انقضت أيام رحلتهما الصغيرة دون مشكلات تُذكر. كان الفانوس يؤدي عمله ويجذب الكائنات نحوهما كلما تقدما. غير أن أي مخلوق اعترض طريقهما كان أصغر من أن يشكل تهديداً حقيقياً لعربة تسير على الطريق المجاور. وكانت ثيرا تتعامل معها بسرعة مستخدمة سحر الأرض دون عناء. كان الأمر مملاً فحسب، ولم يستطع بن كف نفسه عن التفكير في مدى إهدار الوقت بالنسبة إليه شخصياً في القيام بذلك. فبدلًا من العمل على تطوير مهاراته أو صنع أدوات أفضل، كان يلعب دور التابع في مهمة تخص ثيرا أكثر من أي شيء آخر.
لا يعني هذا أنه أراد تركها تمشي وحدها في الغابة لبضعة أسابيع، فلم يكن هناك جانب واحد يعجبه في ذلك الاحتمال. بل تمنى لو أُعطيا شيئاً يمكن إنجازه بسرعة أكبر أثناء محاولتهما قطع الوقت. على الأقل كانت لديه تعاويذه ليشتغل بها، حتى وإن بدأ يضطر إلى إجهاد إبداعه قليلاً لتبين ما يضعه على ما يملكه من أغراض. فهناك حد لما يمكن للمرء فعله ببعض السكاكين وقبضات البُرونز مما يكون مجدياً حقاً.
ولو استمر في صنع الأدوات نفسها مراراً وتكراراً فسيحصل على خبرة أقل في المجمل. دعنا نرى، أظن أنني دفعت التعاويذ المرتبطة بعنصر الوقت إلى أقصى حد ممكن. العنصر الوحيد الذي لم أدمجه معه بعد هو الفضاء. لكن ما فائدة ذلك أصلاً؟ إلا إذا... هل يمكنني تصميم تعليقة لانهيار الفضاء بدلًا من تمديده كما أفعل مع الحقيبة؟ سكين قادرة على جذب اللحم نحوها ستُحدث ضرراً أكبر بكثير إن طعنت شخصاً ما، أليس كذلك؟
ربما يجدر بي ربط مهارة أخرى أثناء قيامي بذلك. ربما التدنيس؟ ألا أحقق الحلم المطلق بصنع نصل قاتل للآلهة؟ فكر في نفسه ضاحكاً، وافترض أن ميرياد لا بد كان مشغولًا بما أن الفكرة لم تستدعي أي تعليق. أخذ لحظة أخرى ليتبين ما يفعله بالأسلحة الثلاثة الأخرى في يديه قبل أن يبدأ العمل. راح يجرب ما يمكنه فعله عبر مزج المانا ونسجها أثناء تقدمه، محاولاً استخلاص ما سيكون شديد الفعالية، أو معرفة ما إذا كان سيحقق أي نتائج غير متوقعة أثناء عمله.
وعلى الرغم من اعتقاده بأنه لم يغرق تماماً في مهمته، إذ بذل قصارى جهده ليكون واعياً بما يحيط به طوال الوقت، فقد شعر بثرام تشد ذراعه بقوة.
"بن، أعرف أنك تريد الانتهاء من المهمة، لكن عليك أن تبطئ قليلاً. لا يمكننا الاندفاع هكذا فحسب"
قالت له ببطء، وكان تنفسها أسرع قليلاً مما كان يتوقعه بالنسبة للسرعة التي ظن أنه يسير بها.
"هاه، آسف. أظنني لم ألاحظ ذلك بينما كنت منغمسًا في العمل. سأخذ استراحة قصيرة"
قال لها وهو يخبئ أدواته. فقد كان منكبّاً عليها لساعات في تلك النقطة على أي حال، وارتأى أن إراحة عقله قليلاً ستساعده على التفكير بسهولة أكبر في خيارات تعويذات مختلفة لاحقاً. واصلا المسير، وصار بن يلتفت نحو نقاط معينة في الغابة كلما لفت انتباهه صوت. لكن بما أن أياً منهما لم يَر شيئاً فقد افترض أنهما مجرد أصوات الغابة العادية، إلى أن عاودت ثيرا جذبه مرة أخرى.
"حقاً، لماذا تسير بهذه السرعة اليوم؟"
لم تكن تكابد لتجاريه بالضبط، بل إنها كانت عادةً من تحتاج إلى انتظاره. كانت تعلم أنه يتطلع للوصول إلى أنايليا، لكنها لم تظن أنه سيكون في مثل هذه العجلة.
"عما تتحدثين؟ هكذا أمشي دائماً—"
انتبه عقله لشيء ما فتحرك بسرعة، وجذب ثيرا إليه بينما ألقى بسوار الحاجز على الأرض، ليحبسهما معاً في مساحة صممها في الأصل لتكفي شخصاً واحداً فقط. أعدت ثيرا عصاها مفترضة أن بن لابد رأى شيئاً ليتفاعل هكذا، مع عدم وجود أي شيء في مجال رؤيتها.
