ركض نحو الواجهة وانتظر أن يفرغ فالك من أحد الزبائن ليعرض عليه منتجه الأخير. تناول معلمه القطعتين وتفحصهما بعناية متناهية ملقياً نظرة فاحصة على جودة نقشه ومبدياً ملاحظاته حول ما نجح وما يمكن تحسينه بمزيد من الممارسة قبل أن يخبر بن بما كان يود معرفته حقاً.
قال: "للأسف، الرمح نادر أدنى فحسب".
لكن بن لم يتوتر. فحيث إنه لم يقل إن كليهما كذلك فهذا يعني أن أخباراً سارة في الطريق.
"والدرع؟".
أخبره فالك مبتسماً: "نادر أعلى. تهانينا يا بني".
بجهده الشخصي ومن دون الاعتماد على أي مواد فاخرة، نجح في بلوغ رتبة النادر. كان واضحاً أن أمامه طويلاً لِيَقْطَعَه، فهذا نجاحه الأول وكان يعلم أنه لن يفلح في تحقيقه بثبات، لكنه كلما تحسن استطاع الوصول إليه أكثر فأكثر، وما دام يواصل زيادة عدد النقوش المتاحة له وفهمه لتلك النقوش فلن يزداد إلا تحسناً. لم يفارق الابتسام عريض محياه لكن اليوم ما زال في أوله وكان هناك متسع كبير للعمل.
"إذن بما أن هذا قد انتهى، فهل من مهام أخرى على جدول الأعمال أم أكتفي بالتركيز على إعادة ملء المخزون؟".
"ممم، ما زالت غرفة تخزيننا فوضوية لذا نظمها قليلاً في الوقت الحالي، لكن حاول أن تضع في اعتبارك أي شيء تعتقد أنك قد تستطيع استخدامه قبل انقضاء اليوم، فلدَي طلبية ستصل قريباً وسنحتاج إلى المساحة".
"أمرك".
توجه إلى الخلف وألقى نظرة فاحصة محاولاً ألا يصاب بالتوتر من جراء كمية الأشياء الموجودة هناك. كانت مكدسة بالكامل، وكان ذلك ذنبه. كان ويدرو قد حضر قبل بضع أسابيع لاستلام الطلبيات التي وضعها لستيف وويل. ويا لأسفه، لم تستطع صديقتاه الحضور أيضاً، فقد كان يود بشدة أن يرى رد فعليهما تجاه القفازات والعباءة التي صنعها، لكن بدا أن لديهما برنامج تدريب صارماً لا يمكنهما الإفلات منه طوال الفترة القادمة، واكتفتا بأن يحمل معهما ويدرو بعض الرسائل.
ومع روعة تلقي تلك الرسائل، لم تكن هي الأشياء الوحيدة التي تلقاها من الدودة الطائرة، فقد فتح تخزينه المكاني وأخرج مختلف أجزاء الوحوش التي فككها بن وجعله يتولى أمرها خلال وقتهما معاً. ومع كل ما حدث، كان قد نسي أمرها تماماً، وقد امتلأت غرفة التخزين حديثاً لدرجة جعلت الأمور ضيقة للغاية هناك. وعندما رأى فالك ذلك كله أغلقا بقية اليوم لبذل قصارى جهدهما في تنظيم كل شيء، فضلاً عن معالجة العظام والجلود لحفظها للاستخدام طويل الأمد.
أما اللحم فكان التعامل معه أصعب. ولمنع تلفه كله، كان عليه استخدام خواتمه الجديدة والتشاور مع ويدرو قبل أن ينطلق بشأن سحر المكان والزمان. وبفضل قدرته على استخدام نقوش المستوى الخامس، استطاع مضاعفة الحجم الفارغ داخل الفراغ، ورغم عجزِهِ عن إيقاف الزمن بداخله بالطريقة التي يفعلها من يمتلك سحراً موقظاً للزمن، فقد استطاع إبطاءه إلى حد معقول مادام النقش قادراً على الحصول على طاقة كافية.
