدين استعدادهم لتقديم العون مقابل القدر المناسب من العملات. وبعضهم نجح حتى في الفرار محتفظاً برأسه".
قال الجني مستعيداً زمام أمره: "نحن متأكدون. رأينا عدداً من الأعراق المعروفة بسحرها الكامن تغادر عبر بوابة أنايليا بلا عباءة فانتايل أو أي من الوسائل الأندر لحجب طاقاتهم، وكل منهم يضع سواراً معدنياً على إحدى ذراعيه. لا أتصور أن يغادر هذا العدد نحو دول أخرى لولا التأكد التام من عمل ذلك الجهاز. ونظراً للتشابه القائم بين فتنة السوكوبي ومأساة عرقك، لا يسعني إلا الإيمان بالقيمة التي ستجنيها من لقاء هذا الفرد".
لم تستطع إلا أن تكشر وجهها. إن كان ما سمعته صحيحاً، فليس أمامها كقائدة خيار سوى محاولة اللقاء. وفي حين تمتع السوكوبي بميزة القدرة على التأقلم مع العزلة متى دعت الحاجة، استحال تطبيق الأمر ذاته على بني قومها، وهي مشكلة عانوا منها منذ مولدهم المؤسف في عالمهم الأصلي. ستفعل أي شيء لترتيب اجتماع إن أمكن، لكن مشكلة صغيرة برزت.
تنهدت قائلة: "لو أننا أقمنا أي نوع من العلاقات مع دولة السوكوبي... لكن مع ضآلة عديدنا، ما جدوى ذلك أصلاً؟ أظن أن كل ما بوسعنا فعله هو محاولة اللقاء، والأمل في أن تبدي ملكة أنايليا مرونة كافية للاستماع إلى طلبنا على الأقل".
"هناك خيار آخر إن كانت معلوماتنا صحيحة. يبدو أن صانع النقش أقام في منزل الملكة أثناء صنعه لتلك الأساور للمرة الأولى، بل وسرت شائعات بأنه الشخص ذاته المرتبط خطبة بابنة بيلينيا".
قالت وهي تفرك أرنبة أنفها: "لا أرى في ذلك سوى ما يزيد الأمر صعوبة بالنسبة إلينا. أترين حقاً أن قائدة دولة سترغب بوجود كائن مثلي بالقرب من ذويها؟"
"ربما لا. لكن مع جهلنا بعرقه، نعلم تماماً أنه ليس انكوبوس. إن راقبنا منزلها بحذر بحثاً عن أي مغادر، وطالما لم يكن انكوبوس ولا روح الأرض العظيمة، فيمكننا افتراض أنه صانع النقش نفسه أو أحد رفقائه. إن تحدثنا ببساطة وشرحنا قضيتنا، بوسعنا الأمل في تجاوبهم".
"همم، قد يكون ذلك أفضل مسار للعمل. أظن أنه لا ينبغي أن نصطحب الكثير من الناس، فالمشكلات الناجمة عن وجود أكثر من نفر يراقبون منزل رئيس دولة ستفوق ما أحتمل تخيله. ولتأمان، لنقتصر الأمر عليك وعليَّ. وإن لم نره شيئاً بعد أيام، سأبذل قصارى جهدي لفتح باب الحوار مع الملكة، ومهما كلف الأمر علينا أن ننجح".
وحالما اتخذت قرارها، شرعتا في الترتيبات استعداداً للرحيل نحو البوابة الأقرب، شاعرة بثقل قومها يثقل كاهلها وهي تفعل.
ان تكون الاخير امر قاس حقا — لا سيما ونحن نقف على مرمى عصا من ثأر طال سعيه. فكر الشيخ وهو يقف فوق جثة أخيه — تاركاً إياه آخر إخوته المخلوقين من مَلِكهم — ومع موت ذلك المَلِك بالذات وصرير مفاصله هو، أدرك أن أجله قد اقترب. ومع انقضاء كل قرن لم يستطع إلا أن يتمنى لو تبدأ الغزو وحسب، مهما كانت تلك الأمنية أنانية بحق الأجناس الأخرى التي اتخذت من العالم وطنا لها. فهم يعلمون أن وقتهم محدود بعد كل شيء، ولكن مع مرور السنين وسقوطهم واحدا تلو الآخر، كم كان القدر قاسيا حين أوشك أعداؤهم الألدّاء على الوصول أخيرا، لكن بعد فوات الأوان ليفعلوا شيئا.
