هتفت الفتاة الخضراء المفرطة الحماس: "أهلاً تيرا!"، وهي تجري نحوها في ساحة التدريب، جاصفةً بذاك الأنظار القليلة المحيطة وبارتداء تيرا تأففاً داخلياً.
ورغم رجاحة عقلها، كانت ستقضي يومها في ممارسة سحرها برفقة ساشيل، وتلك الخطة كانت أحد الأسباب التي جعلتها وبن تمتنعان عن رحلة استكشافية تدوم يومين في الغابة من أجل مهمة عطلة نهاية الأسبوع. بدا أن نصف درياد ملتزمة بهدفها المتمثل في بناء علاقة أفضل معها، وفي هذا السياق سارعت إلى ترتيب وقت يمكنهما فيه العمل على مهاراتهما معاً عندما تسنح لهما الفرصة. ولم يكن ذلك أسهل حالاً أيضاً.
فبخلاف بن، لم تكلف ساشيل نفسها عناء إبقاء حقيقة كونها الآن عرّافة لمَلِك سرّاً، وهو ما جلب لها قدراً لا بأس به من فضول أهل البلدة عندما لم يسبق لمعظمهم لقاء واحدة قط، وتركها مشغولة بشكل استثنائي بنشر كلمة ميراد عندما عادت. والآن بعد أن هدأت الأمور قليلاً، نجحت في تخصيص الوقت لتكاد تتوسل إلى تيرا للحصول على فرصة لمحاولة التعرف على بعضهما البعض بشكل أفضل.
سألت: "أكنتِ تنتظرين طويلاً؟ كان بإمكاني لقاؤكِ في منزلكِ".
أجابت: "أردت البداء مبكراً لذا لا بأس. وما دام أنكِ هنا، ماذا تريدين فعلاً؟".
سألت وهي تسحب كرة ترابية صغيرة من الأرض بسحرها وتلقيها برفق نحو تيرا، التي كان رد فعلها أن تنحت جانباً: "سنمارس السحر أليس كذلك؟ ما رأيك بلعبة القذف؟".
ردت تيرا، وهي تقتلع تلّة من التراب بحجم كرة الشاطئ في الهواء، وكانت على وشك رميها برفق إلى جانب الفتاة قبل أن تفكر ثانية وتدعها تسقط على الأرض: "حتى لو تحكمي أصبح أفضل، لا زلت لا أستطيع تدبر أمر شيء بهذا الحجم، إلا إذا كنتِ مستعدة لتجربة القذف بشيء كهذا؟".
أجابت: "أم, قد يكون ذلك كثيراً بعض الشيء بالنسبة لي".
أجابت: "للأسف، هذا أصغر ما يمكنني بلوغه. لقد أخبرتكِ حين سألتِ أليس كذلك؟ أنتِ تميلين إلى التحكم وأنا أميل بقوة نحو القوة، ولن يفيدنا أي تدريب مشترك مقارنة بالعمل بمفردنا".
سألت: "أم، ماذا عن سحر الحياة! كلتا نملكه، لماذا لا نتمرن معاً؟".
أجابت: "كيف تخططين للقيام بذلك بالضبط؟ أعني، أظن أنه يمكنني كسر ركبة سكو مجدداً ونتسابق لنرى أينا أسرع في إصلاحها، لكني أرجح أنكِ تذكرين كيف كنت أقاتل من أجل قريتكِ؟ لا أنصح بذلك إن لم تكوني ترغبين في ايجاد محارب جديد لمجموعتكِ".
فكرت ساشيل بيأس دون جدوى، لكن تيرا رأت الفتاة تعاني وت عجز عن التفكير في أي شيء تفعله، فقررت أن ترمي لها طوق نجاة رغم رغبتها في التدرب وحدها فقط.
وقالت: "ما رأيك بشيء كهذا، نرى إن كنتِ قادرة على إصابتي بإحدى كراتكِ الترابية وسأحاول أنا إيقافكِ بكرتي الخاصة. لا توجد وحوش كثيرة في المنطقة تقوم بهجمات بعيدة المدى لذا قد يكون هذا تمريناً جيداً".
وافقت باستعداد حين عادت إليها طاقتها: "يبدو رائعاً! في هذه الحالة ها أنا ذا!".
قفزت كلتا المرأتين إلى الوراء مبتعدتين عن بعضهما، وتفسحان المجال لسحرهما أثناء تحركهما. انخرطت ساشيل فوراً، فسحبت كرة ترابية من الأرض ورمتها نحو تيرا دون إفلاتها من قبضتها السحرية لتتمكن من إيقافها إن بدت الأمور خطيرة، لكن تيرا كانت مستعدة، وبدلاً من فعل شيء بسيط كرفع جدار ترابي لصدها، قررت دفع نفسها أكثر قليلاً، فصنعت نفس كرة التراب الأكبر التي صنعتها سابقاً ونقلتها إلى مسار هجوم ساشيل، فصدته وامتصته في كتلتها الخاصة.
