آه، لماذا تصرّفتُ على هذا النحو؟ لم يكن يحاول التخلص مني بالطبع، بل يرى أنني أستحق رفيقاً أفضل للصيد، وربما لم يكن مخطئاً، ولكن… تباً.
«أمري، ثيرا، أكل شيء على ما يرام؟»
سألتها ستيف وهما تتبادلان الحراسة. في الليلتين الأوليين استطاعتا تبادل أطراف الحديث قليلاً، أما هذه الليلة فكانت صامتة تماماً وتغرق في أفكارها. كانت غريزة ثيرا الأولى هي الكذب والقول إن كل شيء على ما يرام، لكنها لم تغمض جفناً طوال الليل بسبب شعورها، وكانت راغبة في الحديث حقاً. وبما أن صونيا لم تكن موجودة، والشخص الذي اعتادت الحديث معه عن مشاكلها هو نفسه الذي تشاجرت معه، فلن يضرها البوح لستيف بالقليل.
«تشاجرت مع بن»
اعترفت بذلك وشعور بالغرابة يلفها.
«يا للفقر، ماذا حدث؟»
«أمر سخيف، حاول التحدث معي بشأن إيجاد فريق حقيقي للصيد ورددت عليه بفظاظة.»
«إنه صانع»
قالت ستيف بحذر في اختيار كلماتها.
«أترين من المناسب إخباري كيف انتهى بكما المطاف شريكين في الصيد أساساً؟»
كانت قد سمعت القصة باختصار من رسائل بن، لكن الفضول أكلها لمعرفة التفاصيل الدقيقة التي فاتتها سابقاً. أبدت ثيرا موافقتها وطفقت تسرد باختبار بحرج قصة بدايتهما معاً، وكيف أجبرهما عمّها على ذلك، ومحاولاته المزعجة لصداقة بينما أرادت هي الاحتفاظ بمسافتها، وما مرّا به من أهوال مع روان، ثم كل ما دبّرته أمها في أنيليا. حين استعادت تلك الذكريات، لم تستطع منع نفسها من التفكير في أنه رغم كل الجنون، كان عاماً ممتعاً، وربما من أمتع الأعوام في حياتها.
وحين تذكرت مواجهتها للموت على يد مججل واختبار ملك، بدا الأمر أفضل بكثير من الرتابة التي سادت حياتها من قبل. رسم استرجاع الذكريات ابتسامة خافتة على شفتيها خفاها غطاؤها، لكن ستيف استخلصت شيئاً مختلفاً من قصة ثيرا.
«ذلك الأحمق»
غضبت محاولة كبح صراخها كي لا توقظ النائمين.
«في ولا رسالة واحدة أخبرنا بعدد المرات التي كاد يموت فيها.»
«آه، أنا متأكدة من أنه لم يُرد إزعاجكم»
سارعت ثيرا بالرد مدركة أنها سيّد امة كشفت أكثر مما ينبغي.
«ممم، سأحادمه في الأمر لاحقاً. لكن، ألسْتِ قلقة من خسارته؟»
«...»
تحدث صمتها بألف كلمة، مما أشعل في ستيف رغبة في التعمق أكثر. فقد أرادت التقرب من ثيرا أصلاً، فضلاً عن إرواء فضولها الخاص.
«إذن، عما يقال بشأن الزواج...»
«ما علاقة هذا بكل هذا؟»
«سايريني فحسب»
طلبت منها ستيف.
«لنفرض أنك عاجزة عن إلغاء الخطبة، فأمك تبدو داهية، وربما تجبرك على الأمر. كيف ستشعرين لو اضطررت للزواج من بن؟»
أمعنت ثيرا التفكير. لم تخطر ببالها قط إمكانية إمعان أمها في الضغط أكثر مما فعلت، لكن الاحتمال كان قائماً وأكثر ترجيحاً مما تود الاعتراف به. أما عن شعورها حيال ذلك...
«حزينة. أعتقد أن الأمر سيحزنني.»
