الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 123

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 123 باللغة العربية على مانجا تايم.

هل يستطيعون السماع؟ هل يتلوّع أحدهم أثري؟ <يبدو أن الصوت قد تردد في أرجاء الكهف بوضوح، والغاصب يدفع معظم الشياطين للركض خلفه، ولكن أكانت تلك حقاً أفضل فكرة صرخت بها؟> لا يهم إن أجدت نفعاً، كيف تبدو الأمور الآن؟ <تبدو شراك المسامير المسمومة قد أثرت في بعضهم، غير أن الكمية التي وضعتها على كل منها لم تكن كافية لإلحاق الأذى الفوري، ربما تبطئ خطواتهم قليلاً فحسب. أما قسم الكهف المكهرب، فهو لا يعدو كونه مصدر إزعاج في احسن الأحوال.

يبدون أكثر غضباً بلا ريب وهم يندفعون عبره، لكني أظن أن ذلك لا يزييدهم إلا إصراراً على مطاردتك.> يا للرجل الرائع. لقد أدرك أنه لن يجني الكثير من تعويذة البرق التي صنعها، فالمهارة التي صُنعت بها كانت ترمي إلى تركيز المانا في نقطة محددة لتحقيق أثر أكبر، أما بثها عبر مدخل الكهف وتشغيلها بأداة صُممت أساساً لجلب المانا لتعويذة أخرى تماماً بينما تتلقى الطاقة من مخزونه الشخصي، فلن يكفي أبداً لما يستعمله فيه الآن.

وماذا عن الشياطين؟ أهم تحت الأرض الآن؟ <يبدو أنهم يظلون فوق الأرض لتعقبك في الوقت الراهن، وحظنا أننا كنا محققين بشأن بنيتهم الجسدية.> كان الملوك الذين يراقبون الموقف يتفرسون في الشياطين حول ثيرا، وخلصوا إلى استنتاج استناداً إلى أبدانهم. على الرغم من تباين الواحد عن الآخر، فقد أيقنوا أمرين؛ لكل منهم استعداد للحفر بطريقة أو بأخرى، ومع ذلك فلن يكون ذلك بكفاءة الركض العادي، إذ يُرجح أن الحفر صفة تطورت لمساعدتهم على التواري عن أي أخطار محتملة.

والآن وقد باتوا في ساحة القتال، فقد آثروا السرعة على ما سواها. وهذا يعني حاجته إلى السرعة قبل أي شيء آخر، وهي التي ظلت أبداً أضعف خصاله. أعدّ الاثنان الشق الأساسي للفخ على أبعد مسافة ممكنة تريحهما، وجهزاه تحت أعين الملوك اليقظة الذين رابطوا لتحذيرهم من أي شياطين مقبلة، وما كان عليه إلا أن يأمل بلوغه في الوقت المناسب قبل أن يدركه الهالك. عزاؤه الوحيد أن الكهف عميق، وأن الشياطين تتخذ عرينها في نهايته.

غير أنها وحوش مبيدة للعوالم، وما كان له أن يركن إلى ذلك وحده لينجز ما يبتغيه، وكان صراخ سيّده في رأسه ينذره بأن الأمور لا تبدو مبشرة. كاد الشوق إلى الالتفات يصرعه، لكنه أبى الاستسلام. أي شيء يبطئه، ولو لثانية، قد يكلفه حياته. كان عليه تركيز لعدوّه بكل كيانه، وضع قدم أمام أخرى، وعدم تفويت خطوة واحدة أثناء طريقه. السقوط يعني الموت، والبطء يعني الموت، وحتى مجرد سوء الحظ يعني الموت، ليس له وحده فحسب، بل وويل ومن أراد إنقاذهم أيضاً.

غدا مرور الوقت عنده عبثاً. ومع أنه لم يتجاوز دقائق معدودات، فقد بدا الساعات الطوال، والادهى أنه كان يسمع شيئاً آخر غير خفقان قلبه في أذنيه. خطوات، عشرات منها تضرب أرض الغابة ولا تزيدها الثواني إلا علواً. حين بدأ الذعر يعتصره، أبصر بغيته. بقعة أرض ترابية مستوية أمامه، وويل يرتقب في نهايتها، جاثياً لكنه مستعد للقتال. كل ما عناه الأمر هو إن كان بن سيبقى حياً ليصل إليه.

