عاودت نهاية العصا الصلبة دكّ فكّ بن الرقيق.
قال وهو يفرّك عينيه مفتحتين: "إن واصلت إيقاظي هكذا فسأمتلئ كدمات".
أجابت ثيرا: "إذن ابحث عن مكان أفضل للنوم غير أرضية المتجر. عمّاه، أترضى حقاً بأن يتركه يفعل هذا؟".
هزّ فالك كتفيه: "ينظف الفتى نفسه بما يكفي قبل النوم بحيث لا أضطر لفعل الكثير في الصباح، لذا لا بأس. كم عصا تمكنت من صنعها إذن؟".
"أربع فقط، لكنني أشعر بالرضا حيال الأخريين الأخيرتين".
"حسناً، تجنبا الغابة العميق وأنتما تجربانها، لا نريد تكرار ما حدث بالأمس".
"سنكون حذرين يا عمّاه".
"في الواقع، قبل أن نغادر، حصلت على مهارة جديدة وأريد تجربتها إن كنتما ستساعدانني".
لفت هذا انتباه كليهما. فبينما كان الحصول على مهارات جديدة أمراً شائعاً بما يكفي، ظلّ حدثاً مثيراً.
"والآن، كيف تمكنت من الحصول على مهارة جديدة وأنت تعمل طوال الليل؟ أليست شيئاً مثل مقاومة النوم؟".
"لا، لقد كانت مهارة هديّة من سيدي".
عقّبت ثيرا: "ما كنت أحسبك من المتعبدين".
"أنا لست كذلك قطعاً، أكتفي بصلاة أو صلتين في اليوم لأبقى في جانبه الحسن".
واعترافاً منه، بضع صلوات أُخر أيضاً حين كان يعرج ويسيل دمماً، لكنه لم يكن في مزاج يتيح له إثارة الأمر مجدداً.
"حسناً إذن، لا بد أنه مولع بك أيها اللقيط، ما هي المهارة؟".
"تُدعى الاتصال. إن تمكنت من الإمساك بيد أحدكما فيجب أن تتيح لي ربطك والشعور بمشاعرك".
"سأمرّر الفرصة".
بدت ثيرا مهتمة إلى أن عرفت كيف تُستخدَم، لكن فالك مدّ يده من جهته.
"حسناً أيها الفتى لنخض التجربة. يثيرني دائماً أن أرى مهارة لم أسمع بها من قبل".
أمسك بن بيد معلمه الكبيرة وأسري مانا في جسده مفَعّلاً المهارة. صُدم فوراً بشعورين: الحماس والعصبية، وأدرك فجرا أنهما آتيان من معلمه. تدفقا عليه بقوة جعلت الأمر طاغياً بعض الشيء وبدا أن فالك شعر بالمثل، فقطع الاتصال وتراجع خطوة.
"تبّاً لك أيها الفتى، لم تذكر أنه اتصال ثنائي الاتجاه. اذهب وكل شيئاً من الخلف إن كنت جائعاً إلى هذا الحد".
"أه، شكراً جزيلاً".
ركض بن والتقط قطعة لحم مقدد ليمضغها قبل أن يعود.
"إذن لم يخبرني أحد قط أنك ستكون قادراً على الشعور بمشاعري أنا أيضاً، ولا أن الجوع سيُحتسب شعوراً، لكنها مع ذلك كانت تجربة أنظف مما ظننت. لا أرى لها نفعاً يُذكر في الوقت الحالي لكني سأدربها قليلاً لأرى كيف ستنمو".
"من الوقاحة إهمال مهارة رأى سيدي أن يمنحك إياها، ما لم تهمل عملك هنا، افعل ما تشاء. وإن كنت لا أظنني سأساعدك في تلك ثانية. شعور غريب للغاية".
"مفهوم إذن، كيف أُدرّبها إذاً؟".
قاطعت ثيرا: "اقلق بشأن ذلك لاحقاً. لنذهب لتجربة هذه العصي بالفعل".
مندهشة لكن سعيدة بحماستها لتجربة أعماله الجديدة، توجها سريعاً إلى حقل قريبة من البلدة يرتاده مغامرون وسحرة آخرون للتدريب.
سألته: "أما كان بوسعنا الذهاب إلى مكان أكثر خصوصية بقليل؟".
"لماذا؟ هذه ساحة تدريب مخصصة لهذا النوع من الأمور".
"الأمر محرج فحسب أن يرى الجميع فشلي في إطلاق التعاويذ، هذا فضلاً عن معرفتي لبعض المغامرين هنا...".
