سارا في الصمت فترة، ولم يدر الثلاثة الذين جاءوا لإنقاذهم كيف يفسرون كلام بن، وأرادت ثيرا أن تمنحه لحظات قليلة ليهدأ. لكن لم يمر وقت طويل حتى ابتعدا عن منزل جدة ساكيل حتى استدار ليحدثهم.
قال: "حسناً، أولاً وقبل كل شيء، يا ثيراً أعتذر لكن يبدو أنني قد أقيم هنا لفترة. إن احتجتِ للمغادرة فأنا أقدر ذلك".
قالت وهي تشدد بوضوح على أنها تفعل هذا لأجل بن لا لأجل الآخرين: "لا تقلقي، سأساعدك".
أجابها بامتنان: "شكراً لك".
ثم التفت إلى الثلاثة الآخرين.
"والآن أنتم، أخبروني بما يدور في الغابة. بما أنكم ذكرتم مهارات القتال، أفترض أن نوعاً من الوحوش قد اتخذ منها موطناً؟"
بدا ساكيل مضطرباً مما حدث للتو، وكان سكوي لا يزال يعاني من آثار التقييد على الجدار طوال الأسبوعين اللذين بدا وكأنهما قضوهما في الأسر، لذا تولت راليا الشرح.
قالت: "مجموعة من خفاش الصقيع استوطنت الغابة التي تعتني بها الحوريات وتدمرها ببطء. أردنا القضاء عليها لإتمام مهمة ساكيل، لكن إن لم نتمكن من الدخول فلا فكاك لنا".
قالت ساكيل بحزن وقد استعادة صوتها: "إنها على حق. علينا الرحيل وحسب، فهم لا يريدون مساعدتنا".
أمسك بن بكتفي الفتاة وأجبرها على النظر في عينيه.
"يا ساكيل، أخبروني أن هذه قريتكم، ولا بد أنك عرفت قواعد الغابة قبل دخولك، لكنك فعلت ذلك على أي حال لأنك رغبت في المساعدة. أأنت مستعدة للاستسلام الآن؟"
"لا شيء أستطيع فعله. سيأخذون الأمر بمحمل الجد أكثر إن كسرنا القواعد مرة ثانية".
قال محاولاً أن يبدو كالركيزة الواثقة القادرة على دعم الجهد الذي تتطلبه المهمة، ريثما يطرح سؤالاً آخر كان لابد من حسمه: "إذن فلنضع خطة. ولكن أولاً، أهناك مكان في القرية يمكننا المكوث فيه إن كنتم سنبقى هنا أياما؟"
قِيدوا في أنحاء القرية حتّى عثرت ساشل على بغيتها، فوقفت بهم عند أحد المنازل المتداعية وطرقت الباب.
فتحت صفصافة صغيرة وأمعنت النظرة في الجماعة صعوداً ونزولاً، وعجز بن عن تخيّل ما دار في خلد طفلة كهذه وهي ترى هيئة فريق ساشل الرثّة بعد أسابيع قضوها في سجن تحتيّ، فضلاً عن غموض ثيرا الملتفة بعباءتها كاملةً وبموقفها المبالي، غير أنها اكتفت بإدارة رأسها وصاحت بلا مبالاة: "يا أمّاه! جاءت ساشل ومعها بعض الأغراب!"
وما إن انتهت حتّى انطلقت الطفلة جاريةً، فأقبلت والدتها التي بدت في أواخر العشرينيات أو أوائل الثلاثينيات، وإن تعذّر التيقّن تماماً لاختلاف الأجناس، ووقفت عند الباب.
رمقت ساشل متغافلةً بقية الصحب، ثم تنهدت وضمّتها في عناق: "تعلمين، كان حريّاً بك حقّاً المرور للسلام قبل تورّطك في المشكلات".
