جلست ثيرا في ساحة التدريب، وبسطت عصاها لتُركّز على توظيف المهارة الممنوحة لها. بدا التحريك الذهني قريباً جداً من أسلوب استخدامها لسحر الأرض، لدرجة أنها خشيت أن تستخدمه بالخطأ، لاسيما أنها لم تمتلك خياراً سوى تنفيذه بترابٍ خام. ربما كانت مهارة تمكّنها من تحريك أي شيء عبر المانا، غير أن ساحة التدريب قرب البلدة خلت من أي عوائق أو أشجار أو مياه، فلم تجد بدّاً من التدرب بالتراب كعادتها.
على الأقل وبعد مرور أيام قليلة من استخدامها، شعرت بأنها تضبط زمام المهارة وأدركت الفارق بينها وبين سحرها المفضل. فهذه مجرد مرتبة صفرية في نهاية المطاف، ولمست استنزافاً أكبر للمانا مقارنة بسحر الأرض. لسوء الحظ، ومع تدني المرتبة بدا تحكمها أسوأ بكثير، واستغرق استدعاء تعويذتها وقتاً أطول ممّا توقعت. وكل ما فعلته للتدرب تمثل في جذب التراب من الأرض وقذفه، وأي ناظر كان ليظن أنها تتدرب وحسب على سحر الأرض، لكن خياراتها بدت محدودة حين تعلق الأمر بسبل التدريب على هذه المهارة.
ولو تمتعَت بمستوى طبيعي من التحكم السحري لاستطاعت التدرب بطرق أصغر، كجعل أدوات المائدة تطير حول منزلها أو ما شابه، غير أنها اضطرت للرضا بالخيارات المتاحة حالياً. على الأقل وفيما يختص بسحر الأرض، اعتقدت أنها تلمس ثمار اكتساب مهارات سحرية متعددة أخبرها عنها سيّدها منذ حصولها على سحر الحياة، وإن صعُب التأكد تماماً نظراً لارتقاء مستوى سحر الأرض في الوقت ذاته. ومع ذلك، ظنت أنها ستتيقن تماماً متى ما تمكنت من اختبار الأمر في مواجهة آثار اكتساب التحريك الذهني، وإذ شعرت بأن الوقت قد نفد تقريباً قبل عودتها لتجديد تطبيقها، بذلت جهداً أُخيراً فقذفت كتلتها الترابية بأقصى ما تستطيع و شعرت بعصاها تتحطم أثناء ذلك.
لم يعد الأمر يثير قلقها بعد أن وعدتها والدتها بالدعم فلم تهتم لتحطمها، وبدل ذلك حاولت للمرة الأخيرة طالما أن آثار السحر ظلت باقية فيها. وباستخدام سحر الأرض، جمعت التراب من أنحاء الساحة في كرة. وشكّل هذا تحسناً ملحوظاً مقارنة بمهارتها السابقة. ففي السابق، وحال فقدان عصاها، ربما استطاعت رفع سحابة ترابية في الهواء لبضع لحظات عاجزة عن فعل شيء بها. أما الآن فأمكنها تشكيلها بفعالية في كرة متقنة، حتى لو بدت أكبر من اللازم وعجزت عن فعل أي شيء سوى تركها تحوم في الجو.
ومثل هذا القدر من النمو هو ما دفعها لاختيار التحريك الذهني من بين كافة الخيارات المتاحة، وببذل جهد إرادي استخدمته مع سحر الأرض لقذف رصاصتها الترابية الضخمة أبعد مدى أمكنها. لم تقطع سوى نحو خمسة عشر متراً، لكنه كان كافياً. فرغم عجزها عن بلوغ مسافة بعيدة، شكّل الحجم وحده تهديداً لأي سيء الحظ يعترض طريقها، وباتت تملك أُخيراً وسيلة للقتال إن تحطمت عصاها.
<acquired>
يا للروعة! فكّرت في نفسها بحماس، وخفى ابتسامتها غطاء رداءها. لم يبقَ على زوال تأثيره سوى دقائق معدودة وقد تحطّمت عصاها، فما نالته من مهارة فاق كل ما تمناه قلبها، فهرعت عائدةً إلى المتجر حيث كان بن وزاندال مستمرين في التدريب لتخبرهما.
هتفت حين فتحت باب المتجر: "لدي أخبار سارة! لقد حصلت على المهارة!".
قال بن، أو هكذا حاول: "هذا رائع".