تمتم بدعاء سريع راجياً بألا تودي به المكونات غير المختبرة لفخه إلى موت بطيء ومؤلم، فعبر المساحة الترابية غير متبطئ لثانية بينما كان يحس بارتجاف الأرض من ورائه، بات وشيكاً، وويل لا يبعد عنه سوى خطوات معدودات. <تفادَ!> صرخ سيّده فجأة في وجهه، ولم تكن ثمة فرصة لرد الفعل إذ أحس بمخالب غليظة تنهش ظهره، ممزقة لحمه بينما دفعته مع المخلوق الذي هاجمه عبر الحد الفاصل المطلوب.

نهض ويل وألقى بنفسه على الشيطاني الذي طرحه، ومقاطعاً بذلك إمداد الطاقة عن التعويذة التي صاغها بن مسبقاً. أدرك خلال رحلة الصيد في عطلة نهاية الأسبوع الأولى مع ثيرا أنه لا يستطيع حمل الوحوش على إلقاء أنفسهم في حفرة مميتة، ولو كانت مسحورة بما يكفي، متى استبان للخلائق هلاكهم فيها. أعصر ذهنه للاهتداء إلى حل، وما وجد خياراً أفضل من تغطيتها وإعادة تجهيز الفخ كلما انطلق.

ربما كان بمقدوره صنع باب خفي بطريقة ما ليواريه بحيث يعيد ضبط نفسه كلما هوى شيء داخله، لكن ذلك يعني جره إلى الغابة. وحينها شرع يداعب أفكاراً لحلول سحرية. حقاً، مع شح المانا الذي يعانيه ועجز ثيرا عن استخدام الأدوات السحرية من غير إتلافها، لما كان ذلك ميسوراً ما لم يعزم على إهدار بعض المواد السحرية الثمينة التي منحها إياه أبواها، لكنه لم يكن بهذا اليأس آنذاك. أما الآن فقد اختلف الحال.

كان لديه ويل، الذي امتلك من المانا ما يكفي لصنع ساحر قدير حتى من غير مهارات سحرية تذكر، وكانت لديه الحاجة، فوجدا فرصة بين تلّتين متقاربتين، وجعل ويل يحفرهما ليكون بالعمق المطلوب في غضون ساعات معدودات قبل ملئهما بالمسامير المسمومة، بينما أسقط بن أشجاراً رفيعة فتية بطول يكفي لتكون عوارض تواري الأمر برمته ووضع تعويذة حاجزه فوقها. بحسب حجمها والبقعة الشاسعة التي وجب عليه سترها، ما استطاع إحكام الحواجز بالقدر المبتغى لئلا يرتفع ثمن المانا باهظاً، ولهذا احتاج الاثنان إلى أن يصب ويل جلّ طاقته في التعاويذ ما إن تبين اقترابهما لتعزيزها فلا تنهار حين يعبرها.

لابد وأن رفيقه قد استنفد الكثير منها ليبقيها في موضعها ريثما ينتظر، كي تواري الطبقة الترابية فوق الحاجز الهوة المميتة تحتها عن الوحوش المقبلة، ولكن حين استدار بن، متغاضياً عن الألم المبرح الذي شق ظهره، تيقن أن الأمر كان عائداً بجدواه. أدت قوة سقوطهم وثقل أبدانهم إلى قيام المسامير بدورها، وعبّت الحفرة بصرخات الألم ما إن تغلغل السم في أجساد الشياطين الناجية، ليعفن دماءها سريعاً من الداخل ويغمرها بالأوجاع.

كانت بداية طيبة، غير أنه لم يستطع الاحتفال بعد. قريباً سينجو بعضهم، وحتى وهم مسمومون ومصابون، فسيظلون قادرين على ضمان هلاكه وويل معهم إن لم يحذرا. ومع ذلك، استراح فؤاده لرؤية نجاح الخطة، وهرع بالسرعة القصوى نحو ويل، الذي كان يصارع لا الشيطاني الذي غرز مخالبه فيه فحسب، بل وأربعة آخرين نجحوا في الإفلات من السقوط. وتبيّن له أن من نازلهم رفيقه كانوا أنحف من سواهم ممن رقدوا مطعونين في الحفرة، مما منحهم على الأرجح السرعة لبلوغه قبل البقية والوثب إلى بر الأمان بعد انطفاء الحاجز، فضلاً عن توفير مزايا لنشاطهم الآخر في الحفر تحت الأرض.

