بعدما غادرت الفتيات للعمل على تدبّر أمر التخلص من خفاشيات الصقيع، شرع بن في تحقيق هدفه الخاصّ، كسب إيمان المِرياد بين أهل البلدة. بدأ الأمر يسيراً بما يكفي، أرتته فونتيش كل ما تملكه من أدوات مسحورة، ولم تكن كثيرة. صندوق البرد لحفظ الطعام، وإناء ماء لجمع الماء من الهواء، وموقد للطهي، وبعض المصابيح البسيطة. لم تكن أي من تعاويذ ما تملكه معقدة للغاية واستطاع بن تحسينها كلها.
بدا الأمر كأنها أُنتجت بمستويات سحر أدنى ممّا قَدِر هو على السحر به، لذا تمكّن من جعلها تعمل بشكل أفضل وبكفاءة مانا أعلى في ما يزيد قليلاً على ساعة. ظهرت المشكلة عندما أراد البدء في إصلاحات المنزل وسأل عن مورد كان متأكداً من توفره، نظراً لأن كل المنازل بدت وكأنها مصنوعة من الخشب.
"انتظري، ماذا تقصدين بأنه ليس هناك أي زيت في القرية؟"
سأل مذهولاً.
"لدينا جميعاً بعض منه للطهي بالطبع، لكن الكميات التي تبحث عنها ليست شيئاً يمكننا تدبره. لماذا هو مهم إلى هذا الحد؟"
لم يستطع بن إلا أن أن يئن. أدرك فجأة سبب تداعي القرية بهذا الشكل. كان المكان برمته يتعفن. الخشب الذي صُنعت منه المنازل لم يُعالج بأكثر من تفحيمه فحسب. بالتأكيد، سيساعد ذلك في زيادة عمرها الافتراضي، لكن ذلك لم يكن بديلاً لعزلها كلها بشكل صحيح. تساءل عما إذا كان ذلك يعني أن القرويين قد بنوا منازلهم بأنفسهم دون فهم كيف يفعلون ذلك بالشكل الصحيح، أو ما إذا كانوا قد تعرضوا للنصب عندما استأجروا شخصاً من الخارج، لكن ذلك لم يكن يهم.
كل ما عناه ذلك هو أن عبء عمله قد زاد بشكل جذري. أم أن الأمر كذلك؟ كان في قرية تعج بسحرة النباتات، وربما بمستطاعهم فعل حيال ذلك.
"مهلاً، هذا سؤال عابر، لكنني لا أظنّ أن بإمكانك تحفيز شجرة لإفراز صمغها أو استخلاص الزيت من بعض البذور؟"
"امم، قد يكون ذلك ممكناً، ولكن إن كان كذلك فأنا لست متأكدة من الطريقة. نستخدم سحرنا عادة لتسريع نمو النبات أو لزيادة غلة محاصيلنا. ربما يمكنني جعل شجرة تنتج المزيد من البذور إن كان ذلك سيساعد؟"
"سيكون رائعاً لو استطعتِ فعل ذلك! نظراً لأنه يبدو أن منزلك لم يُعالج على الإطلاق، فسأحتاج إلى الكثير. هل أنت متفرغة للذهاب إلى الغابات الآن؟"
"حسناً، بما أنني اعتنيتُ بحديقتي بالفعل والغابة المقدسة محظورة في الوقت الحالي ليس لدي شيء آخر أفعله خلال النهار. سأستغرق دقيقة فقط لإيجاد ديلاير."
"رائع، أنا متأكد تماماً من أن عاملِي قد نال كفايته من النوم لذا سأصطحبه وأقابلكم في الخارج."
توقف وقفة قصيرة في الغرفة لتفريغ حقيبته قبل أن يركض إلى مؤخرة المنزل ليطرق باب السقيفة. استغرق الأمر بضع دقائق، لكن سكوي النعسان أجاب أخيرف ورفع نظره إلى الشمس.
"لم أكن نائماً سوى بضع ساعات."