ومع وضع كل ذلك في الاعتبار، كان فالك قد صنع سريعاً صندوق تخزين كبيرًا ومعزولاً دُمج فيه بلور مانا أبيض، وبذل بن قصارى جهده لإضافة نقوش المكان والزمان إليه، فضلاً عن نقش مائي للحفاظ على تأثير التبريد. فمجرد إبطاء الزمن بداخله لا يعني أنه لن يتعفن كله في الحرارة في نهاية المطاف. أوه، لقد كان ذلك اليوم مزدحماً حقاً. فكر وهو يضحك. أما الجزء الأسوأ فهو أنهما لم يحظيا حتى بأي جثث شياطين.
ونظراً لأنه كان على وشك الموت، فلم يضيّع أحد أي وقت في جمعها، بل ركّز الجميع على العودة إلى هنا في أسرع وقت ممكن ليتسنى علاجه. لقد كان الأمر خسارة فادحة، لكنه أفضل من الموت. وبالتفكير في الأمر، ألم تكن تلك فكرة لكيفية الاستفادة من بعض المواد الموجودة هناك؟ لن يستطيع إبادة الميثريل أو أي أحجار مانا كوسيلة لتغذية النقوش، لكن بإمكانه بسهولة استخدام بعض الجلود لصنع حقائب مكانية، ويمكنه إضافة نقوش إبطاء الزمن والتبريد معاً لجعلها أفضل لأي مغامر قد يرغب في اصطحابها معه طوال اليوم.
وسيتعين عليهم استخدام بعض مانا الخاص بهم بين الحين والآخر للتأكد من احتفاظ النقوش بطاقتها، لكن ذلك كان أبسط ما يكون إن كانوا سيخرجون ليوم واحد فقط. وسيُحتاج إلى إعلام الزبائن بأنه قد يكون من المخطر استخدامها لفترة أطول من ذلك نظراً لأن الحاجة للنوم قد تسمح بمرور وقت أطول من اللازم، ولكن إن فعلوا على أي حال وانتهى الأمر بتضرر الحقيبة جراء فرط ملئها دون الاستفادة من نقش المكان، فهذا يعني ببساطة أنهم سيحتاجون إلى غيرها.
أوه أجل، سيكون ذلك مثالياً. فكر وهو يشرع في العمل بإخراج الجلود لاستخدامها لاحقاً قبل العودة إلى غرفة التخزين. وشرع في محاولة نقل الأشياء من مكانها، ومسح قطع مختلفة بين الحين والآخر إن بدا له أنها ستكون مفيدة وتجميع قطع أخرى متشابهة للعثور عليها لاحقاً. أراد جزء منه إهدار المزيد من بلورات المانا الخاصة به لصنع المزيد من الصناديق المكانية كوسيلة لجعلها منظمة قليلاً، لكنه قاوم.
كان ما زال يمتلك الكثير منها، لكنه شك في قدرته على الحصول على مثل تلك الكمية مرة أخرى إلا إذا أقدم على أمر مجنون كأن يتزوج ثيرا حقاً ليضايق أبويها طلباً لهدية زفاف. في الواقع، عندما تفكر في الأمر ربما يمنحانه ما هو أكثر إن مضيا قدماً وعقدا قرانهما؟ وعندما اعتبر الأمر على هذا النحو ربما يرى إن كان بإمكانه إقناعها بالعودة لإقامة مراسم سريعة صغيرة... أم لا. لا أرى الأمور تنتهي بشكل جيد بالنسبة لي إذا اكتشف أبواها يوماً أن ذلك هو سبب زواجنا، ولست متأكداً من أن ثيرا ستكون متحمسة للطلب أيضاً.
العودة إلى التقتير بما أملكه إذن. كان ما زال يمتلك الكثير من المواد التي لم يمسها حتى لأنه لم يستطع إيجاد طريقة لاستخدامها تبررها ندرتها وتكلفتها، لكن المستقبل أمامنا دائماً. وإن صعد مستوى أو مستويين آخرين في حرفته فسيكون أكثر ثقة بكثير في بعض أفكاره الأكثر جنوناً، لكن ذلك يمكن أن ينتظر.
قال فالك عندما جاء لتفقده ورأى كمية الأشياء الكبيرة الراقدة في الممر، مما انتشل بن من أفكاره في أثناء ذلك: "آهٍ من الملوك يا بني، كم تنوي أن تستخدم من ذلك؟".
لقد نما كومته بشكل كبير، لكن غرفة التخزين بدت أكثر قابلية للإدارة على الأقل وشرح بعض خططه لمعلمه.
