الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 121 — منظور ثيرا

اقرأ الصانع الفوضوي يعبد المكعب الفصل 121 — منظور ثيرا باللغة العربية على مانجا تايم.

انفجرت الفوضى حولها في مناوبتها، وجُرّت هي وستيف إلى جوف الأرض قبل أن تدرك ما يحدث، وتيقّنت في تلك اللحظة أنها هلكة لا محالة على يد العنصر ذاته الذي كابدت طويلاً لروضه. بذلت وسعها لتمنع التراب من النفاذ إلى حلقها، وحين أحست بشيء يقبض على معصمها، تدفق سحرها نحوه سيلاً لا ينقطع كأنما شُقّ له أخدود ينساب فيه، وما لبث صانع ذلك الأخدود أن تجرّع ارتداد فعله فانفجار كأنه أحد العصي السحرية التي طالما مرّت طاقتها عبرها.

في ركن خفيّ من عقلها لا ينشغل بامتلاء فمها ورئتيها بالتراب، انتبهت لرطوبة ثقيلة حيث حدث الأمر، ولم تظنّ أن ما اكتوى بنار قوتها أداة عمياء، لكنها ظلت جاهلة بحقيقة ما يدور ولماذا جَرّها هذا الكائن إلى أحشاء الأرض. انقضت ساعات، ووضع المخلوق طرفاً على وجهها ليحجب عنها التراب، ومع ذلك ظل التنفس عسيراً. خبا الذعر بمرور الوقت فاستعاد عقلها صفاءه، بما يكفي لتتساءل عن سرّ إبقائها حية، وعن مصير رفاقها.

أترونهم جُرّوا هم أيضاً؟ أم أنهم نجوا ويبحثون عنها؟ أستظلُّ تُسحب في باطن الأرض بلا رحمة، تترضّض بين الجذور والصخور؟ تلقت إجابات عن جلّ تلك الأسئلة حين أُخرجت أخيرًا إلى السطح لتجد ستيف ويدرو هناك، غير أن دمها جمد حين فكرت في دلالة ذلك على مصير بن، وتفاقم الرعب حين تبين أن الآسرين هم أسوأ ما يمكن أن يعتور أحداً في البراري. شياطين، وعشرات منها. بدا أنهم كانوا الطُعم الحقيقي طوال الوقت، إذ أسرتهم تلك الكائنات لغاية تعجز عن تصورها.

لم يكن هذا ليحدث أبداً. الشياطين تقتل البشر، ولا سبب لديها لأسر أحد. ولم تفعل؟ فهي آلات قتل عمياء. هكذا ظنت على الأقل إلى أن نطق أحدها.

"ثلاثة إذن؟ لا تكفي لتقوية هؤلاء لما أريد، لكنها بداية، وخصوصاً أنت"، هكذا تحدث ذو هيئة شبه بشرية، بمخالب حادة صُممت للحفر والقتال معاً، وبحراشف حمراء غليظة وعيون بنفسجية تُميز عرقها.

التفت لينظر إلى ثيرا، وتحديداً إلى معصمها.

"كيف يتسع جسد واحد لكل هذه الطاقة أمر لا يصدق، ويبدو أن أفعى سحر واحدة لن تكفي".

ودون كلمة أخرى، أشار الشاطر المتحدث إلى الشياطين المحيطة، فاستجاب اثنان منها وأحضرا كائنات شبيهة بالأفاعي انطلقت فور إفلاتها لتلتف وتغرز أنيابها فيها. لم تستطع كبح صرختها ما إن أحست بأياب الوحوش الخمسة تخترق لحمها. لم يكن الألم مبرحاً، لكن الموقف كان مرعباً. فعلى ما تدري، كانت تُسمم ببطء بلا أمل في النجاة. كان بإمكانها إسقاط الكهف فوق رؤوسهم بسحرها عملاً أخيراً للمقاومة، لكن ذلك سيودي بحياتها وحياة الاثنين الآخرين أيضاً.

هذا إن كانوا أحياء بعد. رأت أفعى سحرية تلتف حول كل منهم، وإن كانت تلك الأفاعي سامة فقد يكونون قد فارقوا الحياة بالفعل. وإن كان الأمر كذلك وشعرت بروحها تخبو، فسيتعين عليها المحاولة على الأقل لتأخذ معها أكبر عدد ممكن من الشياطين، مهما بلغ الثمن.