لا زالت دماء بن واضحة على أحد مخالب المخلوق الأمامية بينما احتشد البقبة حوله، مستشعرين أن رفيقه هو الخطر الأكبر الماثل، غير أن ويل بدا ثابتاً، متفادياً كل ضربة ومسدداً لكماته بوتيرة تعجز الوحوش عن مجاراتها. فحتى في معركة واحد ضد خمسة، لم تكن ندا له مهما بلغ خطر زمرة شياطين. فالمرء ذو المهارات المستيقظة يغدو وحشاً آخر مقارنة بصائد عادي، وبدا جلياً لِمَ عكف الملوك بكل هذه المشقة على استدعاء مائتي شخص كهؤلاء.

مع كل هجمة متفاداة، ولعلمه بأن النصر يحوزه ويل، التفت مجدداً ليعنى بالمهمة التالية، القضاء على الناجين في الحفرة. إذ أدرك الآن أن الشياطين ستغدو غاصبة متى أحدثت قدراً كافياً من الموت مما يعني امتلاكها سحر الحياة والموت المعهود عنها، فإن أي ناجٍ قد يستطيع مداواة نفسه، أو على الأقل إرجاء حتفه. أمر لا يمكن التساهل فيه وقد اقتربوا من تقليص الأعداد. تناول مطرقة قريبة وشرع يهرع حيث رقد كل منهم أسيراً رغم إصابته، مبصراً المسامير تخترقهم تماماً في مواضع عديدة، فشرع في عمله، مهوياً بمطرقته واحداً تلو الآخر.

مهما بلغت خطورة المخلوق، فمتى حطمت دماغه، انتهى الأمر. هكذا بدت الشياطين على الأقل وفق تلك القاعدة المألوفة، ولم يعول بن على صدق ذلك مع كل وحش في العالم، لكن ما دام الأمر صحيحاً مع هؤلاء فهذا كل ما يهم. في جولته جلب الموت لكل منهم ولم يستثنِ أحداً بلا ضربة. ولما تيقن من بلوغهم مستويات أرفع من الذكاء، ما عاد ليخاطر باحتمال تظاهر أحدهم بالهلاك، متربصاً باللحظة المواتية للانقضاض.

أما المتخبطون سعياً للتحرر والمهاجمون بعشوائية فقد اختلف مسعاه معهم. اقتلع ما استطاع من مسامير الأرض، وبمطرقته هدى خطاه حيثما أمكنه الاقتراب من الكائن ليغرسها في لحمه متقياً أثنانها ومخالبها، ثم يمضي تاركاً السم يؤدي دوره ويمضي إلى شيطان آخر ثم غيره، حتى تهاوى الجميع حوله موتى. أطلق تنهيدة ثقيلة وهو يطالع صنيعه، ناظراً إلى الدم والموت حوله ومتمنياً لو كفى، غير أن أمراً ما لم يستقم.

لم يكن قتلهم باليسير، وكان المفترض بويل أن ينزل للمساعدة في إنجاز البقية ليتسنى لهما البدء بالهجوم على الكهف، وخشية الأسوأ هرع عائداً إليه ليبصر القتال محتدماً بعد. بيد أن خطباً ما قد حدث. كان ويل الأقوى بلا منازع. استطاع التحرك بسرعة وتفادي ضربات المخلوق وكان عليه مواصلة تسديد الضربات حتى تصرع الجثث عند قدميه، لكنه لم يفعل، وحينها تذكر بن ما أُخبر به حين شرع ويدرو يحدثهم عن صيد الشياطين.

الحزن. آفة عقلية تعسر على المرء قتل الشياطين. لم يعانِ بن من ذلك ظاناً إياه أثراً سحرياً كامناً يمنحه مناعة، غير أن ويل لم يكن كذلك بيّناً. رام منح رفيقه فرصة لتجاوز الأمر بنفسه، لكن الوقت لم يسعفهما، وثمة أناس يلزم إنقاذهم، لذا وبأهدأ ما استطاع، متغاضياً عن الألم الملء لبدنه ولا سيما ظهره، تسلل من خلف الزمرة بينما واصل ويل صدّها وهوى بمطرقته، مسدداً الضربة القاضية لأحدهم ثم حول ضربته سريعاً نحو التالي فالعاشر، منجزاً ثلاثة في غضون لحظات.

للأسف، ما عاد لعنصر المفاجأة وجود هناك، وبات الوحشان الباقيان على أهبة الاستعداد، حذرين منه وجاهزين للفتك. ما عزاه من ميزة واحدة تمثلت في أنه رغم عجز ويل عن الإجهاز عليهما، فقد كانا مهشمين ومثقلين بالوهن حتى ليمكنه مقارعتهما، وأبى أن يدع شيئاً يعترض طريقه. متغاضياً عن أي شعور بالخطر، ألقى بنفسه على الأول، مستغلاً كامل قوة مطرقته في ضربته ليحطم أحد فكيه، مخفقاً بفارق ضئيل عن الرأس الذي كان سيمنحه القتلة.

