مرّت أيّام السفر حتّى بلغا وجهتهما أخيراً. بعد اجتياز البوّابة، ارتفعت تذكرة العربفة التالية نحو قرية سيرو بشكل ملحوظ. على عكس رحلتهما الأولى من ستونوول، التي تتوقّف عند قرى أخرى في الطريق ليتوقّعا تدفّقاً مستمرّاً للرّكاب وتنتتهي بسعر معقول إجمالاً، لم تكن رحلة سيرو تمتلك أيّاً من ذلك. بدا أن القرية الصّغيرة تقع في الاتجاه المعاكس للبوّابة التي خرجا منها قادمين من المدينة الكبرى التالية، ومع وجود بلدات قليلة فقط في المنطقة، ارتفع السعر وتقيَّدت أوقات المغادرة بشكل كبير.
أدّى هذا كلّه إلى المكان الذي رآه بن أمامه؛ قرية متداعية تعجّ بالبيوت القديمة الخرِبة وبجوّ يجعل الرّغبة في الاستدارة والعودة تفوح منه. من واقع ما رأى، لم يكن يعيش هناك أكثر من مئة شخص، وحتى ذلك بدا مبالغاً فيه بعض الشيء. حتّى لو استغرق الأمر أيّاماً قليلة، لظنَّ المرء أن المزيد من الناس سينتقلون إلى المدينة المزدهرة على مقربة منها، أو إلى واحدة من البلدات في محيطها على الأقل.
ولكن مرة أخرى، وجد الكثير من الناس أنفسهم متعلقين بمنازلهم، فمن يكون هو ليحكم؟ بدلاً من التفكير في الأمر أراد فعل ما جاء من أجله؛ تحرير ساشل والعودة إلى الدار. وبهدف في ذهنه هكذا، مرّا بالمنازل والحقول، باحثين عن مبنًى قد يوجد فيه شخص ذو سلطة يمكن التحدث إليه عندما بدأ بن يلاحظ شيئاً غريباً.
"هي ثيرا، ألاحظتِ شيئاً غريباً بشأن أهل المكان؟"
"أتقصد كيف يرفض الجميع التلاقي معنا بالأعين؟"
"لا، أقصد أن هذا غريب أيضاً بالطبع، لكنّي أشعر أننا لم نَرَ سوى نساء في الخارج."
شابات وعجائز، كلهنّ بمستويات متفاوتة من الصحّة، لكن لم يكن هناك ذكر لأي ذكر إلا إن كانت سلالتهنّ ببساطة لا تظهر فروقاً تُذكر بين الجنسين. بدا الجميع من النمط البشري القيري المعتاد، والفرق الرئيسي عن نفسه تمثّل في لحمارهنّ الأخضر الداكن مع أوراق وأزهار تنبت مع شعرهنّ، وبدَوْن جميعا بملامح أنثوية واضحة. لم يكن متأكداً إن لم يكن هذا هو شكل كلا الجنسين فحسب، لكنّه ظلَّ يبدو غريباً.
"لست متأكّدة، لكنّي سمعت من قبل أن الحوريات سلالة أنثوية بالكامل."
"انتظري، حقاً؟ كيف يعمل هذا؟"
"بن، لا يمكنك طرح أمور كهذه هكذا عياناً"، قالت بهدوء، آملةً ألّا يكون أحد القرويين المحيطين قد سمعه.
"بعض السلالات ليست منفتحة جداً على تلك الأنواع من الأمور."
"أيعني هذا أنكِ لا تعرفين؟"
"تبّاً، لا، لدي فكرة بسيطة. يُقال إنهن قادرات على التوالثر مع أشجار مختلفة، حيث يكتسب الأطفال بعض الخصائص اعتماداً على الفصيلة."
"همم؟ انتظري، هذا يثير المزيد من الأسئلة فحسب. مثل، إن كنّ يتوالثرن مع الأشجار عادةً فكيف يمكن لسلالة هجينة مثل ساشل أن توجد؟"
"أحد جوانب النظام الذي وضعه السيّد على كل السلالات التي أتت إلى العالم كان للمساعدة في تيسير التوالثر بين السلالات، ولهذا السَّبب أنا قادرة على الوجود أصلاً."
"نعم، أفهم هذا لكن التلقيح يختلف عن الأمور اللحمية التي تفعلها معظم السلالات، وبالنظر إلى تكوينهتن يبدو أن الحوريات كنّ قادرات على تدبر أمر ذلك قبل مجيئهن إلى العالم، فلماذا تُعدّ الأشجار هي القاعدة لسلالتهنّ بدل اكتفائهن بجنسين؟"
"بن، أرجوك أن تدع الأمر عند هذا الحدّ قبل أن يسمعنا أحد ونُطرد من البلدة."