مرّت الساعات وكانت الأفاعي التي التفت حولها تُستبدل تباعاً بالشيء ذاته الذي أسرها، ورأت ثيرا أنه بدأ يقع تحت تأثير سحرها. لحسن الحظّ لم يتبدل إلى العدوانية نتيجة لذلك، بل انطوى عند قدميها، وكلما اقتربت أفعى أخرى أطلق صريراً وأخافها فابتعدت. تيقنت إن كان عليها أن تشعر بالامتنان أم لا. لم يبدو ذكياً كالآخر، لم يكن أيّ منهما كذلك، لذا لم تستطع استغلاله بتوجيهه لمهاجمة البقية بدلا عنها، لكنها بقيت بلا خيارات.

كانت محاصرة، والآخران لم يفيقا. الإيجابيّ الوحيد هو أن الناطق لم يعد. ذلك المخلوق أرعبها أكثر من أي شيء آخر لدرجة وجوده. إن كان وحش بحجم خطورة الشيطان يملك ذكاءً أيضاً، فكم سيصبح أسوأ؟ الهمّ الأكبر الذي حملته هو ما حلّ ببن. إن لم يكن هنا فلن تعتقد أنه امتلك طريقة للهروب، وإن كان الأمر كذلك فلم يكن سوى احتمال واحد. خيار رفضت تقبله مهما حدث. لا يمكن أن يكون ميتاً. لا بد أن ثمة طريقة ليخرج من ذلك.

لا بد من ذلك. لكن كيف؟ سألها جزء أصغر منها. لا يستطيع القتال بمهارة من المستوى الصفر فقط، ولا يمكنه الهرب من مجموعة بهذا الحجم حين كانت خفته بهذه السوء. ما كان ليفرّ. لكن المنطق لم يهم. حتى إن لم يوجد خيار آخر، فقد رفضت أن تسمح لنفسها بالاعتقاد بأن صديقها الوحيد قد مات. بينما دارت أفكارها حول المسألة، حدثت تجربة لم تشعر بها سوى مرة من قبل. تحدث صوت داخل رأسها. <صديقك حيّ، أنتِ من تمثلين القلق الأكبر.> أهذا...

أنايليا؟ <أهلاً أيتها الصغيرة، يبدو أنكِ وجدتِ المزيد من الإثارة منذ التقينا،> قالت سيّدتها بضحكة خفيفة. <يسرّني أن أراكِ على قيد الحياة بعد، مع أنني أتمنى لو كانت الظروف أفضل.> أنايليا، أعتذر إن جعلني الموقف أقل تهذيباً مما يجب عند نيل فرصة الحديث معكِ، لكن هل من شيء يمكنكِ فعله؟ بقدر ما شعرت بالارتياح لسماع أن بن حيّ، فإن بقاء الاثنين الآخرين فاقدي الوعي طوال الوقت الذي أمكنها رؤيتهما فيه كان مقلقاً بحد ذاته، ناهيك عن أنه بغض النظر عن طريقة عصرها لذهنها، لم تستطع تبين طريق للهروب.

صمتت سيّدتها برهة قبل أن تتقدم بطلب. <في الوقت الحالي، لمَ لا تخبريني بكل ما حدث ولنرى ما يمكننا فعله؟> أخبرتها ثيرا بكل ما عرفته، من الشيطان الناطق إلى الأفاعي الغريبة التي أسمتها أفاعي المانا التي ظلت تلتصق بها. لم يكن الأمر كثيراً، لكنه كفى لجعل سيّدتها تبدو قلقة. <الكثير من الملوك على علم بالوضع بالفعل وستُرسل القوات للبحث عنكِ فور جمعها.> أوعلماء والداي؟ <أخبرتُ والدتك، وهي تجهز جيشها بالفعل لإنقاذكِ.

أما والدك فقد ذهب للقاء أرواح أرضية متنوعة لتخطيط الحرب القادمة. بما أنه لا يمنح ولاءه لأي سيّد فلا أحد يعثر عليه،> أخبرتها بأسف. جزّت ثيرا على أسنانها. اعتاد والدها الخروج إلى العالم للحديث مع الأرواح التي حكمها، لكن كان لزاماً أن يحدث ذلك في أسوأ وقت ممكن. حين تواصلت معها أنايليا، كان أملها الأعظم بالهروب. عادة ما يغيب لأسبوعين على الأكثر، لكن من يدري إن كانت ستظل حية بحلول وقت عودته.

<كل الأمل لم يُفقد،> أخبرتها أنايليا بهدوء. <من المحتمل أن يُعثر على والدك، حتى وإن لم يحدث، فإن صديقك لم يستسلم.> انتظري، تعنيين... <يبدو أن ابن المليار يشعر بالحيلة، وهو في طريقه.>