"وأنا لم أنم قط، لا تكن طفلاً. أحتاج إلى جمع المزيد من الأشياء من الغابات لذا أحتاج إلى مساعدتك. كلما انقضى هذا الأمر أسرع كان حال ساشل أفضل."
<أليس هذا الجزء لمساعدتك؟> مساعدتي في خلق تقييم إيجابي لك في البلدة سيكون مفيداً لها على الأرجح أيضاً، والآن اخرس فأنا لن أفرط في عمالتي المجانية. <...> أئن الرجل لكنه رضخ، وأخذ سيفاً واحداً فقط من سيوفه وشده إلى خاصرته قبل أن يلتقيا بالآخرين. بدت ديلاير مفعمة بالطاقة عند فكرة التنزه الصغير وحاولت تسلق بن فوراً. اعتذرت فونتيش بينما حاولة السيطرة على ابنتها، لكنه اكتفى بالضحك ووضع الطفلة على كتفيه بينما انطلقوا إلى الغابات.
حين وصلا سلّم فونتيش ديلير إليه وأخذها إلى شجرة قريبة عرفا أنهما قد يجدان عليها بذوراً تُستخرج منها زيوت للمصابيح إن تعطلت أنوارهم المسحورة، وشرع يحفزها على النمو بينما يُدرب ابنتها على السحر في الوقت عينه. ناولهما بن حقيبته المكانية ليملآها رويداً وأخذ سكوي في جولة ليبحث عن أي خشب صمغي جيد لاستخلاص القطران منه ليُستعمل مانع تسرب ولأي أعمال تسقيف قد تتطلبها الحاجة.
تناول فأسه واقتراب من أشجار ذات فروع ميتة متدلية وقشر القحاء حتى عثر على بغيته وأشار بها إلى سكوي.
"هنا، أتر كيف يبدو الخشب داكناً هنا؟ اقطع كل فرع شبيه بهذا تستطيع سبيله. سنحتاج إلى حفنة"، احتاجوا إلى فروع غنية بصمغ الشجر لاستخلاصه بغرض العزل المائي، وكانوا بحاجة إلى الكثير منها.
وبما أن القرية تضم نحو ثلاثين بيتاً، وإن كان سينجز العمل لكل واحد منها، فسيكون أمامه شغل كثير.
"كم تساوي الحفنة؟"
"واصل جمعها حتى آمرك بالتوقف"، قطّب رفيقه ذو الأذرع الأربعة عند ذلك، لكنه لم يكترث لتعابيره.
"ولا احتجاج مسموحاً، هذا أهون بما لا قياس له مما سيتعين عليَّ فعله".
ناوله الفأس وشرع في إنجاز مهمته الخاصة، صانعاً أدوات أضافية سيحتاج إليها من أي حجارة كبيرة بما يكفي يقع عليها نظره. ويا للأسف، لم يحالفه الحظ هذه المرة ليصنع شيئاً يسيراً كمرزبة أو فأس. فلم يكن يملك سوى القوة التدميرية لسحره، إلى جانب المطرقة والإزميل الذي صنعه الليلة الفائتة، وسيتعين عليه نحت الصخر ببطء لصنع إناء قابل للإحكام لإنتاج القطران، وكذا معصرة زيوت. وما إن عثر على أول صخرة كبيرة بما يكفي لما يبتغيه، جلس عليها وأغمق عينيه، فرسم في ذهنه خطة سير العمل.
سيستغرق الأمر وقتاً وعليه توخي الحذر لتفادي أي خطأ قد يضطره إلى البدء من جديد، لكن الأمر كان مُمكناً. مستهلاً بالإناء المحكم، استخدم سحره لإضعاف مواضع مختارة من الصخر الذي يقف أمامه، مشكلاً إياه ليغدو أسطوانة متجسدة مع الحرص على ترك مقبضين متينين على الجانبين. ومن ثم، كانت الخطوة التالية تفريغه، محولاً إياه إلى جرة كبيرة يمكن وضع الخشب فيها. ولم يكن هذا عسيراً أيضاً، وكانت الصعوبة الكبرى تكمن في الحفاظ على المانا المتدفقة خلال إزميل الحجر الذي صنعه ليتقيه الانكسار.