غريزته الأولى نادت بالقفز إلى مدى أمن لتفادي هجمة مرتدة، لكنه دفع للأمام وهوى مجدداً، حركة لم يتوقعها الشيطاني البتة. حاول حماية نفسه قدر استطاعته، مادّاً مخلباً وممزقاً عضده، لكن الألم لم يمنع مطرقة بن من الهبوط، وكانت إصابته هذه المرة دقيقة. تهشمت جمجمة الشيطاني تحت ضربته وأحس بلحظة نصر عابرة قبل أن يُطرح أرضاً على يد الوحش المتبقي، وجسده مثقل بالدماء وهو يحاول إزاحته بلا جدوى.

لحظة ظن معها أنه انتهى، وأنه سعى بجهد لكنه ما بلغ المبتغى ليواجه مصيره الحتوم، غير أن رؤية رفيقه على الأرض وشيكاً من التمزيق كفت ويل ليتجاوز تردده وكل ما منعه من القتال بكامل بأسه. بوثبة انقض على الوحش مطيحاً به عن بن وانطلق للفتك به، متممين معركتهما.

<ارتفع مستوى التخفّي> <اكتسبت مهارة مستخدم المطرقة المستوى 0>

تمدّد أرضاً، موثقاً بالجراح وينزف، وما ملَك إلّا أن يغمره امتنانٌ ساذج لبقائه حيّاً. حصار المهارة التي سعى خلفها وتصاعد رتبة التخفي بعد عام من المراس مجرد غنيمة عابرة حاول الاستمتاع بها حين نهض وشقّ طريقه نحو رفيقِه. وما إن جمع ويل عزيمته على مقاتلة الكائن وانتزع روحه، حتى تداعت عليه موجة من الأسد العارم. اتسعت عيناه ذهولاً وانداح إلى الناحية ليفرغ جوفه حين اجتاحه الحزن حتى كاد يختنق.

سأل بن بصوت يضطرم بين جزع وعجلة: "أبخير أنت يا رجل؟"

كان لزاماً عليهما اللحاق بالباقين وفوراً، وإن عجز ويل عن الإتيان على ما تبقى من وحوش المغفرة، تعيّن على بن إجهاز القتل على الجميع.

ردّ: "أنا بخير، لم أتقبّل مجريات الأمور فحسب. بدا الأمر.. فظيعاً بشكل لا يطاق".

قال بن: "أعلم، الآثار الكامنة كابوس مزعج. عذراً، أدرك أنك لا تطيق صبراً، لكن اجمع شتاتك لننقذ الآخرين، أتظنّك فاعلاً؟"

أجاب: "أجل، أنا بخير".

هتف: "حسدون، ميرياد، ما الخبر؟"

<لا شيء يسرّ.

بدا أن الغازي أدرك مصرع الشياطين فغادر الكهف قبل لحظات وتوغل تحت الأرض، فلا ندركة مكانه.> "أستنتج أنك سيّد سماويّ، أما كنت لتتبين ما في الأسفل؟"

<بوسِعنا رصد العالم من علٍ أو استشعار جوار مؤمنينا.

أما تلك الإحاطة المطلقة التي تبتغيها فحكر على العوالم التي تحكمها آحاد الملوك، لا عوالم كهذا.> "تبّاً إذاً، والآخرون؟"

<لم يبقَ معهم سوى نفر يسير من الشياطين وتولّت تيرا أمرهم، وهما هؤلاء يهرعون للقائكم الآن.> "انتظري، حريّ بهم انتظارنا في الكهف! إن جهلنا موضع الأخير وقضوا الوقت كله مستنزفي الطاقة، فلن يطيقوا قتالاً!"

<ستفعل تيرا، وأما الباقون فلم يشاؤوا المجازفة بالاحتجاز في الكهف إن عاد طارق.> "تبّاً، حسناً. ويل، هلمّ، علينا الحراك".

لم يتأتَّ الوقت ليدلل رفيقه مشاعره، لا حين يتسكع التهديد الأكبر طليقاً دون رصد بينما يحث الباقون خطاهم للقائهم. إن تلاقوا ومنحوا سحرة الفضاء متسعاً لاستعادة طاقتهم وتأمين الانتقال الآني، فسينجو الجميع، وما عليهم سوى بلوغ الغاية. وعليه، انطلقوا بأقصى سرعة ممكنة رغم فادحة إصاباتهم. أقصد إصابات بن فحسب؛ فقد خرج ويل من المعركة سليماً في بدنه، وإن استبد به الوهن في عقله، غير أن شيئاً لم يكن ليثنيهما عن العدو.