"ما الأمر؟ أرايت شيئاً؟"
"ربما لا شيء"
اعترف، لا سيما أنه ما زال يشعر بالحذر.
"على حد علمي أنا أسير بسرعتي المعتادة، وكلانا يعلم أنني لست أسرع منك. أخشى أن شيئاً ما ربما كان يضعفنا".
"همم، لقد بدا سريعا على غير العادة، لكننا كنا سنتمكن من الإحساس بالفرق لو تعرضنا لإضعاف في السرعة بأنفسنا. لم أشعر بأي خمول إطلاقاً. ربما تلقيت تعزيزاً؟ أتأكد أنك لم تشعر بأنك أسرع أو أكثر نشاطاً؟"
"لا، كل شيء طبيعي"
أخبرها، مستعرضاً الاحتمالات في ذهنه قبل أن يصل إلى استنتاج لم يُعجبه البتة.
"عندما تحدثت قبل قليل، كيف كان صوتي؟ بدوت لي بطيئة بعض الشيء".
"همم؟ أظن أنك بدوت سريعاً بعض الشيء. انتظر، ألا تفكر في سحر الوقت، أليست هذه هي الفرضية؟"
"إنه تخميني الأفضل. مقاومتي أعلى بكثير من مقاومَتِك، لدرجة أننا حتى لو أصُبنا به معاً فقد أُصبح أسرع منك".
كان الحاجز مربوطاً بمقاوماته إضافة إلى مقاوماته الطبيعية، لذا لن يتأثرا معاً إلا بالكاد في هذه المرحلة. لكن إن كان محقاً فهذه مشكلة أخرى تماماً.
"لا المفترض ألا تكون هناك أي مخلوقات في هذه المنطقة تمتلك تقاربًا قوياً مع الوقت"
قالت ثيرا بصوت يبدو عليه القلق، وهو ما فهم سببه تماماً. فبغض النظر عن حقيقة أن المخلوقات ذات تعاويذ الوقت قادرة بالتأكيد على إحداث تأثير أكبر بكثير على المسافرين، فإن ذلك قد يشير أيضاً إلى تطور تغير في الغابة كانا يحذران منه من الأساس بسبب قرد الحجر، تغيراً رئيسياً ومهماً.
"لِمَ لا ننتظر هنا قليلاً ونرى إن كان شيئاً ما ينوي الخروج؟"
وافقت ثيرا بسهولة تامة وانتظرا، يراقبان بصبر رغبة في خروج أي شيء لمهاجمتهما. كان بن يكابد لمد يدها إلى حقيبته ليحاول التقاط أداة تحسباً لخروج أي شيء، بينما حاولت ثيرا التعامل مع ضيق المكان، إذ كان ظهرها ملتصقاً بالحجارة بينما وجهها محشوراً في صدر بن.
"هل لي أن اقترح جعل هذا أكبر قليلاً في المستقبل؟"
قالت بعد برهة، وهي تشعر بتوتر أقل وحرج أكبر لعدم ظهور أي شيء.
"آسف، لم يخطر ببالي أننا قد نضطر للتشارك في هذا. بما أن شيئاً لم يخرج بعد، فهناك احتمال كبير بأنه لم يعد متأثراً بالفانوس نظراً لتقليل تأثيره بواسطة مقاومات الحاجز. أتريدين مني إزالته؟"
"ممم، سمعت أن الوحوش ذات التقارب الزمني عادة ما تكون مخادعة، فلنمنحه وقتاً أطول قليلاً لنكون في الجانب الآمن".
بدا أن بعض أنواع السحر تبدو بديهية أكثر لاستخدامها من قِبل مخلوقات مختلفة، مما يعني أنه إن صادف المرء كائنًا يمتلك سحراً كالفضاء أو الوقت، فعليه أن يتوقع ميلاً للمكر أكبر بكثير مما قد يواجهه مع الكائنات التي تستخدم السحر الجسدي المعتاد. انتظرا وقتاً أطول على أمل أن يخرج شيء ليريح بالهما، لكن مع مرور الدقائق وعدم تحرك أي شيء، كانا مستعدين للاستسلام، إلى أن وجدا نفسيهما في وضع أسوأ بكثير مما توقعا مواجهته.
كانا يتوقعان زوجاً من الأهداف فحسب، لكنهما وجدا أنفسهما محاطين فجأة في طرفة عين، ولم يملك بن إلا أن يشتم. فتعاويذ الوقت لا يمكنها إبطاء الأشياء فحسب، بل يمكنها تسريعها أيضاً. وبدا أن المخلوقات التي بحجم البشر والشبيهة بابن عرس قد استغلت تلك الحقيقة تماماً لتظهر بأعداد هائلة. الإيجابي الوحيد كان أن من بين الاثني عشر كائناً التي أحاطت بها، نجح ثلاثة في إيذاء أنفسهم لعدم رؤيتهم الحاجز أمامهم فاصطدموا به مباشرة برؤوسهم، لكنهما كانا محاصرين تماماً.