ومع أنه لم يكن صعب المنال إذ لم يتطلب عناية فائقة، إلا أنه ظل بطيئاً. وحين فرغ من ذلك، كانت الجرة تكاد تكتمل. ولم يبقَ سوى إحداث ثقوب صغيرة في القاع ليسيل منها أي قطران، فضلاً عن صنع وعاء لالتقاطه وغطاء يكون محكم الإغلاق نوعاً ما. كان الوعاء أيسر شأناً، فقد وجد حجراً كبيراً آخر وبدأ تشكيله بالطريقة ذاتها التي انتهجها سابقاً، مبذولاً مزيداً من العناية لتهيئة حافة يستقر عليها الإناء الأول.
أما الغطاء فكان أصعب يسيراً. كان بإمكانه محاولة صنع حافة في أعلى الجرة ليقبع فوقها الغطاء ويطليها بالطين لحفظ إنجاز الإحكام، غير أنه خشى ألا يكون ذلك كافياً، سيما وأنه لم يصنع شيئاً كهذا من قبل. وعوضاً عن ذلك، نحت بعناية قناة حلزونية في الحافة، وقص الغطاء ليتطابق معها لكي يلتئم القطعان ببعضهما بلولبة. ومع ذلك سيقوم بطليه بالطين حين يستعمله ضماناً للأمر، لكنه كان واثقاً من أن الغاية ستُقضى.
وما إن تم ذلك، حتى انتقل إلى معصرة الزيوت. وتمثلت مشكلته الفورية في أنه لم يكن يملك سوى فكرة مبهمة عن كيفية تجميع واحدة، مما قد يؤثر على حصيلته الإجمالية، غير أنه لم يجد حيلة لذلك. لقد سأل فونتيش سلفاً عما إن كانت القرية تمتلك واحدة يمكنه استخدامها، لكن بدا أنهم متى أرادوا زيتاً صنعوه بأيديهم فحسب. ولم يستطع منع نفسه من التبهر بمدى اختلاف أنماط الحياة تبايناً شاسعاً في هذا العالم، بدءاً من مدى تقدم أنايليا بوفرة موادها السحرية، مروراً بحياته المعتادة في ستونوول، التي وإن قصرت مقارنة بحياته على الأرض لم تكن سيئة في مجملها، وصولاً إلى هذا.
كان على يقين من أن الجنيات لو لم كنَّ جافيات إلى هذا الحد مع الغرباء لتحسنت معيشتهن العامة، لكنه عجز عن تبديل طريقتهن في العيش وعوضاً عن ذلك انكب على العمل في المعصرة. كان تصميم هذه الأخيرة بسيطاً، رغم أنه توجب عليه صنعها قطعة واحدة متكاملة. وانخفض الأمر إلى صنع جرة ذات ثقوب صغيرة في الجانب يُعصر منها أي زيت مستخلص، بينما احتاج أعلاها إلى عارضة غليظة تحوي مقبساً مسنناً لترتكز فيه عارضة شبيهة باللولب.
وتمثلت العقبة في أن العارضة احتاجت إلى مقبض في أعلاها للفتل، مع قاعدة تنزل في الجرة متطابقة مع قطرها، مما يعني وجوب صنع الكتل بأسرها من قطعة حجر واحدة بلا فك أي شيء. وحين بلغ النهاية، شعر بإعياء ذهني رغم توافر ثلاثة عقول له، إلا أن عمله لم يكن قد اقترب حتى من نهايته. ومع اكتمال الأدوات التفت إلى رفيقيه. فقد كادت ديلير وفونتيش تملآن المكعب المتر الكامل الذي توفره الحقيبة المكانية، وجمع سكوي كومة كبيرة من العصي القابلة للاستعمال.
ولم يبقَ سوى العودة بكل ذلك ليتسنى له الشروع في كل شيء.