ظلَّ فضوله يزعجه، لكنّه عزم على استجواب ساشل بشأن ذلك لاحقاً؛ فقد كانت لديه أمور أخرى للتعامل معها في الوقت الراه.
"حسناً، حسناً، سأكون عاقلاً. بما أنني لا أرى أي شيء بارز هنا من ناحية المباني فسأطلب الاتجاهات، أمنحني دقيقة."
لمح حورية تمرّ وحاول استدعاءها ملوحاً، مارّاً بأفضل ابتسامة لديه وأبهج موقف له وكأنّه يحاول إتمام بيعة في المتجر ليُجاهَل سريعاً. حسناً، لعلّ تلك كانت خجولة بعض الشيء. لم يدع الأمر يحبطه فحاول مجدداً، هذه المرة بقوة أكبر قليلاً.
"عذراً"، قال مهرولاً بسرعة نحو الشخص التالي الذي رآه ومحاولاً الحفاظ على الودّ ذاته.
"أُرسلت للحديث عن زعيم القرية، وكنت أرجو أن ترشديَني؟"
سارت هذه المرة بشكل أفضل بقليل، على الأقل من حيث أن المرأة التي اقترب منها تواصلت بالأعين قبل أن تستدير وتمشي في الاتجاه المعاكس. حسناً، لعلَّ المشكلة هي أنا؟ إن لم يكونوا معتادين على الرجال فقد حان وقت الانسحاب.
"حسناً ثيرا، دورك لتجربي."
بدت منزعجة لكنّها خاضت التجربة، مقتربة من أقرب شخص وسائلة إيّاه.
"عذراً، أيمكنك إخباري—"
فقط ليمضوا مبتعدين قبل أن تتمكن من نطق كلمة أخرى. لم يملك بن سوى أن يتأوّه. لم يظنّ أن الأمور ستكون مزعجة إلى هذا الحدّ بمجرد الوصول. كل ما أراده كان بعض الاتجاهات، أكان ذلك كثيراً لِيُطلب؟
"أيها السيّد، أنت هنا؟"
يمكنني استخدام بعض المساعدة. <همم؟
أنا متاح، ما المشكلة؟> "لا يمكنني حتى جَعل أي شخص يخبرني بمكان إيجاد المسؤول. أتظنّ باستطاعتك إرشادي؟"
وافق سيّده، طوال الوقت متمتماً بشأن ما يُمثّله الأمر من علامة سيئة لمواجهتهما مشاكل بمجرد وصولهما، لكنّهما قِيدا قريباً إلى منزل بدا كأي منزل آخر. بدا قديماً ومتهالكاً، مع سياج حوله في حالة بالغة من السوء، وفي الوقت ذاته حديقة خضار مورقة تحيط به من كل جانب. وباعتبارها سلالة تملك سحر النباتات بطبيعتها، بدا أنه ليست لدي هن مشكلة في إبقاء أنفسهنّ مشبعات، لكن إدارة كل شيء آخر كانت قصة أخرى تماماً.
حاول تجاهل الأمر رغم ذلك، لم يكن هذا سبب وجوده لذا تقدم وضرب على الباب، منتظراً إجابة لم تأتِ.
"أه، أيها السيّد؟ أيعيش أحد هنا؟"
<ينبغي أن تكون في الداخل، يبدو أنك تُتجاهل وحسب.> "بالتأكيد أفعل"، تنهّد، مطلعاً ثيراً على المستجدات ومتّخذاً قراراً بشأن ما يجب فعله تالياً.
لقد أتى هنا للتفاوض من أجل ساشل وبمثابة دبلوماسي بالأساس، لم يستطع أن يكون فوضوياً أو مزعجاً لمحاولة إجبارها على الخروج للحديث، فماذا بقي إن رفضت الردّ؟ أظنني سأجرب الصبر الآن. حدّث نفسه، جالساً ومتكئاً على المنزل.
"بن، ماذا تفعل؟"
"أنتظر. لن أكون فظّاً ومزعجاً حتّى أتلقّى إجابة، سأجلس هنا وأطرق أحياناً إلى أن يخرج أحدهم."
"أنا أقول وحسب، إن لم يرغبوا في الحديث فيمكننا العودة للدار فحسب، أنا واثقة من أن ساشل والبقية سيتدبّرون أمرهم"، رمقها بن بنظرة ولوّحت ثيرا بيديها صارفة الأمر.
"نعم نعم، أعلم. على الأقل أملك بعض الكتب لأمضي بها الوقت"، قالت قبل أن تجلس إلى جواره.
كان على وشك طرق الباب للمرة الرابعة في غضون ساعة حين فتح أخيرًا. رفع نظره ورسم أفضل ابتسامة لديه، ليفاجأ بحورية خشب طاعنة في السن ترمقه بنظرة حارقة.
