قالَت ثيرا وهي تعود مع المرأتين عند المساء لتجد شبان القرية بأسرهم يلتفون حول بن ويتشبثون به، وديلير أشدُّهم إلحاحاً عليه: "ما الذي يجري هنا بحق الجحيم؟".
قال بن: "أتذكرين الألعاب التي صنعتها البارحة؟ أعطيتها لديلير وطلبتُ منها أن تشاركها مع أصدقائها، ولما أتوا ليشكروني بقوا هنا".
ومع الأطفال أقبلت الأمهات، ولم تكن أيٌّ منهن راضية عن ترك الغرباء مع صبية القرية بلا رقابة، حتى مع وجود فونتيش. لكنَّ ما خفّف الأمر هو أن بعضهنَّ سمعن بما فعله من تحسين لأغراض الآخرين. وحتى لو لم يكنَّ يثقن به تماماً فقد أحضرن بعض الأشياء المحمولة ليعدّلها، ووجد بن ما يشغله غير محاولة تسلية قطيع من الأطفال. ولما رأتهن ديلير عدن ركضت مسرعة نحو ثيرا، وأشارت بفخر إلى قلادة جديدة لم تكن ترتديها من قبل.
سألت الطفلة بفضول: "أيمكنني أن أرى الآن؟".
أجابتها: "امم، لاحقاً حين يقلُّ الناس، يجب على الجميع ارتداء واحدة في النهاية".
"حقاً، أتقطعين وعداً؟".
"أقسم أنني أفعل".
كانت تمنى أن تكون الصغرى قد نسيت، لكن إن توجب عليها تسليتها قليلاً فهذا ليس بالأمر الجلل.
"أصنعتَ شيئاً إضافياً يا بن؟ يبدو أننا سنكون تحت المراقبة أثناء تعاملنا مع هذا، وأفضّل ألا أؤذي أحداً من المارة".
قال: "صنعت اثنين إضافيين للأمان، ويمكنني صنع المزيد إن لزم الأمر".
قالت: "أتمنى أن يكون ذلك كافياً. كيف سيرت بقية يومك؟ لا يبدو أنك أنهيت أيَّ إصلاحات للمنزل".
ناهيك عن القدر الحجري الغامض الذي كان يغلي، وأيُّ آلة كانت سكوي تديرها بجانب ووضوح التعب عليها، لكنها اختارت تجاهل ذلك، حتى وإن ذهب سايكل وراليا للاطمئنان على زميلهما.
قطّب بن وجهه عند السؤال وقال: "لم تكن في القرية أي من الأشياء التي أحتتاجها، لذا لم أكتفِ بصنع بعض الأدوات، بل اضطررت لصنع أدوات لصنع تلك الأدوات بلا أي شيء معتاد. أنا أعيش في العصر الحجري تقريباً محاولاً إنجاز كل ما أريده، وكنت لأقتل مقابل قطعة معدنية واحدة أعمل بها".
سألته: "إذن أتمكنتَ من الحصول على كل ما تحتاج؟".
أجاب: "معظمه أعتقد. سأكون قادراً على صنع ما يكفي من الزيت والقطران لمعالجة جميع المنازل، ولن أتفاجأ إن ظهر شيء آخر. سأستعير سكوي ليطحن لي البذور متى احتجت إليه، لكني سأتحدث إلى سايكل بشأن ذلك لاحقاً. ماذا عنك، أتظنين أنك قادرة على تدبر أمرهم؟".
قالت: "سنرى، لم أكتشف خفاش صقيع من قبل، لكني متأكدة إلى حد ما أننا سنستطيع استدراجه، لست متأكدة فقط كيف سيري الصيد. لا يمكنني استخدام أي سحر أرضي دون المخاطرة بإتلاف الغابة".
"لقد صِدتِ معهم من قبل ظهوري أليس كذلك؟ أتظنين أنهم قادرون على التعامل معها؟".
"ربما؟ بما أنهم يكونون أكثر نشاطاً في المساء والليل فقد قررنا العودة لنأكل ونرى إن كانت التمائم جاهزة ثم نعود أدراجنا".
