كان فالك متفهمًا بما يكفي، وحتى لو أخذ بضع أسابيع من الراحة فقد منحه ذلك وقتًا للتركيز على بعض مهامه الخاصة التي لم يستطع إنجازها في وجود بن، وبالنسبة لسكان العالم كان من المنطقي أن يلبي الرسول طلبات ملوكه. ما كان يهم هو إخبار ثيرا. لم يكن متأكدًا كيف ستتفاعل بالنظر إلى أن علاقتهم بهم جميعا كانت متصدعة، وخاصة سكو، لكنه أمل أن تسير الأمور على ما يرام بشكل عام وهو يشرح ما طلب منه.
"...على أي حال، هذا ما أراد مني ميرياد فعله، سأغيب لأسابيع قليلة لأحاول التعامل مع كل تلك الترهات... إلا إذا كنت تريدين مرافقتي؟"
هكذا كان الأمر. لم يكن مهمًا إن وافقت أم لا، سيكون بخير بمفرده. كل ما كان يهم هو طرح العرض. لقد كانا فريقًا بعد كل شيء، وقد وعدا بالعمل معًا لحل مشاكلهما. وحتى لو كانت متأكدة من الرفض بالنظر إلى الأشخاص المعنيين، فلن ينطلق مسرعًا دون أن يسأل حتى، وبينما كان يعالج هذا تستطيع هي التركيز على تطوير سحرها أو قراءة بعض الكتب الطبية لتحسين مهارة معرفتها.
"حسنا، متى سنغادر؟"
سألت، فتركهم مذهولًا.
"اليوم إن أمكننا. كنت سأحجز عربة بعد أن سألتك، ولكن هل أنت متأكدة؟ أعلم أنك لست من معجبي⁄ن بهم تمامًا وقد نكون عالقين معا لفترة."
"أعتقد أن متعة رؤيتهم مسجونين لفترة ستستحق ذلك لذا سأبدأ الحزم. أتحتاج مني أن أجعلك تبدأ بينما ترتب أمر العربة؟"
"آه، لا، يجب أن أكون بخير"
قال لها ومشى ليحفر لهم عربة. ومع ذلك، أن تأتي هي لكل تلك الأسباب. ما هو هذا المثل مرة أخرى؟ ما أشد غضب امرأة هُمشت؟
تمكن من الحصول على واحدة دون مشكلة تذكر، وانطلقا في طريقهما. أحضرت ثيرا بضعة كتب لتقضي بها وقتها بينما انشغل بن بالعمل على نقشه، باذلاً وسعه لاكتساب أكبر قدر ممكن من الممارسة في ظل اكتفائه بارتداء الخواتم السحرية التي اعتاد حملها دائماً، إلى جانب المهارات الكامنة في داخله. لقد نال قدراً لا بأس به من الخبرة المهنية في الأسابيع القليلة الماضية بالنظر إلى بعض النقوش فائقة الحجم التي استطاع صنعها، إضافة إلى حقيقة قدرته على التجريب مستخدماً مهارات عديدة ومختلفة مقارنة بالنقاشين الآخرين بفضل مهارة الربط، ولم يرغب في إفلات هذا الزخم بمعاملة هذا الوقت على أنه استراحة.
حتى وإن لم تكن صناديق خواتمه بحوزته، فقد استغل الأمر فرصة لتعسّف الفهم في فن النقش السحري حتى أعمق درجاته، رغم أن ذلك بدا أكثر إرهاقاً مقارنة بالعمل بمهارة غير مرتبطة بتوافقاته. كم سيكون رائعاً لو أمكنني النقش بتوافقات الآخرين بالطريقة ذاتها التي أفعلها بمهاراتهم، لكن هذا يتجاوز حدود الأمل بالنظر إلى كل ما أجنيه أصلاً من مهارة الربط، ولعلني أبلغ ذلك إن استيقظت يوماً...
كانت فكرة مسلية، لكن عليه بذل جهد هائل لتدريب تلك المهارة، لاسيما وأن تحديد المهارات التي تمنح مكافآت لمهارة معينة بدا أمراً بالغ الصعوبة ما لم يكن واضحاً جل جيان. صحيح أن مهارة الربط احتفظت بالمكافآت المرتبطة بها منذ أن فرغ من إكمال مسار الكاهن، وصارت تمنح مكافآت طفيفة مضمونة الآن بعد أن صار نقاشاً، فهل ستحصل أيضاً على مكافأة المهنة الأساسية نظراً لارتباط طريقة استخدامه للمهارة ارتباطاً وثيقاً بنقشه؟
وفوق ذلك، ماذا عن مكافآت مهنة الحرفة لديه؟ كان واثقاً تماماً من أن النقش يتلقاها لاعتباره مهارة حرفية، ولكن ماذا عن مهارة الربط؟ ورغم استخدامه الوثيق لها مع النقش الآن، فإنه لم يبدأ بمعاملتها على هذا النحو إلا مع نهاية مهنة الحرفي، فهل سيترك ذلك أي أثر، وهل كانت المهارات المؤهلة للمكافأة تتبع تماماً طريقة استخدامه لها؟ لقد حاول سؤال ميرايد مرة لكنه تلقى إجابة مفادها أن الأمر يتباين بحسب المهن والمهارات المعنية، وأن السبيل الوحيد للتأكد هو الفحص بمهارة تحليلية متنبهة، وهي ندرة مطلقة يمتلكها أحدهم.
