صرخ بن: "لماذا أنا سيّء إلى هذا الحدّ؟"
بعد أن هشَم وحشه العشرين في ذلك اليوم. كانوا يتعقّبون الشياطين ليوميْن متتالييْن بلا طائل، وفي الوقت الذي ينشغل فيه الجميع بقتال كائنات أشدّ كانت ثيرا تجذبها إليهم عبر خلع عباءتها وحزام مقاومتها، وُكِل إلى بن أمر التعامل مع الوحوش الأصغر، مع حرصه على طلب النَّجدة إن تفاقم الوضع، وكان يمقت كل دقيقة من ذلك. فضلاً عن وقع تكسُّر العظام غير المستحبّ تحت كل ضربة، تركت تلك الهجمات كل ما يقتله غير صالح للاستخدام من خامات تقريباً؛
ممّا يعني أنّه عجز عن الانتفاع بتلك الأجزاء لاحقاً، وعجز كذلك عن التمرّن على التفكيك بالحالة التي تركها عليها. وبما أنه فرغ للتوِّ من تفكيك كل ما حصده بمرانه على السِّكين، عاد ذلك ليحني أنّه لن يقدر على التمرّن إلَّا بما يقتله الآخرون.
أخبره ويدرو وهو يراقب قتال الجميع من جانب: "ليس جيّداً أن تكون في مثل هذه العجلة. المستوى الصِّفْريّ قد يستغرق أسابيع أو شهوراً للتعلُّم، بل كن ممتناً لأنّك نلت الأول بمثل هذه السرعة".
قال: "أدرك ما تقوله، لكن كلّما ظفرت به مبكّراً تسنَّى لي الاسترخاء عاجلاً والتركيز على مران المهارات التي أعبأ بها حقّاً، وأظنُّه جليّاً بما يكفي أنني لست مقاتلاً".
لقد اضطر بالفعل لأن تعمد ستيف إلى معالجته بضع مرَّات اليوم حين اقترب أحدهم كثيراً أو غفل هو. لم يكن الأمر جليلاً، لكنّه لن يصمد أمام الأهوال التي خاضها الباقون، ولا سيّما الحالي. كان وصفه بالتنين سخيّاً للغاية، غير أنّه نوع من وحوش السحالي. بحجم أسد وله ستَّة قوائم وحراشف خضراء داكنة، وبدا قادراً على توظيف سحر الهواء، عاصفاً بالرياح حول مهاجميه وموثقاً إيَّاهم بالغبار والحطام، محاولاً دفعهم ودفع ضرباتهم، بلا جدوى.
في مواجهته، وقف ويل وستيف وثيرا بثبات. وباعتبارهما ساحرتين، وقفت ستيف وثيرا في الخلف لتجنُّب الوقوع في شراك الزوبعة، وتحاربتا باستراتيجية صاغتاها بعد يوم القتال الأول، إذ فتحت ستيف بوابات بين هجمات ثيرا والوحش لتقلّص قدرته على التفاعل مع الصخور الصغيرة المندفعة صوبه، في حين كان ويل يهرول بين التعاويذ لينازل رأساً برأس، مؤدياً بشكل جيّد ومدهش أيضاً. بفضل توليفته من الجلد الصلب والقوة المُعزَّزة وباعتباره سيّد اشتباك أعزل بصفته مهاراته المُبارَكة، فقد أعدَّه ذلك جيّداً للمنازلة وجهاً لوجه في مواجهة الوحش، غير أنّه حظي بأمرين إضافيين كذلك.
تمثَّل الأول في أنّه بينما كانت ستيف تعدُّ البوابات لسحر ثيرا، راحت تستخدم سحر الزمن على ويل لتسريع خطاه، دافعة إيَّاه للتحرُّك بوتيرة أسرع وردّ فعل أشدّ. وأمَّا الثاني فكان خالصاً له وحده، شيئاً تعلَّمه فيما يبدو خلال مرانه. في مرحلة ما خلال العام الماضي، أفلح في تعلُّم مهارة تعزيز. كانت مهارات التعزيز شائعة إلى حدّ ما بين أصحاب بُنى المحاربين أو المقاتلين، لكن بن لم يشهد أحداً منها عياناً من قبل، وكانت فئة أخرى من المهارات التي لن يبلغها بنفسه قط.
والسبب في ذلك بسط، ومثله مثل مهارات السحر، فقد كانت مرهونة بالألفة التي يمتلكها المرء مسبقاً، مما يعني استحالة تعلُّمه أياً منها بتلك الألفة الضئيلة العالق بها. كانت تلفَّ جسد المرء أو أسلحته بالمَانا باعتبارها وسيلة لإيقاع ضرر إضافي مقارنة بما تقوى الهجمات على تحقيقه في العادة، وبتكلفة مَانا أقلّ بكثير مقارنة بساحر يحاول بلوغ النتيجة ذاتها، مما يجعلها أليق بكثير بالمحاربين ممن تقلّ سعة مَاناهم عادة.