"جميل، إذن ربما آتي لأراقب. سيكون رائعاً لو استطعت الاستفادة من الجثث إن لم تكن هناك خطط أخرى لها".
تحدثن قليلاً عن كل ما يجب إنجازه حتى نادى فونتيش للعشاء. عاد الأطفال الهائمون إلى منازلهم مع أمهاتهم بينما دخل البقية ليأكلوا. كانت وجبة بسيطة تتألف من العديد من خضروات الحديقة، لكن بما أن بن لم يجرّب أيّاً من أصنافها من قبل فقد بدا الأمر تغييراً لطيفاً.
لم تستطع ثيرا الاسترخاء خلال الوجبة، إذ لم تفارقها زوجتا العيون الفضوليتان اللتان بدا وكأنهما تحاولان ثقب روحها طوال الأكل، وما إن انتهوا حتى سألت ديلير أخيراً: "أيمكنني أن أرى الآن؟".
أجابت: "حسناً، طالما أن الجميع يرتدي تمائمه، فلننتهي من هذا الأمر".
سأل سايكل بابتسامة إذ لم يكن حاضراً لطرح الطفلة لأسئلتها السابقة حول ثيرا: "مم؟ ما الذي يجري؟".
شرح وهو يوزع تمائم المقاومة على كل واحد منهم: "أرادت معرفة شكل ثيرا تحت قلنسوتها. أترضون أنكم جميعاً تعلمون كيف توجّهون جزءاً من مانا عبر أداة سحرية؟".
أومأ الجميع برأسهم وهم يرتدونها بلهفة ليروا شكلها. كانت مجموعة سايكل فضولية بشكل خاص. فإلى جانب الشائعات الأكثر سلبية التي كانت تحوم حولها في ستونوول، كان هناك أيضاً فضول بشأن الفتاة الغامضة والخطيرة ذات السحر الكامن غير المعتاد. لم تكن معتادة على وجود الكثير من العيون عليها، والمرة الوحيدة التي رأى فيها هذا العدد من الناس الذين لم تكن قريبة منهم شكلها كانت في عيد ميلادها مع طاقم المطعم الذين كانوا محترفين على الأقل ولم يحدقوا علانية، ولكن بما أنهم سيرون وجهها على أي حال وهي تصتاد فمن الأفضل الانتهاء من ذلك مبكراً، ودون إطالة أزاحت قلنسوتها إلى الوراء.
شعرت بوجنتيها تسخنان واستعانت بحقيقة أن بن وحده من سيلاحظ أن وجهها المتألق في الضوء يعني أنها محرجة، حتى وهي تقسم لنفسه بأنه سيجعلها تفعل شيئاً لتخفيف عبء المساعدة على جماعة سايكل. كان يبتسم بوضوح لرؤيتها مرتبكة بينما أطلقت ديلير العنان لانطباعها الخاص عن كشف وجه ثيرا.
"يا للهول، أنت لامعة جداً!".
"امم، شكراً؟".
"وجملية مثلما قال السيد الرسول!".
قالت للفتاة وهي تعيد قلنسوتها فوق وجهها: "أنت جميلة جداً أيضاً".
لماذا كان معرفة كيف تحدث طفلة أمراً صعباً إلى هذا الحد؟ شعرت أن عيون الجميع لا تزال عليها فأرادت موضوعاً جديداً تركز عليه.
"على أي حال، أليس الوقت قد حان لنذهب للصيد؟".
أصبح الوقت متأخراً بما يكفي ليكون مناسباً لبدء السير نحو الغابة، وباستثناء فونتيش وديلير اللذين كانا بحاجة إلى النوم، استعد الجميع للذهاب عندما نادي بن على سكوي: "في الواقع، لو استطعت قضاء ساعات قليلة أخرى في جمع الزيت والقطران، سيكون ذلك رائعاً".
