الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 183

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 183 باللغة العربية على مانجا تايم.

اتضح في النهاية أنّ المواجهة كانت المحطة الأخطَر في رحلتهما، فقد كانت ثيرا قادرة على التعامل مع أي تهديد صغير يعترض طريقهما طوال ما تبقى منها، ومع بقاء المدينة على بعد ساعات قليلة فحسب، سمحا لنفسيهما بالاسترخاء قليلاً.

قالت له وهي تشعر بالرضا حيال مجريات الأمور برمّتها: "أرأيت، لم يكن الأمر سيئاً إلى هذا الحد، أليس كذلك؟".

باستثناء واقعة واحدة انتهت بخطورة أكبر من المتوقع، فقد تدبرا أمورهما بلا مشكلات حقيقية وكادا أن يصبحا قادرين على تقديم تقريرهما، ناويين تسليط الضوء بشكل خاص على ما أخذ بن يسميه نورات الوقت بوصفها كائنًا جديدًا خطيرًا في الغابات. لو كان الحظ حالفهما لكانت المجموعة بأكملها التي هاجرت إلى المنطقة قد قُتلت، لكنهما لم يستطيعا المجازفة باحتمال عكس ذلك، وبدا مرجحًا أن البلدات الواقعة على طول الطريق ستحتاج إلى توخي الحذر من تغيرات أكبر خلال الفترة القادمة.

قال: "ما زلت عند رأيي بأن هناك أمورًا أفضل كان بإمكاننا فعلها بهذا الوقت، لكنه منحني فكرة جيدة لذا لعل الأمر استحق عناءه".

سألَتْ وفي صوتها فضول واضح بينما أطلق بن ضحكة خافتة: "أحقّاً؟".

قال: "سأحتاج إلى مساعدتك في هذا الأمر حين نصل إلى أنيليا، على الرغم مما أشعر به حيال الفكرة من تعقيد نظرًا لأنها تجعل الكثير من أعمالي الأخرى بلا فائدة، لكنها قد تنجح على المدى الطويل".

كانت على وشك محاولة إرغامه قليلاً ليقدم لها التفسير بدل تركه يتمنع على عادته حيال أي فكرة لم تكن متأكدة من قدرته على إنجازها، لكنهما عانيا فوراً جراء تهورهما. فمهما كان قربهما من المدينة، كانا ما زالا في الغابة، وما زالت ثيرا تملك فانوس التعويذة في يديها. وبينما كان تأثير الأدوات يجذب المخلوقات، لم يكن يجذبها من سهل منبسط بل كان يجذبها من كل الاتجاهات، وبالطريقة ذاتها التي هاجم بها القرد الحجري بن سابقًا بين الأشجار، وجدت ثيرا كائنًا عليها.

أصغر حجمًا من القرد لكنه أشد خطورة بمراحل، تنين قزم، كائن ذو حراشف قوس قزح براقة بحجم البومة وله تقارب عميق مع عنصر النار، كان يغرز مخالبه في جلد يدها المكشوف بينما كانت تصارع لكبح صرخة من شدة الألم وهي تشعر بلحمها ينضج، إذ لم ترغب في المجازفة بالاقتراب كثيرًا من كائن تعلم أنه قادر على إحداث دمار هائل بالنيران التي يمكن أن ينفثها إن بدا له ذلك. استجاب بن بسرعة، عالمًا أنه بما أن الكائن يلامس جلد ثيرا الوحيد المكشوف فلن يتركه في أي وقت قريب، ففعّل التعويذة التي على السكين التي كابح لأجل صنعها، إذ بات يحملها معه لاحقًا ولا يستعمل سوى يد واحدة لتعويذاته منذ هجومهما الكبير السابق.

اتحرك بأسرع ما يمكن مستخدمًا التعويذة عليها، تاركًا بطارية المانا تغذيها منذ تلك اللحظة فصاعدًا، وبكل ذرة من قوته ضرب عنق الكائن النحيل الطويل، متمكنًا من فصل رأسه عن بقية جسده. حرص على الإمساك بالجسد قبل أن يسقط، فقد كانت المخالب ما زالت مغروسة في جلد ثيرا ولم يرغب بأن يتسبب وزن الجسد في إحداث مزيد من الضرر بينما كانت تحاول حبس أنين ألمها.

قال لها وهو يفك كل مخلب بحذر من لحمها: "امنحيني دقيقة".

لم يكلف نفسه عناء سؤالها عما إذا كانت بخير، فتلقيه إصابة مشابهة في الماضي كان كافياً ليعرف أن الأمر سيء وتركيزه انصب بدلاً من ذلك على تحريرها.

حاولت المزاح لتجاهل الألم: "آه، حسنًا، ربما كان دوري ليأتي مع كثرة إصاباتك".

تعرضت لإصابات بين الحين والآخر في الماضي حين كانت تصطاد وحدها وتنكسر عصاها، لكن ذلك لم يحدث قط منذ بدأت العمل مع بن، وكانت هذه إحدى أسوأ الإصابات التي تلقتها على الإطلاق.

سأل بعد أن حررها: "أتقدرين على مداواة جرحك بنفسك؟".

كان أعمق بكثير مما يود رؤيته، إذ بدا متنفطًا ونازفًا على حد سواء، لكنه على أسوأ تقدير لن يثبت سوى أنه ليس سيئًا للغاية بوجود المدينة بالقرب منه.