"هاها، أجل. معذرةً فونتيش، كنّا نفتش عن مكان لنتباحث ونرتب أمراً، أتمانعين دخولنا؟"
عندئذٍ تفحّصت بقية النظراء أخيراً قبل أن تستدير عائدةً إلى جوف دارها وتدعهم يتبعون خطاها. قادتهم إلى مطبخ، فهناك أُحيطت سريعاً علماً بما جرى وبحاجتهم إلى مسكان يؤيهم.
"أوه، حسناً. لديّ غرفة خاوية وقبو ومستودع في الخلف، يمكنكم تقاسمها كيف شئتم طيلة إقامتكم".
"سأأخذ أنا وثيرا الغرفة"، أخبرهم بن حاسماً بلا مجال للجدال.
لم يكونا قد حزما أمتعتهما لمكث طويل، ومع أنه قد لا يكون ضروريّاً للغاية نظراً لثخانة كل جدار، فهذا يَعني وجوب وضعه التعويذة التي اختبرها سابقاً في دار سونيا على الغرفة ضماناً للسلامة، وسيكون إنجاز ذلك أيسر بكثير هناك مقارنة بالقبو إذ افترض أنها الأصغر بين الخيارين. ومن المفترض أن المستودع أيسر شأناً، غير أن هذا لن يحدث.
"حسناً إذن، سنأخذ أنا وراليا القبو"، قالت ساشل برضى.
ما كانت لتجادل وبن قد تكشّف العناء طوال الطريق لإعانتها وسيعاضدها في سعيها أيضاً. ولم يبقَ غير آخرهم.
"أجل أجل، أتتوفر لديك على الأقل أغطية إضافية يمكنني استمدادها؟"
سأل سكوي حين عاين مآل الأمور، فوعدته فونتيش بتبيّن ما يمكنها الظفر به. وبينما دار ذلك، أجرى بن محادثة خاطفة لكنّها بالغة الأهمية في سرّه. أَمِيراد، كم من العون يسعني إسباغه على ساشل ليُحسب لها استكمال المسعى؟ <الأمر يعود في جوهره إلى اضطلاعها بالدور الفاعَل وتلقّيها الإقرار بالعمل.> أفإن وضعتُ لها خطة تسير عليها طالما أنها المنفذة فلا بأس إذاً؟ <هذا صحيح، والفكرة الدائرة في خلدك تبدو جيدة للغاية.
مع وجوب القول، إن عقلك يغدو صاخباً حقّاً بكل تيارات التفكير المتشعبة.> سأدرب عقلي الخفيّ لاحقاً. وكيف يؤثر إعانة الآخرين لها، وإذا وضعت لها خطة هجوم فهل لي مزيد من الصنيع لتسير الأمور؟ <إن كانت هي من تتولى الزمام فسيحسن صنعاً استعانة بمن يعملون تحت إمرتها، وسيظل إنجازاً لها. وأمّا عن أي صنيع آخر منك، فيحسن إن بدت متولية للأمر بوضوح، لكن بما أنك رسول الملك الذي تعبده فقد لا تملك إلا الخضوع لك.
سأفصلك عن الأمر مع إعلامها بإمكانية طلب حاجات منك عند الحاجة، مع السعي لتقليص ذلك.> يبدو حسناً.
"حسناً أيها القوم، ما إن استقر الأمر فستحتاجون جميعاً للإنصات إلى كيفية تدبيرنا لهذا ولن أقبل الجدال. إن وُجد ما يتعذر لسببه الفعل لإحداثه قلقاً مع القرية فجاهِروا به وما سوى ذلك فلا. أولاً وقبل كل شيء، معذرةً ثيرا لكن أيمكنني التماس تعاونك مع هذه الثلة لمحاولة معالجة هذا؟"
"أفصحتُ مسبقاً عن عزمي المعونة فلا تقلق".
"أنت الأفضل. حينها، أروم معرفة تفاصيل حول الغابات، أعني كم تبلغ سعَتُها وكم تتردد الخُطى فيها؟"
تولت فونتيش الإجابة عن ذلك.