قالت بضجر واضح أنهم لم يستسلموا ويرحلوا إلى مكان آخر بعد كل هذا الانتظار: "بحق كل ما هو جميل، ماذا تريد؟"
لكن بن لم يدع ذلك يؤثر فيه. لقد كان صبورًا أكثر من أن يسمح لحقيقة اضطرارهم للانتظار طويلاً بأن تنال منه.
بدأ بصوت يقطر بحماسة لم يكن يشعر بها حقًا: "أهلاً بك".
"قيل لي إنك مسؤولة عن القرية، أيمكنني إزعاجك قليلاً من وقتك؟"
"إن قلت لا، أسترتحل؟"
"لا، لكني سأتوقف عن الطرق وأستعد لنصب خيمتي هنا. لعل الحظ يحيط بي وتكونين في مزاج للمحادثة غدًا".
ولتأكيد كلامه، مد يده إلى حقيبته المكانية وشرع في إخراج خيمة أمام عينيها مستعدًا لنصبها.
أطلقت أنيناً وتذمرت بكلمات مبهمة عن الغرباء اللعينين قبل أن تستسلم وتتكلم: "حسنًا، ماذا تريد؟ واختصر قبل أن أطردك بنفسي".
"ليس بالأمر الجنوني، سمعت أن معارف لي، وتدعى سااتشل، سُجنت لدخولها غابتكم المقدسة. أنا هنا فقط لأرى إن كان بإمكانني التفاوض للإفراج عنها".
سألت ونبرتها تحولتد من الانزعاج إلى الغضب لأسباب لم يستطع بن فهمها: "وكيف تمكنت من سماع هذا بدقة؟"
من هنا، لم يكن بن متأكدًا إن كان قول الحقيقة هو الخيار الصحيح. أيكون صادقًا بأنه رسول سيّدها وسمع الأمر من ميرياد؟ بالنظر إلى حقيقة أنه أقنعها بالاعتدال مما ساهم في سجنها من الأساس، كانت هناك فرصة كبيرة ألا يمر ذلك على ما يرام. من ناحية أخرى، ربما يمنحه ذلك مستوى من السلطة يمكنه استغلاله لمساعدته في نقاشاته، كان الأمر يصعب تخمينه. في الوقت الحالي، قرر ألا يحسم أيّاً من الأمرين، تاركًا الباب مفتوحًا أمام الكشف عنه متى اقتضت الضرورة.
"سمعته من سيّدي. بما أننا كنا على معرفة مسبقة ولم يكن هناك الكثيرون غيره ليسألهم، وُجه الطلب إليّ".
اتسعت عيناها وبدت مأخوذة للوهلة الأولى، قبل أن تخفي بعض مشاعرها.
"تباً، إن كان الأمر هكذا فأظن أنني أستطيع فهم سبب إصرارك، لكنهما ستقضيان عقوبتهما بتهمة التعدي ما لم تنوِ دفع غرامتها".
"انتظري، ماذا؟ مجرد غرامة؟ كم تبلغ؟ وبناءً على ذلك، كم من الوقت ستُسجن إن لم أدفع؟"
"إنه حبس لشهرين بتهمة دخول الغابة. أما عن الغرامة..."
أخرجت بطاقتها وأضافت المبلغ إليها، تاركة إياه ليقرؤه وينقر عليه إن رغب في ذلك.
"ماذا! هذا يكفي لنفقات معيشة عام كامل! ألا يمكنني تركها تقضي المدة وحسب؟ لم يتبقَ سوى شهر ونصف تقريبًا، أليس كذلك؟"
سأل ميرياد بيأس في عقله ممّا جعله ينكمش إحباطًا: <أرجوك لا تفعل،> بالتأكيد لا تريد مني أن ألكس الطريق السهل والرخيص. <إنها تحاول جعل سااتشل تعود عن اعتناقها! لا يمكنني خسارة مؤمن بهذه السرعة!> سااتشل مؤمنة بعمق بالفعل؛ لا بأس. فكر وهو يتنهد.
"أهناك أي احتمال لأتمكن من رؤيتها قبل أن أقرر؟"
بإيماءة وتلويحة بيدها، قادت الحورية العجوز خطاها إلى الجزء الخلفي من المنزل. لم يكن هو ولا ثيرا يعلمان ما ينتظرهما، لكن بدا الأمر وكأنها قطعة أرض فارغة لا أكثر. لقد فوجئ حقًا لعدم وجود حديقة أخرى هنا تشبه تلك التي كانت في المقدمة، لكنه وجد الإجابة قبل أن يدري عندما انحنت رئيسة القرية لتكشف عن غطاء خشبي ثيك كان مخفيًا سابقًا بواسطة العشب والطحالب النامية فوقه. أخرجت مفتاحًا قديمًا وغرزته في ثقب الباب، قبل أن ترفع الشيء برمته كاشفة عن درجات سلم تهبط في جوف الأرض.