وحتى الآن شعر بالسحر في داخله يبدأ بالتفكك، يتحلل بعد قرون بلا سبيل لإصلاح شيء بمثل هذا التعقيد، ولا كائن في العالم يملك المهارة. بل إن الملوك، لو نزلوا على رُسلهم ليتقمصوا أشكالهم، كانوا أضعف من أن يساعدوا بسبب خسائرهم. ولو وجد سبيل لنقله إلى عوالمهم لكان الإصلاح سهلا، لكن لا جدوى من التفكير في مثل هذه الفروض المستحيلة. وأمنية أخرى تمثلت في أن يبث احدهم قوته في العالم الفاني من داخل عالمه، لكن ذلك لن يعدو كونها رغبة غير معقولة.
فما أثقل انقاذ حياته وحدها حين تكون القوة والإيمان أصلح لأمور أخرى، مما يجعل الفكرة في ذروة الأانية. وضع يدا واحدة على رأس أخيه وتمتم بدعاء سريع لمَلِك لم يعد هناك ليستمع إليه، قبل أن يجلس وينتظر النهاية ليأتي دوره أيضا، محظيا ببعض السلام قبل رحيله على أقل تقدير، أو هكذا أمل.
قالت الفتاة الصغيرة من الميليا وهي تقتحم مسكنه: "أيها الشيوخ الأفاضل! جئتكم بخبر!".
قال للفتيات المكلفة حاليا برعاية احتياجاته بلطف: "أخشى أنه لم يعد في هذا المكان سوى شيخ واحد الآن يا بنيتي، لكن هلمي وتحدثي".
وحتى ذلك بدا مزحة قاسية نوعا ما، فالجنس الذي خُلق ليحميه صار هو من يتولى رعايته في أيامه الأخيرة، ولكن بخلاف المرارة الناتجة عن عدم القدرة على الانضمام إلى المعركة، لم تكن هذه تلدغ. فقد كان له ولكل إخوته حب عميق لشعبهم، وما زال ذلك الحب متبادلا بعد كل هذه القرون. أما الفتاة فبدت مصدومة وعلى وشك البكا وهي ترى الجثة ملقاة على الجانب، لكنها تماسكت لتمضي في إيصال رسالتها.
"إذن فهذا أهم بكثير! تشير الشائعات إلى أن ساحر نقوش بارعاً سيظهر في أنايليا، يجب أن نأخذك إلى هناك فورا ونستجدد عونه!".
قال: "يا بنيتي، كم عدد السحرة والممثلين الإلهيين الذين رأيتهم منذ أن بدأ الآخرون بالتداعي؟ رؤية واحد آخر في آخر عمري ليقال لي إنه لا يوجد ما يمكن فعله ليست طريقة للاتيان بالايام الأخيرة".
أخبرته وهي تكاد ترجوه أن يوافق: "لكن هذا قد يكون مختلفا! يُقال إن هذا قد حل مشكلة السحر السلبي الذي يواجهه الكثير من الأجناس! بالتأكيد ساحر بمثل تلك العظمة يستطيع فعل شيء لأجلك!".
لقد رأى في عيني الفتاة الصغيرة النظرة نفسها التي رآها في كل فرد من جنسها حين بدأ هو والآخرون بالتداعي قبل زمن بعيد. عزيمة على أن يعيش ربما لم يعد متأكدا من امتلاكها بنفسه، وكانت كافية لكي يتخذ قراره.
"حسنا جدا، أظن أن مغامرة أخيرة في هذا العالم ستكون لطيفة، حتى إن لم تنجح، سأغادر إلى أقرب بوابة عما قريب".
"رائع! سأبلغ الآخرين بالمكان الذي سنتوجه إليه فورا!".
أخبرها برفق: "ليس نحن. حتى وإن كان ما قلتيه عن السحر السلبي صحيحا، فلا ضامن من أن الجميع في أنايليا لا تُحجب أسحارهم، وأود ألا يصيبك أنت أو الآخرين مكروه بسببي".
"ولكن إن حدث لك شيء فلن نعرف أبدا!".
نهض وامنحه ابتسامة خفيفة قبل أن يمد يده ويبعثر شعرها.
"إن لم أعد فستعرفين ما حدث. الوقت يقترب على أي حال، لكنك محقة، إن كانت نهايتي قريبة فمن الأفضل أن أذهب محاولا دفعها بدلا من الاستسلام بخنوع".