"في الوقت الراهن هي مجرد بستان صغير، تزيد قليلاً عن فدانين مدمجة في بقية الغابة. لقد توقّع توسعها حالياً إثر تعرض بضعة قرويين لاعتداءات، ولا مساس بأحد حيالها لحين تجلية المشكلة حرصاً على سلامة الجميع".
"انتظري، أعني أن هذه الغابة المقدسة مجرد حزمة أشجار ممتزجة بغابة أكبر وأقل قداسة؟"
أوضحت درياد: "تتألف من أشجار عالمنا الأصليّ. نتعذر الإنجاب مع شجيرات أخرى لذا فأيّ مكروه يلمّ بها يضطرنا لتمزيق القرية والالتحاق بمجتمعات درياد أخرى، فضلاً عما يمثله الفقد لجنسنا بأسره. إننا لَقليلو العدد حقّاً،ناهيك عن ضآلة التنوع النباتي الذي نملكه..."
"حسناً، إذن لديكم مسوّغ حقيقي لرعايتها بهذه العناية، عُلم. على أي حال لن نأتي بفعال يُلحق بها أذى فلا داعي للقلق حيال ذلك. الأمر في غاية البساطة حقيقةً، أنا وثيرا نصطاد بها طوال الوقت. سنستعمل سحرها لاستدراج كل ما في الغابة ومهاجمته. حسناً، أقول نحن بيد أن لديّ مهامّ أخرى. وأيضاً، أجهل كيف تدبرون أموركم عادةً، لكن بما أن هذا مسعى ساشل فهي القائدة. إن علمت بتعذر إتمامها له لأن أحدهم ارتقى ناصية القيادة فسأنزل جحيماً".
حين نطق بذلك احتدم جو الغرفة بوضوح وتبيّن له تشكّل ملامح التوتر على وجوه الجميع. حسناً، الجميع سوى ثيرا، التي توارى وجهها كالمعتاد لكن بدا أنها تجتني قدراً وافياً من المتعة إزاء ارتباك الآخرين. يالهفي، أأنا مرعب إلى هذا الحدّ؟ <أنت تُمثّل ملكاً وكل شخص في هذه الغرفة يدرك ذلك، فتهديد كهذا يبعث على الوجل.> انتظر، أيعني هذا أن الملوك تلعن بشراً أو ما شابه إن طلب رسولها؟
أي نوع من الفوضى يسعك بثّه إن احتجت يوماً؟ <ماذا؟ لا، أبعد أطماعك الشريرة عن عقلك. وبينما قد تعاقب الملوك مؤمنيها، وحال شهودها مؤمني ملك آخر يفرطون في سوء الفِعال بما يدعوهم لالتماس الإنزال للعقاب، فلا يسعني شخصياً عقاب فناء تحت إمرة سواه، فلدينا قواعد هاهنا كي لا ننحدر إلى الفوضى. ومع قولي هذا، ليس كل الفانين على بيّنة تامة بالقواعد الناظمة بين الملوك المتباينة، ناهيك عن كونك بصفتك رسولي الرأس الرئيس لعقيدتي، تعلو حتى الكاهن الأكبر والعراف.
تمتلك السلطة لتحريك مؤمنيّ كيفما شئت ما لم أتدخل للصدّ وهو ما يَعني أنك وحدك دون تدخّلي قد تتسبب باحتمال في فوضى عارمة لأحدهم عبر حملة مضايقة أو حتى تدبير اغتيال محتمل، رغم أنني لا أملك بالضرورة المؤمنين لتدبير أيهما وسأستنكر أنا والعديد من الملوك صنف ذلك السلوك حتى لو امتلكت، ناهيك عن تعذر إتيانك بما يحمل الملوك الأخرى على التدخل.> همم، حسناً إن استبدّ بهم الخلع وبقوا منضبطين فهذا يقلل همومي هماً.
<أرجوك لا تفزع أول مؤمن تمكنت من جلبه لي.> اطمئن، فأنا أفتن من أن يُخشى. لن أصحح ما يعتلج بأفكارهم حالياً فحسب.