وبطبيعة الحال، وبالنظر إلى علوّ جميع خصائص ويل حين بلغ العالم، لكان بمجرد تعلُّم السحر قادراً على توظيفه بصيغته التامّة، لكن بن رأى أن هذا الأسلوب يليق بصديقه أكثر. أمَّا عن المهارة العينية التي تعلَّمها ويل، فبدا كأنّه اختار ما يفوق الدهشة مجرد ارتباط المهارة بألفة واحدة بعينها. حملت كل مهارة تعزيز الخصائص ذاتها للألفة المرتبطة بها، لذا يُفترض أن النار والأرض والموت أمست الخيارات الأكثر شيوعاً عند القتال، لكنَّ ويلاً أفلح فيما هو أندر بكثير وظفر بتعزيز البرق.
وكما وُجدت مهارات سحر تتطلَّب ألفة لائقة لأنواع متعدِّدة من السحر ونادراً ما تُحرز بغير إيقاظ المهارات، صَدَق الأمر ذاته على التعزيزات، وربما بدرجة أشدّ. وفي حين أمكن لساحر يملك سحر الماء والهواء والضوء حبك تعاويذ برق معاً بصعوبة متزايدة وتكلفة مَانا أعلى، عجز المرء عن مجرّد توظيف تعزيزات الماء والهواء والضوء لإنتاج تعزيز برق، مما فرض على ويل التمرّن على تلك التعزيزات الثلاثة معاً، فضلاً عن حظوة استثنائية أفضت به إلى الظفر بالمهارة المُدمَجة، وبحسب ما بدا، فقد استحقَّت العناء.
وبين تعاويذ الفتيات، كان ويل يندفع ليوجّه وابلاً من اللكمات المكهربة، وتجري شحنات من الطاقة في ذراعه وهو يفعل قبل أن يثب مبتعداً حين يحاول الوحش مهاجمته خالقاً ثغرة أُخرى لرصاصة الأرض التالية. تمسَّكت ثيرا بتلك التعويذة الآن إذ استطاعت تعاويذ التضحية على عصاها معالجتها، إلى جانب حقيقة أنه ورغم ضخامتها غير المعقولة، استطاعت تقليص حجمها الآن عما كان عليه قبل ارتقاء سحرها، ونتيجة لذلك تمكَّنت من إطلاق المزيد دون تحميل العصا والتعاويذ عليها عبئاً إضافياً، مما يعني أنها لن تحطمها خلال الأيام القليلة المتبقية لهم هنا.
نجا المخلوق من هجماتهاربما أيسر مما فعل معظمها في الماضي، لكنهما كانا في قلب البراري عوضاً عن الاقتراب من البلدات، ونظراً لغياب أعداد غفيرة من الصيادين والمغامرين للتمرّن وتصفية الكائنات الخطرة، أُتيح للمفترسات العُليا هنا كسب الوقت للنمو بقوة وفتاكة أكبر. وحتى مع دمج سحرها بسحر ستيف، استطاع المخلوق التفاعل ومحاولة المراوغة أو تخفيف حدّة الضربة بنفخة هواء بين الضربات.
ورغم أن تلكم المحاولات حقَّقت نجاحات ضئيلة، إلا أنها منعتهم من تسديد ضربة حاسمة، لتكتفي باستنزاف دفاعات الوحش وحسب. مع ذلك فقد كفى. تشقَّقت الحراشف وهُوجم الجسد وتحطَّم، وحالما انسحب ويل إثر جولته الأخيرة من اللكمات أطلقت ثيرا تعويذة أخرى هوت بالمخلوق قتيلاً. وحال تأكُّد موته سارع بن لإعادة تطبيق التعاويذ على عصا ثيرا وتفقد حالتها قبل الشروع بتفكيكه بينما حاول البقية استدراج المزيد من الوحوش للتمرّن ضدّها.
وبينما كان يفككه لم يستطع منع نفسه من التفكير بأن ثيرا بدت كمن يستمتع بوقته. فهكذا أرادت الصيد دوماً على أي حال، وجهاً لوجه أمام كائنات قوية، دافعة نفسها وسحرها إلى أقصى طاقاتها، ومع ويل وستيف سنحت لها الفرصة. وحتى لو أنهى بن هذه الرحلة بمهارات مستخدم السكين والمطرقة، فلن يكون مقاتلاً، إذ خلا من الدافع ببساطة. وما تعنيه تلك الحقيقة إذاً هو وجوب عثورها على رفقة حقيقية للمغامرة معها، وهو خاطر ترك شعوراً داخله أكثر تعقيداً مما توقع.
فصيدهم المشترك ما كان سوى مؤقتاً حتى تعثر على رفقة جديدة، لكنه استمتع برفقتها. إذ بدا اختبار أداته مثيراً، ورمي نفسه دائماً لتبين طريقة تحسين عصاها وفَّر له تحدياً جيّداً. ناهيك عن أنه أحبَّ صحبتها فحسب. ففي الأيام التي كان يخرج فيها للصيد وحيداً لجلب المؤن لصناعته كان الأمر مملاً باستثناء وقت ظفره بصيده، والآن بات يملك من يتبادل الحديث معها ليمضي الوقت، ومن خلال ذلك نما توادُّهما.
لم يكن الأمر كأنهم يفقدون ذلك إن كفُّوا عن الصيد معاً، سيَّما حين يقطنان تحت سقف واحد، لكنّه تغيّر لم يكن واثقاً من تقبّله. مع ذلك، ربما يجدر بي مفاتحتها بالأمر في مرحلة ما. بدا عدد كافٍ من أهل ستونوول منفتحين عليها الآن لدرجة تمكنها من إيجاد رفقة حقيقية وتنمية مهاراتها برفقتهم.