لم يكن قد حصل على مهارته الخاصة بعد، لذا كان ملقى على الأرض ويتلقى الضربات من زاندال مما أعاق أي حديث. لم تستطع تخيل ما يدور في ذهن أي زون يدخل إلى هنا، لكن المكان كان يحمل بالفعل سمعة خشنة بسبب طباع خالها المبدئية ومعاملته القاسية أحياناً للزبائن الممشكلين، لذا حاولت ألا تفكر في الأمر كثيراً وتترك له شأنه، لكن بن نهض وأوقفها.
"أيتها، عذراً ثيرا، لدي طلب محرج بعض الشيء وكنت أتمنى لو بإمكانك مساعدتي؟".
"أتريجين أن أضربك أنا أيضاً لأحاول تسريع الأمور؟".
"أرجوك لا. لدي رجل سيحضر قريباً لالتقاط بعض تمائم مقاومة الظلام. أتوجه أي فرصة لبقائك هنا كي تُجَرَّب؟".
لم تستطع إلا أن تكشر قليلاً. كان طلبا بسيطاً على صعيد الطلبات. كل ما سيتطلبه الأمر منها هو الوقوف وإظهار أن أوامرها لا تؤثر عليهم أثناء ارتدائها. بالنظر إلى أنها حصلت للتو على مهارة سحرية جديدة بفضله، ناهيك عن محاولته الحالية لجعل المنزل بأكمله منيعاً ضد السحر مما سيجعل خالتها قادرة على استقبال الضيوف دون قلق وتحديث التعديل السحري على سوارها، فقد قدم لها الكثير هذا أسبوع.
في الواقع، ألم يبالغ في ما قدمه؟ متى يجد وقتاً للنوم؟ حين فكرت في الأمر هكذا، كيف أمكنها الرفض؟ سيكون الأمر مزعجاً بعض الشيء، وما هو إلا شيء لم توجد مسبقاً في مواجهته.
"حسناً، بالتأكيد. كم بقي ليصلوا؟".
"لن يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة".
حسمت أمرها بالانتظار بينما استواصل بن تلقي الضربات جانباً حتى فتح باب المتجر مجدداً ودخل رجل تبدو عليه علامات التوتر. بدا مزيجاً بين رجل سحلية وقزم، وتطايرت عيناه في أرجاء الغرفة حين نهض بن لاستقباله.
قال بن وهو يمر بجانبه ويقفل باب المتجر كي لا يدخل أحد بطريق الصدفة قبل أن يناوله تميمة: "التوقيت مثالي. ثيرا هنا لذا فلننهِ هذا بسرعة".
سأل وهو يلقي عليها نظرة خائفة قبل أن يحول بصري عنه: "أمتأكد أنت من أن هذا سيعمل؟".
"نعم، لقد صنعت الكثير ولم أواجه أي مشاكل قط. والآن كفّ عن التصرف كطفل فظ بشأن الأمر ولنبدأ".
اعتبرت ثيرا هذا إشارة البدء فنزعت رداءها قبل أن توجه بعض الأوامر المختلفة لتجبر الرجل على الانصياع لإرادتها. مع كل أمر باء بالفشل، كان يزداد استرخاءً شيئاً فشيئاً حتى اطمأن لدرجة تسمح لها بالتوقف وإعادة ارتداء رداءها. يا له من رجل أحمق. فكّرت في نفسها. لو نجح سحري لما استطاع الخوف مني بمجرد خلع الرداء.
قال الرجل لبن متحدثاً ببعض التوتر وقد بدا هادئاً بعض الشيء: "حسناً، يبدو أنه يعمل كما قلت. ينبغي أن يكون الأمر مقبولاً لعقد صفقتك".
دفع بن كيساً إلى يديه وكاد يطرده من المتجر بعد أن تم الاتفاق.
"في تلك الحالة تأكد من تجهيز كل شيء. أنا متأكد من وجود الكثير للتحضير له لأجل الجميع لذا من الأفضل الشروع في ذلك".
حين أصبحا وحيدين مجدداً، لم تستطع ثيرا إلا استنكار تصرفه.
"أهكذا حقاً يجب أن تعامل الزبون؟ أي نوع من الصفقات تعقد معه على أي حال؟".
"أه، تعلمين، مجرد تزويده ببعض تمائم المقاومة. شكراً لمساعدتي في إتمام البيع، أنا مدين لك بواحدة".
"حمم، حسناً بالنظر إلى كل شيء آخر أعتقد أنه ليس سيئاً للغاية، فقط لا تجعل الأمر عادة مألوفة".