لم تكن تلك الإجابة التي توقعتها ستيف، ولا اقتربت حتى مما حلمت به. فقد أدركت المشكلة ذاتها التي طرحها ويل على بن. فمع عدد البشر على الكوكب واحتمال موت بعضهم في الحرب القادمة لا محالة، قد يجد بن نفسه وحيداً فوق كونه بلا سند يُذكر. وأملت أن يكون اهتمام ثيرا ببن يميل نحو العاطفة كي لا يضطر لتجرّع ذلك ولينال بعض المزايا التي حُرم منها بسبب مهاراته التي هبط بها، لكن يبدو أن الأوان لم يآن.
ومع ذلك، أرادت سبر الأغوار، خاصة بعد إجابة كهذه.
«أليس هذا متطرفاً بعض الشيء؟ أعلم أنه قد يهوسه الشروع في مهمة، وأنه لا يلقي بالاً للحدود الشخصية، لكني متأكدة أنك ترين كم هو رجل لطيف؟»
«لا علاقة للأمر بذلك»
هزت رأسها نافية.
«هو يعلم بالفعل، لكن بصفتي نصف عروسة أتوقع حياة طويلة بشكل غير معتاد. لم أكن أرغب بالزواج قط لأن فكرة مشاهدة شخص أهتم له يذبل ويموت ببطء تبدو مرعبة.»
صُعقت ستيف للحظات. لم تتوقع سبباً بهذا القدر من الكآبة واحتاجت وقتاً لتجد ما تقوله.
«في هذه الحال، ماذا لو تزوج بن شخصاً آخر، أسترضيك الفكرة؟»
«ولم لا أرضى؟»
سألت بحيرة.
«غالباً ما يرتبط الناس بشخص آخر فيقل وقتهم لمن يهتمون لأمرهم. ليس قصداً، لكنه يحدث.»
تجمّدت ثيرا. لم يكن لديها أصدقاء حقيقيون في طفولتها، ونبذت فكرة الرومانسية حين نضجت بما يكفي لتعي ماذا تعني لها، لذا خلت تماماً من أي خبرة في خسارة صديق بسبب الحب.
«أحدث هذا لكِ ولويل؟»
باغتتها بالسؤال طامبة بمزيد من التفاصيل وجاعلة ستيف تحمرّ خجلاً.
«آه، أم، ماذا تعنين؟»
«أوه عذراً، خلت الأمر كذلك مما رأيته حين وصل بيننا. أيفعل البشر هكذا عادة مع أصدقائهم فحسب؟»
بدا الأمر شديد الخصوصية بالنسبة لكثير من الأجناس، وترك وجهها محمرّاً تحت الغطاء لفترة بعد وقوعه. وإن كان البشر يتعاملون هكذا مع كل من يهتمون لأمرهم، أفيعني هذا أن بن يرغب في ذلك ويمتنع فقط احتراماً للفوارق الثقافية؟ وهل سيتوق لوقت خاص مع ستيف لكي... أشعلت الفكرة الحمرة في وجهها مجدداً، لكن ستيف سارعت بتدارك الموقف.
«لا!»
صاحت بصوت أعلى من المخطط.
«أعني، نعم، أنا وويل معاً، نحن لا نفعل ذلك مع أي كان فلا تظني ظن السوء. أما عنا، فأغلب من نُعنى بهم يعيشون في عالم آخر. أبعث برسائل لبعض زملائي ويفعل ويل المثل، لكن الأمر مختلف حقاً.»
«أوه جيد»
قالت ثيرا بارتياح غريب. انتظري، أارتياح؟ ولماذا أشعر بـ...
«نعود لموضوعنا، أرى أن تحسمي أمرك بإخباره عما تلجلج في صدرك. إن أردت متابعة الصيد معه فصارحيه بالسبب والغاية.»
«ممم، أعلم أنك على حق، لكنني أثرت ضجة وسيبدو الموقف محرجاً جداً...»
«سيكون على ما يرام، أراهن أن بن قلق بقدرك»
شجعتها ستيف بثقة.
«ثم إن شيئاً لن يتغير إن التزم كل منكما الصمت.»
«حسناً، سأحدثه صباحاً... شكراً لك.»
ابتسمت ستيف بينما غرقت ثيرا في أفكارها، واستمتع اثنتان بالهدوء بقية الليل، إلى أن انفجرت الأرض تحتهما.