إنزال الحاجز سيمنحهم سبيلاً للمهاجمة، بينما إبقاؤه سيحافظ على سلامتهما لكنهما سيظلان محاصرين.
"حسنًا، ربما أخطأت التقدير في هذا القرار"
حاول المزاح، رغم عجزه عن منع نفسه من الشعور بالقلق.
"من الناحية الإيجابية لدينا طعام وماء، ويمكننا الانتظار حتى يملّوا ونأمل أن يبحثوا عن فريسة أسهل".
"لا يمكننا فعل ذلك فحسب"
قالت له وهي تهز رأسها.
"السبب بأكمله لوجودنا هنا هو التعامل مع أي مخاطر قد تؤثر على المسافرين".
"إذن بماذا تفكرين؟ أضربهم من الخلف عندما يبدؤون بالمغادرة؟"
"خفض الحاجز عندما يستطيعون زيادة سرعاتهم وخفض سرعتنا يبدو محفوفاً بالمخاطر"
قالت بتردد قليل قبل أن تتابع.
"لدي فكرة سيئة للغاية، أتظن أنك تستطيع الوثوق بي؟"
"بالتأكيد".
"رائع، لكنت قلت إن عليك التمسك بشيء، لكنني أظن أنه ليس هناك ما يمكن الإمساك به فعلاً. أمم، سيبدو الأمر على ما يرام على الأرجح"
أخبرته، مما خفض ثقته إلى حد ما وهي تغرس عصاها في الأرض وتفعل تعويذتها. وفي حين أنها كانت ستواجه صعوبة في صنعها عبر الحاجز، فإن ذلك لم ينطبق على المساحة بالداخل، إذ مررت مانا الخاصة بها عبر الأرض من حولهما ورفعت كلاً منهما والحجارة في الهواء، جالبة معها بضعة أمتار من التراب. قبل أن تتمكن المخلوقات المحيطة بهما من رد الفعل، تعاملت مع تلك الكتلة الضخمة من التراب كما لو كانت أي رصاصة ترابية أخرى، موجّهة مانا الخاصة بها لتصطدم بكل منها بسرعة ضارية، حتى استعاد أذكياء الوحوش رشدهم وبدأوا بالركض، مع تعزيز سرعاتهم بسحرهم، وإن كان ذلك بلا معنى مقارنة بكمية المانا الهائلة التي تحت تصرف ثيرا.
مانا، ولكن بلا سيطرة.
"أظن أنني سأتقيأ"
أطلق بن صوتاً متحشرجاً بينما كان الاهتزاز والتلويح الذي يتعرض له الصخرة التي ثُبتا عليها يرميهما باستمرار أحدهما على الآخر فضلاً عن الحاجز نفسه. كانت ثيرا تبذل قصارى جهدها لإبقائهما في وضع منتصب غالباً، لكن الاستقرار كان يزداد سوءاً مع كل شجرة كانا يجرفانها في طريقهما للوصول إلى أهدافهما.
" مجرد بضعة أهداف إضافية وسننتهي"
أخبرته بأسنان مصطكة، بينما كانت تشعر بالتأثيرات نفسها. بدفعة أخيرة من السرعة، قذفتهما نحو الاثنين الأخيرين وهما يهرولان هرباً، محولة كلا المخلوقين إلى عصارة وردية بينما أوقفتهما ثيرا سريعاً بعد الانتهاء. سريعاً جداً. فبينما استطاعت التحكم بزخم الصخرة التي ثُبتا عليها، لم يضعُف الزخم الذي التقطته أجسامُهما. استطاع بن وضع يدها خلف رأسها لمنعها من الارتطام بالحاجز، لكن ذلك لم يحمِها من زخمه الخاص الذي دفعه للأمام، ليصطدم بها ويضرب وجهه في الحاجز نفسه بصوت مكتوم مدوٍّ.
انقطع نسيمها لكنها حين استعادت صوتها تحققت من بن.
"يا للالهة، أأنت بخير؟ بدا ذلك سيئاً".
"أنا بخير على الأرجح"
قال لها وهو يدلك رأسه.
"أريد فقط الاستلقاء قليلاً بعد كل ذلك".
أنزلت الصخرة في عجلة من أمرها للخروج من الحاجز لتتمكن من بدء شفائه، لكن في اللحظة التي أُلغيت فيها التعويذة تدحرجت الصخرة، تاركة إياهما بزاوية سيئة تقارب خمس وأربعين درجة، والرؤوس إلى أسفل. سقطت ثيرا فوقه ليطلق بن أنيناً وتفرس وجهه بتعبير ألم خفيف.
"حسناً، أمم، أظن أنني بحاجة للمزيد من التدريب إن كنت أنوي فعل هذا النوع من الأشياء مرة أخرى"
قالت بحرج، وهي تأخذ وجهه بلطف بين يديها لتبدأ بتطبيق سحر الشفاء عليه.
"ممم، ربما قليلاً فحسب. سأخرجنا من هنا خلال دقائق قليلة، أحتاج فقط لترتيب أموري كلها".