باغتتها الحركة، لكنها أيقظت فيها أيضاً روح المنافسة وسارعت لرفع كرة أخرى، رامية بها نحو تيرا بجدية بينما تحاول توجيهها بعيداً عن مسار الكتلة الأكبر فيما استجابت هي بسرعة، مستهلكة الكتلة الأصغر في كرة تنمو. استمرتا في الذهاب والإياب لفترة بينما مر اليوم ببطء، واضطر جزء صغير من تيرا للاعتراف لنفسها بأنها كانت تستمتع قليلاً. لم تستطع قط معاملة استخدام السحر كلعبة من قبل، وحتى لو واجهت بعض المواقف الحرجة، امتلكت ساشيل المهارة لمنعها من التعرض للإصابة.
ومع مرور الوقت، لم تزد كرة الأرض التي استخدمتها تيرا إلا حجماً حتى أصبحت تدير شيئاً بعرض شخص طويل، واستعدت لإنهاء لعبتهما الصغيرة بينما جهزت ساشيل حركة أخيرة، محاولة سبقتها في السرعة للإطاحة بها من الخلف. لم تكن تيرا متأكدة من قدرتها على تدبر أمر ذلك، لكنها بذلت قصارى جهدها، متخلصة مما اكتسبته كتلة سحرها لتتمكن من جلبها بسرعة حول نفسها من الخلف، لتتحطم عصاها أخيراً إلى غبار بين يديها أثناء قيامها بذلك، ففقدت السيطرة على تعويذتها وفي نفس الوقت أطاحت بها ساشيل التي لم تتوقع قط هكذا انعطاف للأحداث.
نادت وهي تجري نحوها خائفة من الأسوأ: "أنا آسفة جداً!".
بدا وكأنهما وجدتا إيقاعاً جيداً وكنتا تستمتعان، وكانت تدعو بألا تكون قد خربت الأمر للتو. لحسن الحظ كانت تيرا متفهمة بما يكفي.
وأجابت: "لا تقلقي، كان عليّ إيلاء اهتمام أكبر للمدة التي قضيتها في استخدام العصا. ظننت أنني سأتمكن من كسب القليل من الوقت الإضافي من هذه، لكني أظن أنني ضغطت عليها بقوة أكبر مما اعتقدت".
قالت وقد غمرها الارتياح: "أوه جيد. مع ذلك، لا بد أنه أمر مزعج مرر بكل هذا العدد من العصي. كم حجم المانا التي تمتلكينها بحق؟".
أجابت: "كثير. على أي حال، ليس الأمر سيئاً للغاية الآن بعد أن أصبحت أفضل قليلاً بسحري وتعلم بن بعض الحيل لزيادة متانتها، لكن سيكون لطيفاً ألا أضطر للقلق أثناء عمليات صيدي".
وقالت هذا غير قادرة على منع نفسها من رمق تلك الخشبية التي صنعها بن لساشيل من غصن ساقط في غابة قريتها المقدسة. بخلاف تلك التي حصلت عليها وكانت قضبان معدنية عادية، أخذ بن وقتاً أطول ليستعرض مهاراته الإبداعية على عصاتها، فمنحها شكلاً أملس ومزخرفاً مع نقوش نباتية دقيقة على طوال امتدادها لتزيينها. كان من المدهش تقريباً قدرته على صنع عصا مصنوعة بهذه الدقة بالنظر إلى مئات العصي التي رآها تصنع لها بحق هذه اللحظة، لكنها فهمت من أين يأتي.
كانت تحتاج الوظيفة قبل الشكل، ولم يكن هناك سبب لكي يبذل جهداً إضافياً لصنع شيء جمالي للغاية إذا كان سيتحول إلى غبار في غضون أيام قليلة من صنعه.
بدأت ساشيل قائلة، مخرجة إياها من أفكارها: "على أي حال، أتريدين تناول طعام ما بما أننا انتهينا؟ سيكون على حسابي".
كانت تنوي إنهاء الأمور فور انتهائهما من التدريب، لكن احتمال تناول الطعام بدا جذاباً حين فكرت في عدد الساعات التي ستنقضي حتى يتمكن بن أو خالتها من طهي العشاء، مما يعني أنه حتى ذلك الحين، كانت خياراتها إما قبول هذا أو مجرد قضم أي فواكه أو خضروات موجودة في المنزل وجاهزة للأكل.
أجابت: "حسناً، بما أنكِ تعرضين، أظن أن بمكاني".