أخبرها وهو يصفع شيئاً عن جانب عنقه: "حسناً، إن لم تكوني مرتاحة أظن أنه يمكننا المغامرة بالتعمق قليلاً داخل الغابة، فهناك الكثير من الحشرات في هذه المنطقة على أي حال".
استرجعت أحداث اليوم السابق وأدركت أن عليها اتخاذ القرار المسؤول.
"لا، لقد أخبرت فالك أننا لن ندخل الغابة. لننتهِ من هذا فحسب ونغادر".
"حسناً، في هذه الحالة لنُجرب تلك التي لم تقري استعمالها بالأمس ثم ننتقل إلى الاثنتين الأخريين".
فعلت ما أُمِرت به، مبدءة بالعصا الأولى ومحاولة صنع رصاصات الأرض الخاصة بها. استطاعت في كل الثلاث إحضارها عن الأرض، وجعلتها الأثنتان الأوليان ترميهما لمترين، بينما تحطمت الأخيرة بينما كرة التراب تطفو أمامها.
قال بينما كانت ثيرا تمسح بعض التراب الذي تطاير على عباءتها وقلنسوتها: "حسناً إذن، سار الأمر حسماً للمتوقع. والآن إلى الاثنتين الأخريين. ثقتي كبيرة بأن واحدة منهما على الأقل ستنجح".
نظرت إلى العصاقتين المتبقيتين بريبة بعض الشيء. على عكس الأخريين اللتين بدا أغلبها كعصي تقليدية، وإن كانت فظة بعض الشيء. كانت هاتان وحشين. مجرد قضبان سميكة يتطلب تلويحها يدين اثنتين على الأقل بلا أي سبي لتكون مفيدة في قتال فعلي.
"أليست هاتان كبيرتين بعض الشيء؟".
"مجرد نماذج أولية، متى ما نجحتا فسأكون قادراً على تقليص الحجم قليلاً. هيا جربي الأولى".
مترددة ما زالت وبجهد أكبر مما اعتادت عليه لرفع العصا، رفعت ثيرا الأولى وأعدت تعويذتها. شعرت بمانا الخاص بها يعبر من خلالها وبدأت برفع الأرض. سار الأمر بصورة مدهشة في البداية وبدأت تشعر بالثقة، لكن حين رفعت عصاها فوق رأسها مستعدة للتلويح بها بسحرها، انفقت بعنف يفوق بكثير أي عصا سبقتها، بينما تطايرات شظايا المعدن والغبار حولها.
صرخ بن مادّاً يده نحوها: "أأنت بخير؟"، لكنها ابتعدت عن يده فجأة.
"أنا بخير، لم يكن الأمر سوى مفاجأة بسيطة. ما الذي حدث؟".
"كنت أجرب بضع أفكار مختلفة للعصي لا أكثر. تلك التي استخدمتها لتوك صُنعت بطبقات من مواد مختلفة مُطوّرة بمستويات متفاوتة من مقاومة الأرض. وضعت مقاومة أقل في المنتصف مع مقاومة أعلى في الخارج لذا لا بد أن هذا تسبب بتراكم الضغط بينما كان السحر يعبر خلالها. إن كنت بخير فلنجرب الثانية إذن".
سألت وهي ترمق القضيب بريبة: "لن تنفجر هي الأخرى أليس كذلك؟".
"فعلت العكس في هذه، مانحاً إياها قلباً مقاوماً يقل تدريجياً كلما اقتربنا من الخارج، لذا فغالباً لا. بالطبع، لم أكن أتوقع للأولى أن تنفجر لذا من يدري؟".
بعيدة كل البعد عن الثقة بعد سماع إجابتها لكنها لن تحصل على عصا عاملة قط إن لم تجربها. التقطتها مجدداً وبدأت تمرر سحرها خلالها. بدا الأمر أصعب من ذي قبل، وكأن مزيداً من مانا الخاص بها كان يضيع مقارنة بما يحدث حين تستخدم التعويذة عادة، وبدا لها أن كرة الأرض خاصتها أصغر بقليل من المعتاد أيضاً. تمكنت مع ذلك من تجهيز رصاصة الأرض خاصتها أمامها. لوحت بقضيبها وبدا واعداً، مقذوفاً أبعد من أي محاولة سابقة لها، لعشرين متراً جيدة، قبل أن يتفكك.
ألقت نظرة على العصا في يدها. كانت لا تزال سليمة، لكن بالكاد. تشققات كبيرة تكونت عبر سطحها، امتدت نازلة حتى قلبها تقريباً. لكنها لم تحطم. ومجرد محاولة منها سدّدت مزيداً من المانا خلالها لترى إن كانت ستدبر تعويذة أخرى، لكن فاق قدرتها على التحمل وتفككت في يديها.