"تخيلت أن بوسعنا التخلص من مجموعة من الجلود بصنع حقائب مكانية، وبالنظر إلى الطريقة التي كانت ثيرا تستهلك بها العِصِيَّ مؤخراً فلن يكون سيئاً على الأرجح أن أ صنع مجموعة منها مسبقاً، أما البقية فكلها مجرد تعويض لبعض الأشياء التي بعناها في الأسبوع الماضي".
وبما أن ثيرا قد نالت دعم أمها باجتياز الاختبار، فضلاً عن نيلها كل مهارات السحر التي كانت قادرة عليها، فقد كانت تحرق العصي مؤخراً من خلال ممارسة مهاراتها في ساحات التدريب عندما لا تكون مشغولة بالدراسة لاستخدام تعاويذ أكثر تعقيداً في المستقبل. وحتى مع مدى تحسن بن في صنعها فقد صار من الصعب مواكبة الأمر، لكن بيلينا كانت تدفع جيداً لذا كان الأمر يستحق عناءه كله.
"حسناً، لكن هذا عمل لأيام قليلة على الأقل. ما زال لديك مشروعك الصغير في البيت، أليس كذلك؟ لا يمكنك المكوث هنا طوال الليل".
"سأغادر في الوقت المناسب، لا تقلق. تخيلت فحسب أن أُنجز أكبر قدر ممكن من العمل وأترك البقية في منطقتي للغد".
"حسناً، إذن إن كنت قد انتهيت فسأتركك وشأنك".
غادر فالك ليعود إلى عمله الخاص، تاركاً بن ليشرع في العمل. وقرر البدء بالعصي أولاً. فبما أنها ستصبح ملكاً لثيرا بمجرد إنجازها، فهذا يعني أنهما يستطيعان إرسال الفاتورة لأمها فوراً ولن يضطرا للقلق بشأن انتظار عملية بيع. لم تتغير تقنيته الإجمالية كثيراً لإنتاجها، ولم تكن بحاجة لذلك أيضاً. ومع نمو ثيرا في سحرها، تحسن تحكمها بشكل ملحوظ، مما جعلها تدوم لفترة أطول مما كانت ستحققه لولا ذلك حتى لو لم يتحسن هو نفسه.
ومع ذلك، فقد زادت مهاراته بشكل كبير منذ أن بدأ فعل ذلك لأجلها لأول مرة وكان ذلك واضحاً. كان ما زال يصنعها لتقاوم سحرها، لكن العصا أصبحت الآن منقوشة لتقاوم الأرض والحياة والظلام بدلاً من الأرض وحدها كما كان الحال سابقاً، وعدد الطبقات التي تدخل فيها وصل إلى عشرين، مما يخلق تدرجاً أكثر سلاسة لإطلاق تعاويذها. وكان يحتفظ أيضاً بملاحظات تفصيلية حول المواد التي تجدي وتلك التي لا تجدي، ويعود إليها بين الحين والآخر لمحاولة اكتشاف طرق متفوقة لإنتاج عصا.
بدا أن بعض المعادن تعمل بشكل أفضل عموماً، لكن أحياناً ما تظهر معادن أدنى تحسينات مذهلة إذا أُضيفت إليها العظام أو القرون أو المخالب المناسبة عند إنتاج كل شيء. وكان على واثق من أنه عاجلاً أم آجلاً سيتمكن من إيجاد التركيبة المثالية، شيئاً يقف فوق كل البقية ويرفع مجموع أجزائه، لكن كان ما زال هناك الكثير من العبث للوصول إلى هناك. ولحسن الحظ كان العمل سريعاً بالنسبة له في هذه المرحلة.
لقد صنع عصيَّاً أكثر بكثير من أي شيء آخر للحفاظ على إمدادات ثيرا، وبصفته حرفياً من المستوى السادس كان سريعاً في عمله بالفعل، مستخدماً مهارته في المانا لجعل مواده تنحني لإرادته بشكل أسرع مما كانت ستفعله لولا ذلك. ومما ساعد في الأمر أن طريقته في إنتاجها يمكن أن تثمر عن عصي متعددة في الوقت ذاته من خلال مد المعدن في أثناء العمل، وبحلول نهاية اليوم كان بن قد أعد ثلاثين عصا جديدة لتتلفها ثيرا.