استطاع محاولة البحث عمن يمتلكها عبر إغداق المال، وربما كان ذلك أفضل من الأمل الأعمى في عمل مهاراته على النحو المبتغى، بيد أن ذلك سيكلفه ثروة طائلة أيضاً. كم سأكون مستعداً للدفع لتحسين مهاراتي؟ أفترض أنني ومع تحسني، سأصبح قادراً تدريجياً على صنع أدوات وأسلحة أفضل للبيع تعوض أي خسائر، لكنني سأتريث الآن. فضلاً عن ذلك، إن بات الأمر مكلفاً حقاً فبإمكاني دائماً إعلام بيلينيا بعودتي إلى أنايليا لفترة قصيرة لصنع بعض الدعامات، ومع المستوى الذي بلغته مهارتا النقش والربط فسيكون ذلك مالاً سهلاً.
بحلول هذا الوقت، امتلك غالبية أتباع ميرايد تلك المهارة. طالما واصلوا التدرب بجدية فسيحظى في غضون بضعة أشهر بدخل سلبي جيد أيضاً. تفكيره في كل ذلك عنى ضرورة توفير عربة أسرع في طريق العودة. لا جدوى من إضاعة أيام إضافية على الطريق ووقتُه ثمين. بالطبع، ولامتلاكه الوقت الكافي، استطاع أيضاً العبث بأفكار حول وسائل نقل بديلة للمستقبل. أيا ميرايد، أأنت هنا؟ <أنا هنا، أيمكنني مساعدتك في شيء؟> أردت تبادل الأفكار فحسب.
ما رأيك في فكرة صنع عربة صغيرة وخفيفة مُثبت عليها شراع ومزودة بتعويذة سحر هواء لدفعها للأمام؟ لن أضطر للقهور بشأن استئجار عربة كلما احتجت للذهاب إلى أي مكان بهذه الطريقة. <أعتقد أن تكلفة المانا للوصول إلى أي مكان بهذه الطريقة بسرعة مقبولة ستكون سخيفة ما لم تستخدم بعض موادك السحرية، وحتى في هذه الحالة قد ترغب في ربطها بتعويذة ذات مستوى أعلى مما تقدر عليه لتقليص تكلفة المانا قدر الإمكان.
هذا ناهيك عن حقيقة أن الكثيرين يرغبون في سرقة شيء كهذا إن تركته في الخارج.> مم، حق. ربما يمكنني صنع بعض الدراجات؟ إنها أسرع بالتأكيد من العربة المعتادة، لكن العجلات قد تمثل مشكلة. لا أظن أنها ستجدي إن استخدمت عجلات خشبية أو معدنية كالعربات، ولم أر شيئاً يشبه المطاط هنا. ربما يمكنني صنع بديلة من الجلد أو مادة أخرى؟ قد يتطلب الأمر بعض التجريب. <لست على دراية لا بالدراجات ولا بالمطاط لذا لا يمكنني تقديم الكثير من الآراء في هذا الشأن، لكن الأفكار التي تتردد في ذقنك تجعل الأمر يبدو قابلاً للتنفيذ بدرجة أكبر على الأقل.> انتظر، تمهل قليلاً.
أتقول لي حقاً إن الدراجات لم تُختترع هنا؟ سأل سيده، وقد بلغ اهتمامه ذوته. <ليس هناك ما يشبه ذلك حسب علمي.> دارت التروس في ذهن بن وهو يمعن التفكير في الأمر. على الرغم من شيوعها، كان متأكدّاً تماماً من أن الدراجات لم تُبتكر إلا قبل قرنين فحسب من ولادته، مما يجعلها حديثة نسبياً مقارنة بمدى بساطتها الظاهرة. تيقن من قدرته على ابتكار واحدة دون مشكلة تُذكر، إلا أن ذلك أثار في نفسه سؤالاً واحداً.
ميرايد، أحتاج حقاً لمعرفة كيف سيتعامل قانون الملكية الفكرية في هذا العالم مع حقيقة أنني سأقدم اختراعاً من عالمي إلى هذا العالم. أأملك براءة الاختراع بصفتي من جلبها أم ستعتبر ملكية عامة لأنني لست المخترع الفعلي؟ تووقع أن يكون هذا النوع من الأسئلة الذي يتطلب من ميرايد بحثاً بسيطاً لإيجاد إجابة عنه، لكنه فاجأه بإخباره فوراً. <لقد أثير هذا الأمر مبكراً جداً بعد وصول جميع المستدعين.
أراد عدد قليل جني أكبر قدر ممكن من المال رغم حظوة دولهم، وقد تسبب ذلك بالكثير من المتاعب بين ملوك الحرف لمعرفة كيفية الرد، فبينما لم تكن الملوك تحمي ملكيتها الفكرية الخاصة، إلا أنها كانت تظل تقدم أفكاراً جديدة إلى العالم. انتهى الاستنتاج إلى أنه في حين يمكن استخراج براءة اختراع لمثل هذا الاختراع، يجب صنع نموذج أولي عامل وتكون مدة البراءة عشرين سنة فقط بدل المائة المعتادة، ولأنك لن تسترعي براءة اختراع دون القدرة الفعلية على صنعه، فقد اضطر غالبية المستدعين للتراجع.> إذن تقصد أنه طالما استطعت صنع واحدة فأمامي عشرون عاماً من الثراء.
<بافتراض أن تلقى رواجاً، بالطبع. تظل هناك دائماً احتماليات ألا تسفر عن شيء إلا بعد أن تصبح التصاميم في متناول الاستخدام العام.> إن حدث ذلك فلا بأس، أردت شيئاً يجعل السفر أكثر ملاءمة، وإن تمكنت من جني بعض المال من وراء ذلك فهو مجرد مكافأة.