كانت ميرياد ترشدهما بينما تقود أنايليا تيرا، وما هي إلا ومضة حتى تراءى الفريقان لبعضهما. أطلق بن وويل تنهيدة راحة لرؤية الجميع أحياء ولوّحا بأيديهما، لتبطئ خطواتهما وينساب التوتر المتراكم عن كاهليهما. وكانت تلك أعظم زلة. تفجّر التراب من حولهما قبل أن يحسن ردّ الفعل، فقذف ويل جانباً بينما عُلّق بن في الهواء وتناهى إليه الألم مقموعاً. رمق ما أمسك به فإذا هو شيطان ذو هيئة بشريّة تتقاطر منه رغبة جامحة في القتل.

هجس بن في البداية بالفرار، بالافكاك من قبضته، لكنه حين طأطأ ناظريه أدرك بذعر أنه لا محتجز فحسب، بل مخترق. شقّ مخلب المخلوق جوفه وخرج من ظهره. تقيأ دماً وأيقن أن العاقبة وخيمة، تناهى إلى سمعه صدى صراخ بعيد لكنه عجز عن تمييزه وسط جعجعة المخلوق المجهز عليه.

زأر بحقد لم يختبره بن قط: "أنت! دمرت كل شيء! كيف لمخلوق وضيع وزريّ مثلك أن يحمل دماء هذا القدر من أبناء جنسي!"

أدرك بن بيقين قاطع أنه هالك. مخلب يمزق أحشاءه ليس شأناً يعبره المرء بسلام، وبدا جلياً أن المسخ القابض عليه يفوق أضعافاً كل ما ألفه في هذا العالم. أشبه بالوقوف أمام جبل يعلم يقيناً عجزه عن ارتقائه. هكذا يبدو الغازي إذن، حدث نفسه، ولم يملك إلا الامتنان لكونه لم يغادر مع بقية الشياطين حين ألقى باستززازه جوف الكهف. لو عامله هذا الكلوق بجدية منذ البدء لاختلف المآل برمّته.

ورغم ذلك، برغم كل شيء، استبدت ببن رغبة عارمة في استفزازه.

رماها: "هذا ما يقوله قريب كومة جثامين عملاقة".

تمنى لو أوتي عبارة أذكى، لكن الألم كان حارقاً ولم يضمن بقاء رمق له. مع ذلك، أثمرت الكلمات حين تصاعد غيظ المخلوق حتى خيل إليه أنه يستطيع قطعه. أيقن أن المسخ سيجهز عليه في الحال، لكنه بدلاً من ذلك حدق فيه ملياً، ثم التفت نحو رفاقه ماداً يده أهبة للهجوم. صرخ بن غير راضٍ بأن يدع هذا المسخ ينفذ مأربه، وأتا الوحيد الممكن. تواصل معه. تدافع الألم بأسره من صفعاته ليلج الكيان بالتزامن مع سيل الغيظ العارم للوحش نحوه، وأحسّ بن باستعداده لمهارة، ولم تكن آثار اتصاله كافية لزعزعة كائن كهذا، فصنع ما يقدر على تفجيره سوءاً.

مستخدماً كلا عقليه ونتائج طبقات تركيزه الأربع، وجه كل ذرة من كيانه لاستشعار وجعه، مستكبراً عذابه بأبشع سبل الرهبة كي يتجرع الغازي ذات العذاب، وجاء الأثر كافياً. انفرط عقد المهارة التي استللها، وبدا ذلك كافياً لردّ سريع من الباقين ريثما اشتغل عنه. لم يدرك بن كنه ما فعلوه. في لحظة كان متصلاً بالمسخ ناظراً إلى السخط المرتسم على ملامحه، وفي اللحظة التالية انقطع الوصال بوحشة، وغاب رأسه.

استغرق جسد الكند وقتاً ليستوعب الواقعة، لكنه ما إن فعل حتى هوى أرضاً، وخرّ بن معه مترعاً بألم السقوط. ظلّ عالقاً بذراعه، لكن الأمر لم يعد يعنيه. نجا الجميع، وغشاه الخمول. تلاشى التوتر برمته منذ أسر تيرا وأطبق جفنيه.

<ارتفع مستوى العقل المركب>