"مقاومتي للحياة منخفضة حقًا وحتى لو صنعت لي تميمة فلست متأكدة كيف سيعمل الأمر حين أستخدمها على نفسي. ربما يجدر بي الانتظار حتى نصل إلى البلدة بدل المجازفة بإصابة نفسي بالمرض بسحري الخاص".

قال لها وهو يمد يده إلى إحدى الحقائب ويخرج عدة الإسعافات الأولية التي اعتاد حملها ويمسك بجرعة دم الحياة التي صنعها سابقًا: "حسناً، امنحيني ثانية إذًا".

موجهًا المانا عبر خاتم سحر الحياة الخاص به، بذل قصارى جهده لغمر الجرعة بالمانا لتعزيز تأثيراتها قبل صبها على إصابتها وتلفيف الأمر برمته بضمادة.

قال: "سيفي هذا بالغرض حتى نصل إلى المدينة، لكننا سنحتاج إلى رؤية معالج قبل الذهاب إلى النقابة. لقد حزمت تميمة مقاومة لذا لن تكون هناك أي مشكلة في هذا على الأقل".

لحسن الحظّ، كانت تلك آخر هجماتهم الحقيقية بحلول وقت وصولهم إلى المدينة. وبعد قضاء بعض الوقت لمعالجة ثيرا بالشكل اللائق والإبلاغ عن نتائج مهمّتهم، وفحص بطاقاتهم من قِبل النقابة لتأكيد قتلاهم وتسليم الأموال، نجح اثناهما في أن يصبحا مغامرين من الرتبة الرابعة. كانت ثيرا تتأمّل بسعادة العلامة التي تشير إلى ذلك على بطاقتهما بينما سمحت لبين بأن يجرّها في أنحاء البلدة مجدداً، متعاملاً معها بالطريقة نفسها التي فعلها آخر مرة تواجدا فيها هناك، وإن كان ذلك بدرجة أكبر بكثير من خيبة الأمل بعد مرور وقت قصير.

تذمّر قائلاً: "لماذا يبدو كل ما أراه هنا فاتراً إلى هذا الحد؟".

لقد حرص على ألا يزور المتاجر التي فاتته في المرة السابقة فحسب، بل تلك التي سبق أن أعجبته أيضاً، ليصاب بخيبة أمل في النهاية. بدا الأمر وكأنّ كل متجر قد شهد هبوطاً ملحوظاً في الجودة، وكان واثقاً من قدرته على صنع كل ما يراه بكل سهولة.

أشارت ثيرا قائلة: "أليست المشكلة ببساطة في أنك أصبحت أفضل بكثير؟ لقد صعدت، مثل أربعة مستويات منذ أن كنت هنا آخر مرة".

"آه، نعم ربما، لكنني ما زلت صانعاً من المستوى السابع فحسب! يجب أن أكون قادراً على رؤية بضع أشياء أفضل على الأقل مما يمكنني صنعه!".

"حسناً أولاً، أنت صانع مبارك من المستوى السابع، وهناك فرق هائل عند مقارنة ذلك بصانع عادي من المستوى السابع، حتى وإن لم تكن لدي العين لأرى ذلك بنفسي. وثانياً والأهم، أنا متأكدة تماماً من أنني أخبرتك من قبل أن معظم الناس لا يتجاوزون المستوى الخامس بمهاراتهم. إنه لأمر غريب حقاً أنك ما زلت متدرباً لدى عمي بالنظر إلى علو مستواك، فبالمال والمهارة التي تمتلكها يمكنك تأسيس متجر في أي مكان تقريباً في هذه المرحلة وكسب عيش ممتاز".

"لن أفعل شيئاً من هذا القبيل حتى أستنزف كل قطرة أخيرة من المعرفة والمهارة من فالك، لذا سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن أفكر في ذلك أصلاً. إنه لأمر واضح تماماً أن أعداده تتفوق بمراحل عمّا أراه هنا. عليك أن تكوني صريحة معي يا ثيرا، ألدى فالك بعض المهارات المُيقظة، أليس كذلك؟".

بدا أن السؤال قد أخذها على حين غرة حقّاً.

"إنه لا يشارك مهاراته لذا لست متأكدة، ولكن هل أغراضه جيدة حقاً لدرجة تجعلك تظن ذلك؟ ربما تبدو أغراضه أفضل بكثير فقط لأنه حداد متفانٍ. لا مؤاخذة، ولكن من المعرفة الشائعة أن مهارة أكثر تخصصاً تخلق نتائج أفضل من مهارة عامة كصناعتك".

"لا مؤاخذة. أعترض ربما يكون الأمر هكذا، لكن يجب أن يكون على الأقل في المستوى التاسع لكل من الحدادة والتطويع ومن الصعب تصديق أنه ليس أعلى من ذلك بناءً على ما رأيته".

ومهما كان مزعجاً عدم القدرة على الحصول على إجابة لشيء أثار فضوله إلى هذا الحد، فقد قطع على نفسه وعداً بأن يجعل معلمه يبوح بذلك في النهاية، بغض النظر عن مدى صعوبة العمل الذي يتوجب عليه بذله لأجل ذلك.