لما وصلوا إلى الغابات المقدسة وجدوا الحورية تحرس وسلمتهما تعويذة مقاومة وشرحا ما كانا يفعلان وتأكدا من خلو المكان مما قد يتأثر قبل أن تخلع ثيرا رداءها. أحضرا فانوسين سحريين ليريا ويقاتلا أي شيء يخرج من الغابات لكن ثيرا واجهت مشكلة شخصية اعتادتها تدريجيا خلال رحلات الصيد معا. لم يكن سحرها موجها مما يعني أن كل شيء انجذب إليها حتى الحشرات. لحتها تدربت على التعامل مع الأمر.
لم يكن سيئا للغاية في ستونوول على الأقل في هذا الوقت من العام لكنه قرب قرية الحوريات أصبح كابوسا إذ تشكلت سحابة منها متجهة نحوها.
قالت محذرة البقية: "ابتعدوا قليلا إن لم تردوا التعرض للأذى أيضا"
وأبعدت راليا وساشل مسافة أكبر مما فعلت مع بن حين حاولا الوقوف معه. لم تكن لديهما مقاومته لذا احتاجتا للتصرف بحذر أكبر. مستوحاة من طريقة استخدام بن لارتباطه ليقتل الحشرات استغلت فائض المانا لديها وضعف تحكمها لتقوم بشيء مشابه فأطلقت موجات من مانا الحياة لتعيث فسادا بأجسام المخلوقات الصغيرة مما أدى إلى موتها سريعا وتهاويها نحو الأرض فور اقترابها. كان الأمر يسيرا للغاية بالنسبة إليها أيضا وبدل الحاجة للتركيز الكامل لجعل تعاويذ حياتها غير مؤذاة قدر الإمكان أطلقت العنان لها دون قلق.
لم يكن جيدا بعد ممارسة السحر على شخص سوى بن لكن استخدامه هجوما بدا مقبولا. غير أن أمرا غريبا أزعج بن لحظة فكر فيه قليلا.
تساءل مشيرا إلى أي مخلوقات صغيرة أخرى محتملة قد تعيش في المنطقة طائرة أو غيرها: "لماذا لا يأتي أي شيء آخر؟".
كانت غابة في النهاية وعلى عكس غابة ستونوول التي كانت تحافة الأراضي البرية حيث اختلطت حياة مئات العوالم واتخذت لها موطنا لتشكل نظاما بيئيا دائم التغير كان المفترض بغابة حوريات الغابات المقدسة أن تكون منعزلة نسبيا مما يجعل الحياة فيها أكثر استقرارا باستثناء ظهور أنواع جديدة عرضية كالتي حاولان التعامل معها حاليا. انتهى الأمر بذاك النوع ذاته ليكون الإجابة عن سؤاله.
أجابت راليا: "أغلب الظن أنها أكلت".
"خفافيش الصقيع قارتة لكنها تفضل اللحم المرجح أنها قضت على غالبية المخلوقات الأخرى في المنطقة قبل أن تنتقل إلى الأشجار. ربما تسببت في مشكلة الحشرات الحالية أيضا".
تمتم بصوت خفضته النسوة: "تبا لنظام هذا الكوكب البيئي فهو كابوس".
"أعني لقد صمد لآلاف السنين من إدخال أنواع غريبة لكننا لن نكسب الحرب لنشهد انهيارا بيئيا كاملا أليس كذلك؟"
<حاول ألا تفكر في الأمر مطولا.> "انتظري لم أكن جادا لكنني الآن أريد إجابة."
<...> "ميرياد لا تتهربي مني هنا!"
<عذرا علي إجابة الصلوات والتعامل مع مهام سيادية أخرى.
نادني إن حدث طارئ.> "أم هل كل شيء على ما يرام يا بن؟"
سألت ساحل وأدرك أن كل الأعين اتجهت نحوه إذ رفع صوتها أكثر من القصد.
"لا لكنني ربما أموت قبل أن يهم الأمر لذا سأحاول ألا أفكر في الأمر مطولا."
لم تكن الإجابة الأكثر بهجة في العالم لكنه بدا واضحا تماما مثل سيّده أنه لن يشرح أكثر وسعد الجميع بتجاوز الأمر.